المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية - ابن عطية  
{وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (109)

{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }( 109 )

وقوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب } ، { كثير } مرتفع ب { ود } ، وهو نعت لنكرة ، وحذف الموصوف النكرة قلق ، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال بمنزلة فريق( {[1110]} ) ، قال الزهري عنى ب { كثير } واحد ، وهو كعب بن الأشرف ، وهذا تحامل( {[1111]} ) ، وقوله تعالى { يردونكم } يرد عليه ، وقال ابن عباس : المراد ابنا أخطب ، حيي وأبو ياسر . ( {[1112]} )

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وفي الضمن الاتباع ، فتجيء العبارة متمكنة ، و { الكتاب } هنا التوراة ، و { لو } هنا بمنزلة «إن » لا تحتاج إلى جواب ، وقيل يتقدر جوابها في { ود } ، التقدير لو يردونكم لودوا ذلك .

قال القاضي أبو محمد : ف «ود » دالة على الجواب ، لأن من شرطه أن يكون متأخراً عن { لو } ، و { كفاراً } مفعول ثان ، ويحتمل أن يكون حالاً ، و { حسداً } مفعول له( {[1113]} ) ، وقيل : هو مصدر في موضع الحال .

واختلف في تعلق قوله { من عند أنفسهم } : فقيل يتعلق ب { ود }( {[1114]} ) لأنه بمعنى ودوا ، وقيل : يتعلق بقوله { حسداً } فالوقف على قوله { كفاراً } ، والمعنى على هذين القولين أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب ولا أمروا به فهو من تلقائهم ، ولفظة الحسد تعطي هذا ، فجاء من عند أنفسهم تأكيداً وإلزاماً ، كما قال تعالى : { يقولون بأفواههم } [ آل عمران : 167 ] ، و { يكتبون الكتاب بأيديهم } [ البقرة : 79 ] ، { ولا طائر يطير بجناحيه }( {[1115]} ) [ الأنعام : 38 ] ، وقيل يتعلق بقوله { يردونكم } ، فالمعنى أنهم ودوا الرد بزيادة أن يكون من تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم .

واختلف في سبب هذه الآية ، فقيل : إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر( {[1116]} ) أتيا بيت المدراس ، فأراد اليهود صرفهم عن دينهم( {[1117]} ) ، فثبتا عليه ونزلت الآية ، وقيل : إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي الله عن متابعة أقوال اليهود في { راعنا }

[ البقرة : 104 ] وغيره ، وأنهم لا يودون أن ينزل خير ، ويودون أن يردوا المؤمنين كفاراً .

و { الحق } : المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وصحة ما المسلمون عليه ، وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عناداً( {[1118]} ) ، واختلف أهل السنة في جواز ذلك ، والصحيح عندي جوازه عقلاً وبعده وقوعاً ، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد ، والعفو ترك العقوبة وهو من «عفت الآثار » والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق .

وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون } [ التوبة : 29 ] إلى قوله { صاغرون }( {[1119]} ) [ التوبة : 29 ] ، وقيل : بقوله { اقتلوا المشركين }( {[1120]} ) ، وقال قوم : ليس هذا حد المنسوخ ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته . ( {[1121]} )

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع أو قتل قريظة وإجلاء النضير( {[1122]} ) ، وأما من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه بعينها ، لأنه لا يختلف أن آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها ، والنسخ هو مجيء الأمر في هذه المقيدة( {[1123]} ) ، وقيل : مجيء الأمر هو فرض القتال ، وقيل : قتل قريظة وإجلاء النضير ، وقال أبو عبيدة في هذه الآية : إنها منسوخة بالقتال( {[1124]} ) ، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة .

قال القاضي أبو محمد : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف ، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة ، وقوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } مقتضاه في هذا الموضوع وعد للمؤمنين .


[1110]:- إنما كانت متمكنة لتخصصها بقوله تعالى: (من أهل الكتاب) وهي بمنزلة (فريق) في قوله تعالى: (نبذ فريق من الذين أوتو الكتاب).
[1111]:- أي تكلف بعيد.
[1112]:- رواه عنه محمد بن اسحق.
[1113]:- أي من (ود)، بمعنى أن الحامل لهم على ردكم كفارا هو الحسد، وهذا أفضل ما فيه من الأعاريب، راجع "البحر المحيط" 1/348.
[1114]:- أي أنهم ودوا ذلك من جهة أنفسهم، لا من جهة دينهم.
[1115]:- الآيات على الترتيب: -من الآية 167 من سورة آل عمران. – ومن الآية 79 من سورة البقرة، - ومن الآية 38 من سورة الأنعام.
[1116]:- حذيفة بن اليمان أبو عبد الله العبسي، توفي سنة 36هـ - وعمار بن ياسر بن عامر ابن مالك- من السابقين إلى الإسلام، شهد المشاهد كلها مع الرسول، وقتل مع الإمام علي بصفين سنة 87هـ.
[1117]:- هكذا بالأصل، وواضح أن الضمير للمثنى.
[1118]:- يعني أن الكفر يكون مع معرفة الحق لقوله تعالى: (من بعد ما تبين لهم الحق)، فالمعرفة لا تمنع من الكفر حسدا وعنادا، وقد اختلف أهل السنة في ذلك على قولين: أكان كفر إبليس جهلا أم عنادا؟ ولا خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر جهلا قال: إنه سلب العلم الذي كان عند كفره، ومن قال إنه كفر عنادا قال: إنه كفر ومعه علمه: قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء. وروى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: (وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله عن عمرو بن ذر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: "لو أراد الله ألا يعصى لم يخلق إبليس"،ثم روى عن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: (يا أبا بكر، لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس)، انتهى.
[1119]:- من الآية 29 من سورة التوبة.
[1120]:- من الآية 5 من سورة التوبة.
[1121]:- يعني أن العفو والصفح في هذه الآية محدد بمدة وهي قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره)، وعندما أمر بقتال الذين لا يؤمنون، أو بقتل المشركين –في سورة التوبة- كان أمر الله قد أتى، فلا ينسحب حكم النسخ على هذه الآية حينئذ.
[1122]:- يعني أن القول بعدم النسخ إنما يأتي على من يجعل الأمر المنتظر المدلول عليه بقوله تعال: (حتى يأتي الله بأمره) هو أوامر الشرع بقتال الذين لا يؤمنون، أو بقتل قريظة وإجلاء النضير.
[1123]:- وهي: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) إلخ أو : (اقتلوا المشركين).
[1124]:- وجه إعادة هذا الكلام هو الرد على أبي عبيدة في قوله: إن الآية مكية.