{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا ءامَنًا } الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى : { رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } [ إبراهيم : 7 3 ] أي اجعل هذا المكان القفر بلداً الخ فالمدعو به البلدية مع الأمن ، وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم ( 53 ) { رَبّ اجعل هذا البلد آمنا } ولعل السؤال متكرر ، وما في تلك السورة كان بعد ، والأمن المسؤول فيها إما هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي ، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه . وإما غيره بأن يكون المسؤول أولاً : مجرد الأمن المصحح للسكنى ، وثانياً : الأمن المعهود ، ولك أن تجعل { هذا البلد } في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في الذهن كما يدل عليه { رَّبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ } [ إبراهيم : 7 3 ] الخ فتطابق الدعوتان حينئذٍ ، وإن جعلت الإشارة هنا إلى البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلداً والمطلوب كونه آمناً على طبق ما في السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلداً كاملاً في الأمن كأنه قيل : اجعله بلداً معلوم الاتصاف بالأمن مشهوراً به كقولك كان هذا اليوم يوماً حاراً ، والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل : { فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] وإما على الاتساع والإسناد المجازي ، والأصل آمناً أهله فأسند { مَا } للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك ، وهل الدعاء بأن يجعله آمناً من الجبابرة والمتغلبين ، أو من أن يعود حرمه حلالاً ، أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف ، أو من القحط والجذب ، أو من دخول الدجال ، أو من دخول أصحاب الفيل ؟ ؟ أقوال ، والواقع يرد بعضها فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه كعمرو بن لحي الجرهمي ، والحجاج الثقفي والقرامطة وغيرهم وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان/ غرضه شيئاً آخر لا يجدي نفعاً كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي المثل :
إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر ***
وكان النداء بلفظ الرب مضافاً لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل ، وإجابة ضراعته ، وقد أشرنا من قبل إلى ما ينفعك هنا فتذكر .
{ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } أي من أنواعها بأن تجعل قريباً منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجيء إليه من الأقطار الشاسعة قد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد روي أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فاقتلع بقعة من فلسطين ، وقيل : من الأردن وطاف بها حول البيت سبعاً فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف ، وهذا على تقدير صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله ، وإن أبيت إبقاءه على ظاهره فباب التأويل واسع ، وجمع القلة إظهاراً للقناعة ، وقد أشرنا إلى أنه كثيراً ما يقوم مقام جمع الكثرة ، و{ مِنْ } للتبعيض ، وقيل : لبيان الجنس .
{ مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر } بدل من { أَهْلِهِ } بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه واقتصر في متعلق الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به { قَالَ } أي الله تعالى . { وَمَن كَفَرَ } عطف على { مَنْ ءامَنَ } أي وارزق من كفر أيضاً فالطلب بمعنى الخبر على عكس { وَمِن ذُريَّتِي } [ البقرة : 124 ] وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف وكأن إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الإمامة أو أنه عليه السلام لما سمع { لاَ يَنَالُ } [ البقرة : 124 ] الخ احترز من الدعاء لمن ليس مرضياً عنده تعالى فأرشده إلى كرمه الشامل ، وبما ذكرنا اندفع ما في «البحر » من أن هذا العطف لا يصح لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير : قال إبراهيم وارزق فينافيه ما بعد ، ولك أن تجعل العطف على محذوف أي أرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر ومن لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون { مِنْ } مبتدأ شرطية أو موصولة وقوله تعالى : { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } على الأول : معطوف على { كُفِرَ } وعلى الثاني : خبر للمبتدأ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا حاجة إلى تقدير أنا لأن ابن الحاجب نص على أن المضارع في الجزاء يصح اقترانه بالفاء إلا أن يكون استحساناً ، وإلى عدم التقدير ذهب المبرد ، ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء ، ثم الكفر وإن لم يكن سبباً للتمتع المطلق لكنه يصلح سبباً لتقليله وكونه موصولاً بعذاب النار وقليلاً صفة لمحذوف أي متاعاً أو زماناً قليلاً وقرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } مخففاً على الخبر ، وكذا قرأ يحيى بن وثاب إلا أنه كسر الهمزة ، وقرأ أبيّ فنمتعه بالنون وابن عباس ومجاهد { فَأُمَتّعُهُ } على صيغة الأمر ، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في { قَالَ } عائداً إلى إبراهيم وحسن إعادة { قَالَ } طول الكلام وأنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر وكونه عائداً إليه تعالى أي : قال الله فأمتعه يا قادر يا رازق خطاباً لنفسه على طريق التجريد بعيد جداً لا ينبغي أن يلتفت إليه .
{ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } الاضطرار ضد الاختيار وهو حقيقة في كون الفعل صادراً من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى من السطح مثلاً مجاز في كون الفعل باختياره لكن بحيث لا يملك الامتناع عنه بأن عرض له عارض يقسره على اختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة وبِكِلاَ المعنيين قال بعض ، ويؤيد الأول قوله تعالى : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور : 3 1 ] و{ يُسْحَبُونَ في النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 8 4 ] و{ فيؤخذ بالنواصي والأقدام } [ الرحمن : 1 4 ] ويؤيد الثاني قوله تعالى : { وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها } [ الزمر : 1 7 ] { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم : 1 7 ] الآية و{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [ الأنبياء : 8 9 ] والتحقيق أن أحوال الكفار يوم القيامة عند إدخالهم النار شتى وبذلك يحصل الجمع بين الآيات وإن الاضطرار مجاز عن كون العذاب واقعاً به وقوعاً محققاً حتى كأنه مربوط به ، قيل : إن هذا الاضطرار في الدنيا وهو مجاز أيضاً كأنه شبه حال الكافر الذي أدَرّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً إلى ما يهلكه بحال من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه فاستعمل في المشبه ما استعمل في المشبه به وهو كلام حسن لولا أنه يستدعي ظاهراً حمل ( ثم ) على التراخي الرتبي وهو خلاف الظاهر .
وقرأ ابن عامر إضطره بكسر الهمزة ، ويزيد بن أبي حبيب اضطره بضم الطاء وأبيّ نضطره بالنون ، وابن عباس ومجاهد على صيغة الأمر ، وابن محيصن أطره بإدغام الضاد في الطاء خبراً قال الزمخشري وهي لغة مرذولة لأن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها دون العكس ، وفيه أن هذه الحروف أدغمت في غيرها فأدغم أبو عمرو الراء في اللام في { نغفر لكم } [ البقرة : 58 ] والضاد في الشين في { لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } [ النور : 2 6 ] والشين في السين في { العرش سَبِيلاً } [ الإسراء : 2 4 ] والكسائي الفاء في الباء في { نَخْسِفْ بِهِمُ } [ سبأ : 9 ] ونقل سيبويه عن العرب أنهم قالوا مضطجع ومطجع إلا أن عدم الإدغام أكثر ، وأصل اضطر على هذا على ما قيل : اضتر فأبدلت التاء طاءاً ، ثم وقع الإدغام { وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوف لفهم المعنى أي وبئس المصير النار إن كان المصير اسم مكان وإن كان مصدراً على من أجاز ذلك فالتقدير وبئست الصيرورة صيرورته إلى العذاب .
( ومن باب الإشارة ) : { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا } الصدر الذي هو حريم القلب { بَلَدًا آمِنًا } من استيلاء صفات النفس ، واغتيال العدو اللعين ، وتخطف جن القوى البدنية { وارزق أَهْلَهُ } من ثمرات معارف الروح من وحد الله تعالى منهم وعلم المعاد إليه ، قال : ومن احتجب أيضاً من الذين يسكنون الصدر ولا يجاوزون حده بالترقي إلى مقام/ العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } من المعاني العقلية والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على حسب استعدادهم { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ } نار الحرمان والحجاب { وَبِئْسَ المصير } [ البقرة : 126 ] مصيرهم لتعذيبهم بنقصانهم وعدم تكميل نشأتهم .
قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } .
تتضمن الآية دعاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لمكة أن يجعلها الله بلدا آمنا فيعمها الرخاء والطمأنينة والرزق الوفير . وقوله : ( آمنا ) من الأمن والأمان وهو يعني الطمأنينة والسلام بعيدا عن الشك والاضطراب والتخوف وفي منجاة من كل ظواهر الشر والعدوان .
هذا هو دعاء إبراهيم لمكة أن يجعلها الله تعالى عامرة بالبركة والسلام فلا يتخللها أذى ولا يقع بساحتها بائقة من بوائق العدوان والشر ، وما من شيء فيها إلا وهو آمن لا تتطاول إليه يد بأذى حتى الشوك والشجر يظل مسترسل الأوراق والغصون فلا يتجاوز عليها أحد بالقطع . حتى الصيد تمرح قطعانه في أرجاء مكة فلا يناله أحد بآلة أو شراك مادام يتظلل بأفياء هذه البلدة المباركة القدسية التي كتبها الله مثابة للمؤمنين على طول الزمن فتهوي إليها أفئدتهم وأرواحهم ؛ ثم يدخلونها وهم آمنونا مطمئنون ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ، ولا عدوان ولا تخاصم ، ولا قتال ولا اقتتال .
وثمة مسألة تستوجب التوضيح وهي ما إذا كانت مكة حرما آمنا بدءا بعهد إبراهيم وبفضل دعائه ، أم أنها كانت كذلك قبل إبراهيم . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن مكة باتت آمنة بفضل الدعاء الخاشع الذي تضرع به إبراهيم عليه السلام في قوله : { اجعل هذا بلدا آمنا } واستدلوا على ذلك بجملة أحاديث نبوية نذكر منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : " كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإذا أخذه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " اللهم بارك لنا في ثمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مُدنا ، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " {[131]} .
وأخرج مسلم أيضا في هذا الصدد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومُدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة " {[132]} . وغير ذلك من الأحاديث كثير .
وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن مكة قد جعلها الله بلدا حراما قبل إبراهيم الخليل بل يوم خلق الله السماوات والأرض ، فهي بذلك حرام بحرمة الله تعالى بداء بإيجاد الخليفة حتى تقوم القيامة . واستدلوا لذلك بعدة أحاديث أخر ، منها ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة . وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يُعضد شوكُه ، ولا يُنفر صيده ، ولا يُلتقط لقطته إلا من عرّفها ، ولا يُختلى خلاها " قال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : " إلا الإذخر " {[133]} .
وهناك أدلة أخرى من السنة غير هذا الحديث تدل كلها على أن حرمة مكة سابقة لدعاء إبراهيم ، وأنها في كتاب الله وقدره محرمة يوم خلق السماوات والأرض وهو ما نرجحه والله أعلم .
وعلى هذا الترجيح لا تُتصور منافاة بين الأدلة لكل من الفريقين . ويمكن تصور التوفيق بين أدلة الفريقين أن ما احتج به الفريق الأول من أدلة إنما يكشف عن مجرد تذكير إبراهيم بحرمة مكة وإعادة الإخبار للناس بهذه الحقيقة . وعليه فإن مكة كانت بلدا حراما منذ القدم ، لكن إبراهيم الخليل عاود التذكير مجددا بهذه الحقيقة .
أما أي البلدين خير وأفضل ؟ فقد ذهب جمهور المفسرين وأهل العلم إلى أن مكة خير من المدينة وأفضل مع أن لكل منهما خيرا وفضلا ، وأنهما كلتيهما مباركة ومقدسة ، وأنهما مضافا إليهما بيت المقدس في فلسطين خير بقاع الله وبيوته في الأرض ، إلا أن مكة لهي ذروة السنام في القدسية والأفضلية ؛ لأنها بلد آمن ترسو على متنه الكعبة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا والتي جاء فيها قوله سبحانه : { ومن دخله كان آمنا } وقوله { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } .
وفي فضل مكة وحرمتها ووجوب نشر الأمن والسلام والطمأنينة فيما يقول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح " .
وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ؛ فلا يحلف لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب " وهو ما رواه أبو شريح العدوي لعمر بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة{[134]} .
وقوله : { وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر } دعا إبراهيم ربه أن يرزق أهل مكة من بركات الأرض في ثمارها الطيبة ذات الطعوم النافعة الجيدة .
وقوله : { من آمن } : ( من ) اسم موصول في محل نصب بدل من ( أهله ) وهو بدل بعض من كل{[135]} . وبذلك فقد كان دعاء إبراهيم لمن آمن من أهل مكة خاصة ؛ ليخرج منا لمستفيدين من الأمن والثمرات من ليسوا مؤمنين ، لكن الله تباركت أسماؤه قد كتب الرزق للناس كافة ، سواء فيهم المؤمن والكافر وكذلك المستقيم والعاصي ؛ ليأخذ الناس جميعا بحظوظهم من هذه الدنيا الحياة وما يملأها من الخيرات والمنافع والثمرات . وتلك هي سنة الله في الدنيا وفي الناس . فهو سبحانه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ويكتب الحياة واللذة والرغد للناس جميعا على اختلاف أهوائهم ومللهم وانتماءاتهم . والأصل في ذلك أن الحياة لهي ميدان اختبار وعمل ، ثم تفضي بعد ذلك إلى الدار الآخرة حيث الجزاء ولا عمل . وخير الجزاء للذين أحسنوا في هذه الحياة الدنيا والذين أخلصوا لله النوايا ليعبدوه وحده بلا شريك .
وعلى هذا الأساس فإن الله- جلت قدرته- يكتب الرزق لمن يشاء من عباده ، سواء في ذلك من آمن منهم ومن كفر ، أما من كفر فإن الله يمتعه في الدنيا بما كتبه له من الحظ والعطاء الفاني ، ثم يلجئه بعد ذلك إلى عذاب النار وهو أسوأ عاقبة يؤول إليها العبد المعذب الخاسر ليبوء بهوان المصير والعذاب البئيس ، وفي ذلك يقول سبحانه : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } .