روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (121)

{ الذين ءاتيناهم الكتاب } اعتراض لبيان حال مؤمني أهل الكتاب بعد ذكر أحوال كفرتهم ولم يعطف تنبيهاً على كمال التباين بين الفريقين والآية نازلة فيهم وهم المقصودون منها سواء أريد بالموصول الجنس أو العهد على ما قيل إنهم الأربعون الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب اثنان وثلاثون منهم من اليمن وثمانية من علماء الشام .

{ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } أي يقرءونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي ، والجملة حال مقدرة أي آتيناهم الكتاب مقدراً تلاوتهم لأنهم لم يكونوا تالين وقت الإيتاء وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه ، و{ حَقّ } منصوب على المصدرية لإضافته إلى المصدر ، وجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف وأن يكون حالاً أي محقين والخبر قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } ويحتمل أن يكون يتلونه خبراً لا حالاً ، { أولئك } الخ خبراً بعد خبر أو جملة مستأنفة ، وعلى أول الاحتمالين يكون الموصول للجنس ، وعلى ثانيهما يكون للعهد أي مؤمنو أهل الكتاب ، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للحصر والتعريض ، والضمير للكتاب أي أولئك يؤمنون بكتابهم دون المحرفين فإنهم غير مؤمنين به ، ومن هنا يظهر فائدة الاخبار على الوجه الأخير ، ولك أن تقول محط الفائدة ما يلزم الإيمان بهن الربح بقرينة ما يأتي ، ومن الناس من حمل الموصول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عكرمة وقتادة ، فالمراد من ( الكتاب ) حينئذ القرآن ، ومنهم من حمله على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وإليه ذهب ابن كيسان ، فالمراد من الكتاب حينئذ الجنس ليشمل الكتب المتفرقة ، ومنهم من قال بما قلنا إلا أنه جوز عود ضمير { بِهِ } إلى { الهدى } [ البقرة : 0 12 ] أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الله تعالى ، وعلى التقديرين يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة أو من التكلم إليها ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد البعيد .

{ وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي الكتاب بسبب التحريف والكفر بما يصدقه ، واحتمالات نظير هذا الضمير مقولة فيه أيضاً . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان ، وقيل : بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَـٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (121)

قوله : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته } اختلف المفسرون في المراد بالذين آتيناهم الكتاب فقد قيل إنهم أصحاب هذه الملة{ المسلمون } ، وذلك استنادا إلى ما ذكره كثير من الصحابة الكرام ، منهم ابن عباس وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضوان الله عليهم . وقيل نزلت هذه الآية في فريق من أهل الكتاب قدموا من الحبشة إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في يثرب ، وأعلنوا إسلامهم ، وهذا هو القول الراجح عندي ، مستندا في ذلك إلى ما ذكره بعض آخر من الصحابة ومستأنسا كذلك بكلمة { الكتاب } الواردة في هذا النص ، ومثل هذه الكلمة غالبا ما ترد مضافا إليها النصارى أو اليهود وهم أهل الكتاب ، وينبغي بعد ذلك أن ينسحب مفهوم هذا النص ليشمل كل من آمن برسالة الإسلام من أهل الكتاب في أي زمان أو مكان ليكون في عداد المسلمين على السواء وذلك على اختلاف أجناسهم وألوانهم .

وقوله : { الذين } اسم موصول في محل رفع على الابتداء ، والجملة الفعلية من { يتلونه حق تلاوته } في محل نصب حال . وخبر المبتدأ في الجملة الإسمية { أولئك يؤمنون به }{[126]} وقوله : { يتلونه حق تلاوته } أي قرأونه قرة تدبر وإمعان وخشوع مع العزم على الاستفادة والامتثال ، فيحلون بذلك حلاله ، ويحرمون حرامه ، ولا يحرفون كلمهُ عن مواضعه ، ولا يتأولون منه شيئا على غير تأويله المناسب والصحيح .

قوله : { أولئك يؤمنون به } يشبه قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب الذين هدوا إلى الإيمان فآمنوا ، والذين شرح الله صدورهم للإسلام لما وقفوا على أمره وحقيقته فأسلموا فقال سبحانه فيهم : { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين } وقال أيضا { إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا } .

قوله : { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } الخسران المبين الأكبر يحيق بكل أولئك الذين يكفرون بدين الإسلام ، وينكرون نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وما أنزل عليه من كتاب وهو القرآن الحكيم الذي فيه خبر الأولين والآخرين وهو نذير للناس كافة بين يدي عذاب مقيم شديد . وذلك يشبه قوله تعالى : { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } {[127]} .


[126]:فارغ؟؟؟؟؟؟
[127]:- الكشاف جـ 1 ص 308 وتفسير النسفي جـ 1 ص 72 وفي ظلال القرآن جـ 1 ص 146.