روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} (124)

{ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } في متعلق { إِذْ } احتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية ، واختار أبو حيان تعلقها ب { قَالَ } الآتي ، وبعضهم بمضمر مؤخر ، أي كان كيت وكيت والمشهور : تعلقها بمضمر مقدم تقديره اذكر أو اذكروا وقت كذا ، والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة ، والجامع الاتحاد في المقصد ؛ فإن المقصد من تذكيرهم وتخويفهم تحريضهم على قبول دينه صلى الله عليه وسلم ، واتباع الحق ، وترك التعصب ، وحب الرياسة ، كذلك المقصد من قصة إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله ، الدعوة على ملة الإسلام ؛ وترك التعصب في الدين ، وذلك لأنه إذا علم أنه نال الإمامة بالانقياد لحكمه تعالى ، وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين ، وأن الكعبة كانت مطافاً ومعبداً في وقته مأموراً هو بتطهيره ، وأنه كان يحج البيت داعياً مبتهلاً كما هو في دين النبي صلى الله عليه وسلم وأن نبينا عليه الصلاة والسلام من دعوته ، وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام ، كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده ، ويزعم اتباع ملته ؛ ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته ، أن يكون حاله مثل ذلك ، وذهب عصام الملة والدين : إلى جواز العطف على { نِعْمَتِيَ } [ البقرة : 122 ] أي : اذكروا وقت ابتلاء إبراهيم فإن فيه ما ينفعكم ويرد اعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة ؛ لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في الظلمة ويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين واعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل { اتقوا } [ البقرة : 123 ] بين المعطوفين والابتلاء في الأصل الاختبار كما قدمنا / والمراد به هنا التكليف ، أو المعاملة معاملة الاختبار مجازاً ، إذ حقيقة الاختبار محالة عليه تعالى لكونه عالم السر والخفيات و( إبراهيم ) علم أعجمي ، قيل : معناه قبل النقل أب رحيم وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ضميره ، والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام ، وإيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير ، والكلمات جمع كلمة وأصل معناها اللفظ المفرد وتستعمل في الجمل المفيدة ، وتطلق على معاني ذلك لما بين اللفظ والمعنى من شدة الاتصال واختلف فيها ، فقال طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إنها العشرة التي من الفطرة ، المضمضة ، والاستنشاق ، وقص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والفرق ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وحلق العانة .

والاستطابة ، والختان ، وقال عكرمة رواية عنه أيضاً : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ، ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة ( 112 ) { التائبون } الخ ، وعشر في الأحزاب ( 53 ) { إِنَّ المسلمين والمسلمات } الخ ، وعشر في المؤمنين و{ سَأَلَ سَائِلٌ } إلى { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [ المعارج : 34 ] وفي رواية الحاكم في «مستدركه » أنها ثلاثون ، وعد السور الثلاثة الأول ولم يعد السورة الأخيرة ، فالذي في براءة التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحفظ لحدود الله تعالى ، والإيمان المستفاد من { وَبَشّرِ المؤمنين } [ التوبة : 112 ] أو من { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين } [ التوبة : 111 ] في الأحزاب ، الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصيام والحفظ للفروج ، والذكر والذي في المؤمنين : الإيمان والخشوع والإعراض عن اللغو والزكاة والحفظ للفروج إلا على الأزواج أو الإماء ثلاثة والرعاية للعهد ، والأمانة اثنين ، والمحافظة على الصلاة ، وهذا مبني على أن لزوم التكرار في بعض الخصال بعد جمع العشرات المذكورة ، كالإيمان والحفظ للفروج لا ينافي كونها ثلاثين تعداداً إنما ينافي تغايرها ذاتاً ومن هنا عدت التسمية مائة وثلاث عشرة آية عند الشافعية باعتبار تكررها في كل سورة ، وما في رواية عكرمة مبني على اعتبار التغاير بالذات وإسقاط المكررات ، وعده العاشرة البشارة للمؤمنين في براءة ، وجعل الدوام على الصلاة والمحافظة عليها واحداً { والذين في أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ المعارج : 24 ، 25 ] غير الفاعلين للزكاة لشموله صدقة التطوع وصلة الأقارب ، وما روي أنها أربعون وبينت بما في السور الأربع مبني على الاعتبار الأول أيضاً فلا إشكال وقيل : ابتلاه الله تعالى بسبعة أشياء : بالكوكب ، والقمرين ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة من كوثى إلى الشام ، وروي ذلك عن الحسن ، وقيل : هي ما تضمنته الآيات بعد من الإمامة ، وتطهير البيت ، ورفع قواعده ، والإسلام ، ( وقيل ، وقيل . . . ) إلى ثلاثة عشر قولاً .

وقرأ ابن عامر وابن الزبير وغيرهما ( إبراهام ) وأبو بكرة ( إبراهِم ) بكسر الهاء وحذف الياء وقرأ ابن عباس ، وأبو الشعثاء ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم برفع ( إبراهيم ) ونصب ( ربه ) فالابتلاء بمعنى الاختبار حقيقة لصحته من العبد ، والمراد : دعا ربه بكلمات مثل { رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تحْيِي الموتى } [ البقرة : 0 62 ] و{ اجعل هذا البلد آمنا } [ إبراهيم : 5 3 ] ليرى هل يجيبه ؟ ولا حاجة إلى الحمل على المجاز . وأما ما قيل : إنه وإن صح من العبد لا يصح أو لا يحسن تعليقه بالرب فوجهه غير ظاهر سوى ذكر لفظ الابتلاء ويجوز أن يكون ذلك في مقام الإنس ، ومقام الخلة غير خفي .

{ فَأَتَمَّهُنَّ } الضمير المنصوب للكلمات لا غير ، والمرفوع المستكن يحتمل أن يعود لإبراهيم وأن يعود لربه على كل من قرائتي الرفع والنصب فهناك أربعة احتمالات الأول : عوده على { إِبْرَاهِيمَ } منصوباً ، ومعنى : { أتمهن } حينئذ أتى بهن على الوجه الأتم وأداهن/ كما يليق .

الثاني : عوده على { خَشِي رَبَّهُ } مرفوعاً ، والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على إتمامهن أو أتم له أجورهن ، أو أدامهنّ سنة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين . الثالث : عوده على إبراهيم مرفوعاً والمعنى عليه أتم { إِبْرَاهِيمَ } الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها ، ولم يأت بعدها بما يضيعها . الرابع : عوده إلى { رَبَّهُ } منصوباً والمعنى عليه فأعطى سبحانه إبراهيم جميع ما دعاه ، وأظهر الاحتمالات الأول والرابع ، إذ التمدح غير ظاهر في الثاني مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته والاستعمال المألوف غير متبع في الثالث ، ولأن الفعل الواقع في مقابلة الاختبار يجب أن يكون فعل المختبر اسم مفعول .

{ قَالَ إِنّي جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } استئناف بياني إن أضمر ناصب { إِذْ } كأنه قيل : فماذا كان بعد ؟ فأجيب بذلك ، أو بيان لابتلى بناء على رأي من جعل الكلمات عبارة عما ذكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئياته وإذا نصبت { إِذْ } ب { قَالَ } كما ذهب إليه أبو حيان : يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مرّ تفصيله ، وقيل : مستطردة أو معترضة ، ليقع قوله تعالى : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } [ البقرة : 133 ] إن جعل خطاباً لليهود موقعه ، ويلائم قوله سبحانه : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 135 ] و( جاهل ) من جعل بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين ، و{ لِلنَّاسِ } إما متعلق ب ( جاعل ) أي لأجلهم ، وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماماً كائناً لهم والإمام اسم للقدوة الذي يؤتم به . ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وهو مفرد على فعال ، وجعله بعضهم اسم آلة لأن فعالاً من صيغها كالإزار واعترض بأن الإمام ما يؤتم به ، والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه ، ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك وليس فليس ويكون جمع آم اسم فاعل من أم يؤم كجائع وجياع ، وقائم وقيام ، وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملاً للنبي والخليفة وإمام الصلاة ، بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلاً كما يشير إليه قوله تعالى : { وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار } [ القصص : 1 4 ] إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدى به ، فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته ، وهذه الإمامة إما مؤبدة كما هو مقتضى تعريف الناس وصيغة اسم الفاعل الدال على الاستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأموراً باتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم اتفاق الشرائع التي بعده في الكل ، فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب ، وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ولو بعضه لا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك ، فالمراد من ( الناس ) حينئذ أمته الذين اتبعوه ، ولك أن تلتزم القول بتأبيد إمامة كل نبي ولكن في عقائد التوحيد وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلاً كما يشير إليه قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وعدم الشيوع غير مسلم ، ولئن سلم لا يضر ، والامتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية اقتضت ذلك لا تكاد تخفى فتدبر .

ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الابتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سبباً لجعله إماماً ، وقيل : إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي ، وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من الكلمات يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة ، وكذا الختان أيضاً بناء على ما روي أنه عليه الصلاة والسلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين ، فحينئذ يحتاج إلى أن يكون إتمام الكلمات سبب الإمامة باعتبار عمومها للناس واستجابة دعائه في حق بعض ذريته ، ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى : { فَأَتَمَّهُنَّ } أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه/ يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة ولا يخفى أن الفاء يأبى عن الحمل على هذا المعنى .

{ قَالَ } استئناف بياني والضمير لإبراهيم عليه السلام { وَمِن ذُريَّتِي } عطف على الكاف يقال سأكرمك فتقول وزيداً وجعله على معنى : ماذا يكون من ذريتي بعيد . وذهب أبو حيان إلى أنه متعلق بمحذوف أي اجعل من ذريتي إماماً لأنه عليه السلام فهم من { إِنّي جاعلك } الاختصاص به ، واختاره بعضهم واعترضوا على ما تقدم بأن الجار والمجرور لا يصلح مضافاً إليه فكيف يعطف عليه وبأن العطف على الضمير كيف يصح بدون إعادة الجار وبأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر ، ودفع الأولون بأن الإضافة اللفظية في تقدير الانفصال { وَمِن ذُرّيَتِي } في معنى : بعض ذريتي فكأنه قال : وجاعل بعض ذريتي وهو صحيح على أن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار وإن أباه أكثر النحاة إلا أن المحققين من علماء العربية وأئمة الدين على جوازه حتى قال صاحب «العباب » : إنه وارد في القراءات السبعة المتواترة فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، ودفع الثالث : بأنه من قبيل عطف التلقين فهو خبر في معنى الطلب وكأن أصله : واجعل بعض ذريتي كما قدره المعترض لكنه عدل عنه إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم والعدول من صيغة الأمر للمبالغة في الثبوت ومراعات الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر ؛ ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : والمقصرين »

وقد ذكر الأصوليون أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف وأنه وقع في الاستثناء كما في الحديث : «إن الله تعالى حرم شجر الحرم قالوا إلا الإذخر يا رسول الله » واعترض أيضاً بأن العطف المذكور يستدعي أن تكون إمامة ذريته عامة لجميع الناس عموم إمامته عليه السلام على ما قيل ، وليس كذلك ؛ وأجيب بأنه يكفي في العطف الاشتراك في أصل المعنى ، وقيل : يكفي قبولها في حق نبينا عليه الصلاة والسلام والذرية نسل الرجل وأصلها الأولاد الصغار ثم عمت الكبار والصغار الواحد وغيره ، وقيل : إنها تشمل الآباء لقوله تعالى : { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ في الفلك المشحون } [ يس : 14 ] يعني نوحاً وأبناءه والصحيح خلافه ، وفيها ثلاث لغات ضم الذال وفتحها وكسرها وبها قرئ وهي إما فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ذروية فاجتمع في الأول واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت كالثانية فاجتمعت ياء وواء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الباء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الأول ذريوية فقلبت الواو ياء لما سبق فصارت ذريية كالثانية فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرية ، أو فعلية من الذرء بمعنى الخلق والأصل ذرئية فقلبت الهمزة ياء وأدغمت ، أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ياء هرباً من ثقل التكرير كما قالوا في تظننت تظنيت ، وفي تقضضت تقضيت ، أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام أو فعلية منه على صيغة النسبة قالوا : وهو الأظهر لكثرة مجيئها كحرية ودرية ، وعدم احتياجها إلى الإعلال وإنما ضمت ذاله لأن الأبنية قد تغير في النسبة خاصة كما قالوا في النسبة إلى الدهر : دهري .

{ قَالَ } استئناف بياني أيضاً ؛ والضمير لله عز اسمه .

{ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } إجابة لما/ راعى الأدب في طلبه من جعل بعض ذريته نبياً كما جعل مع تعيين جنس البعض الذي أبهم في دعائه عليه السلام بأبلغ وجه وآكده ؛ حيث نفى الحكم عن أحد الضدين مع الإشعار إلى دليل نفيه عنه ليكون دليلاً على الثبوت للآخر فالمتبادر من العهد الإمامة ، وليست هي هنا إلا النبوة ، وعبر عنها { بِهِ } للإشارة إلى أنها أمانة الله تعالى وعهده الذي لا يقوم به إلا من شاء الله تعالى من عباده ، وآثر النيل على الجعل إيماء إلى أن إمامة الأنبياء من ذريته عليهم السلام ليست بجعل مستقبل بل هي حاصلة في ضمن إمامته تنال كلاً منهم في وقته المقدر له ، ولا يعود من ذلك نقص في رتبة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه جار مجرى التغليب على أن مثل ذلك لو كان يحط من قدرها لما خوطب صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم } [ النحل : 123 ] والمتبادر من الظلم الكفر لأنه الفرد الكامل من أفراده ، ويؤيده قوله تعالى : { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة : 254 ] فليس في الآية دلالة على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر قبل البعثة ولا على أن الفاسق لا يصلح للخلافة ، نعم فيها قطع إطماع الكفرة الذين كانوا يتمنون النبوة ، وسد أبواب آمالهم الفارغة عن نيلها ، واستدل بها بعض الشيعة على نفي إمامة الصديق وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم حيث إنهم عاشوا مدة مديدة على الشرك و{ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 3 1 ] والظالم بنص الآية لا تناله الإمامة ، وأجيب بأن غاية ما يلزم أن الظالم في حالة الظلم لا تناله ، والإمامة إنما نالتهم رضي الله تعالى عنهم في وقت كمال إيمانهم وغاية عدالتهم ، واعترض بأن { مِنْ } تبعيضية فسؤال إبراهيم عليه السلام الإمامة إما للبعض العادل من ذريته مدة عمره أو الظالم حال الإمامة سواء كان عادلاً في باق العمر أم لا ، أو العادل في البعض الظالم في البعض الآخر أو الأعم ، فعلى الأول : يلزم عدم مطابقة الجواب ، وعلى الثاني : جهل الخليل ، وحاشاه وعلى الثالث : المطلوب ، وحياه ، وعلى الرابع : إما المطلوب أو الفساد وأنت خبير بأن مبنى الاستدلال حمل العهد على الأعم من النبوة والإمامة التي يدعونها ودون إثباته خرط القتاد ، وتصريح البعض كالجصاص لا يبنى عليه إلزام الكل ، وعلى تقدير التنزل يجاب بأنا نختار أن سؤال الإمامة بالمعنى الأعم للبعض المبهم من غير إحضار الاتصاف بالعدالة والظلم حال السؤال ، والآية إجابة لدعائه مع زيادة على ما أشرنا إليه ، وكذا إذا اختير الشق الأول بل الزيادة عليه زيادة ، ويمكن الجواب باختيار الشق الثالث أيضاً بأن نقول : هو على قسمين ، أحدهما : من يكون ظالماً قبل الإمامة ومتصفاً بالعدالة وقتها اتصافاً مطلقاً بأن صار تائباً من المظالم السابقة فيكون حال الإمامة متصفاً بالعدالة المطلقة ، والثاني من يكون ظالماً قبل الإمامة ومحترزاً عن الظلم حالها لكن غير متصف بالعدالة المطلقة لعدم التوبة ، ويجوز أن يكون السؤال شاملاً لهذا القسم ولا بأس به إذا أمن الرعية من الفساد الذي هو المطلوب يحصل به ؛ فالجواب بنفي حصول الإمامة لهذا القسم ، والشيخان وعثمان رضي الله تعالى عنهم ليسوا منه بل هم في أعلى مراتب القسم الأول متصفون بالتوبة الصادقة ، والعدالة المطلقة ، والإيمان الراسخ ، والإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة كذلك ، ومن كفر أو ظلم ثم تاب وأصلح لا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم في لغة وعرف وشرع إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة ، وفي غيره مجاز ، ولا يكون المجاز أيضاً مطرداً بل حيث يكون متعارفاً وإلا لجاز صبي لشيخ ونائم لمستيقظ ، وغني لفقير ، وجائع لشبعان ، وحي لميت وبالعكس ، وأيضاً لو اطرد ذلك يلزم من حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة أن يحنث ولا قائل به ، هذا ومن أصحابنا من جعل الآية دليلاً على عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل البعثة وأن الفاسق لا يصح للخلافة ، ومبنى ذلك حمل العهد على الإمامة وجعلها شاملة للنبوة والخلافة ، وحمل الظالم على من ارتكب معصية مسقطة للعدالة/ بناء على أن الظلم خلاف العدل ، ووجه الاستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الإمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم اتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذ الخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا ؟ فيتعين الثاني وهو العصمة ، أو المراد بها ههنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الاتصاف بالظلم كما في الفاسق على عدم حصول الإمامة بعد ما دام اتصافه بذلك واستفادة عدم صلاحية الفاسق للإمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجعلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل ، أو التزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الإمامة على النبوة ، وقد علمت أن المبنى الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطارئ والفسق العارض يمنع عن الإمامة بقاءاً كما منع عنها ابتداءاً لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آن وبه قال بعض السلف إلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الابتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع ، واستشهدوا له بأنه لو قال لامرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله : هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذين قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الإمامة بقاءاً أيضاً بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعاً ، ومن الناس من استدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده وأيد ذلك بما روي عن الحسن أنه قال : إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً وهو كما ترى ، وقرأ أبو الرجاء ، وقتادة ، والأعمش ( الظالمون ) بالرفع على أن ( عهدي ) مفعول مقدم على الفاعل اهتماماً ورعاية للفواصل .

( ومن باب الإشارة ) والتأويل في الآيات السابقة إلى هنا : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) أي بمراتب الروحانيات كالقلب والسر والروح والخفاء والوحدة والأحوال والمقامات التي يعبر بها على تلك المراتب كالتسليم والتوكل والرضا وعلومها { فَأَتَمَّهُنَّ } بالسلوك إلى الله تعالى وفي الله تعالى حتى الفناء فيه { قَالَ إِنّي جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } بالبقاء بعد الفناء ، والرجوع إلى الخلق من الحق ، تؤمهم وتهديهم سلوك سبيلي ، ويقتدون بك فيهتدون { قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] فلا يكونون خلفائي مع ظلمهم وظلمتهم برؤية الأغيار ومجاوزة الحدود .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ} (124)

قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود } في هذه الآية تذكير لأهل الكتاب والمشركين والناس جميعا بمقام إبراهيم العظيم ، وهو مقام رفيع متميز بما حققه هذا النبي الكريم من عظيم الأعمال . لا جرم أن إبراهيم الخليل عليه صلوات الله كان إماما في الخير والبر والتقوى بما يعنيه ذلك من أوجه الصبر والثبات والجود والامتثال الكامل لأمر الله في أشق الأحوال وأحرجها وأحلكها . ومن أصدق ما يجيء به من حديث في الكشف عن حقيقة هذا النبي الفذ قول الله سبحانه : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين } وقوله سبحانه : { وإبراهيم الذي وفى } لقد وفّى إبراهيم عليه السلام كل ما أنيط بزه من الوجائب دون تقصير ، مع أنها وجائب كانت غاية في الصعوبة التي تنوء بحملها الجبال الرواسي ، لكن إبراهيم الخليل قد احتملها كلها صابرا ثابتا من غير أن يلين أو يتزعزع .

لقد امتحن الله إبراهيم عليه السلام { بكلمات فأتمهن } والمراد بالكلمات على وجه العموم مجموعة الأوامر والنواهي التي كُلف بها هذا الخليل العظيم عليه السلام . وهي أوامر ونواه لا جرم أنها ثقيلة وعسيرة وأن احتمالها والاقتدار عليها بثقل كاهل كل إنسان إلا أن يكون فريدا في نوعيته ومستواه ، أو أن يكون ذا عزم مكين لا يهون مهما اشتدت الخطوب أو تراكمت الأهوال والمحن .

أما حقيقة الكلمات على التفصيل والتي ابتلى الله بهن إبراهيم فهن موضع كلام طويل ومختلف للمفسرين . ولعل أصوب ما ورد في ذلك هو قول الحبر العظيم ابن عباس : الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن ، فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم ، ومحاجته نمروذا في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلاف ، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم ، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم ، وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله ، وما ابتُلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه ، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له : { أسلم قال أسلمت لرب العالمين } على ما كان من خلاف الناس وفراقهم .

هذا القول الجامع لابن عباس يكشف عن أمهات قواصم من التكليفات المزلزلة التي نيطت بإبراهيم عليه السلام ، فنجح فيها نجاحا يكشف عن حقيقة هذا الإنسان العظيم الفذ . الإنسان الذي عجمه الله بأفدح البلايا والشدائد ، فما لان ولا استكان ، بل مضى لأمر الله ملبيا حتى وفّى تمام الوفاء .

ويا لله لهذا الإنسان الوفي العظيم الذي يُقبل في استسلام لله وطواعية أن يُلقى في النار بعد أن وثقه قومه بالقيود والأغلال ، فظل صابرا محتسبا رابط الجأش فما تراجع ولا انثنى عن عقيدته ودينه ولا كرّ مهزوما في نفسه متقهقرا ليعود إليهم مستسلما معتذرا كما يفعل الضعفاء والمهزومين في الكروب وفي ساعات الضيق والعسرة .

ويا لله لإبراهيم الخليل وهو يوحَى إليه في المنام بذبحه ولده ! ! فما تلعثم ولا انثنى ، بل ، بل قص على ولده خبر الرؤيا ، فأجابه ولده في بر وطاعة وامتثال : ( يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) .

إن الكلمات لتعجز بالغ العجز عن إيضاح الصورة لهذا الحدث المثير الجلل . وهو حدث لا يقوى على طوقه واحتماله إلا من كان كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام .

إن أحدنا يشق عليه أن يضرب ولده في قسوة وتبريح حتى وهو يؤدبه ، فكيف به وهو يضع السكين على عنقه ثم يحزها حزا ليقطعها !

ذلك الذي لا تبلغه طاقات الإنسان مهما تجمع فيه من مذخور العزيمة وقوة الاحتمال ، لكن النبيين المرسلين صنف آخر من البشر المتميز الرفيع ، يرقون إلى عظيم الدرجات التي لا ينثنون عندها عن أي تكليف من ربهم ، وفي الطليعة من النبيين المرسلين هذا النبي الصابر الجليل إبراهيم الخليل .

قوله : { إني جاعلك للناس إماما } الإمام القدوة الذي يؤتم به ؛ لفضله ومزاياه الخاصة ، ولما أوتيه من خصائص في الثبات والاستقامة والطاعة والامتثال لأمر الله . وعلى ذلك فإنه عليه السلام جدير أن يجعله الله للناس جميعا إماما فيما بيناه ليقتدي به الآخرون في كل زمان ومكان .

قوله : { قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } طلب إبراهيم من ربه أن تكون الإمامة في ذريته من بعده ؛ فيكون النبيون جميعا من بعده من نسله . فأجابه الله سبحانه بأنه { لا ينال عهدي الظالمين } والظالمين مفعول به للفاعل { عهدي } والعهد بمعنى النبوة . وقيل : الأمر ، ويطلق العهد على الأمر أي لا ينبغي أن يلي الظالم من أمري شيئا . وقيل : العهد بمعنى الإمامة أو الاستخلاف . أي من كان ظالما من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة ، وإنما ينال الإمامة والاستخلاف من كان عادلا مبرأ من كل صور الظلم وعلى هذا ؛ فالإمام إنما يكون من أهل العدل والفضل والإحسان . أما أهل الفسوق والجور والفساد فليسوا أهلا لتولي إمامة المسلمين . وكيف يصلح لهذه المهمة العظيمة من كان جائرا فاسقا لا تقبل شهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة ؟ ! وإذا ابتلي المسلمون بإمام جائر فإن الصبر على طاعته أولى من الخروج عليه إن كان في منازعته والخروج عليه ما يثير الفتن والشر المستطير كإشاعة الفساد وإراقة الدماء وإغراق البلاد في الفوضى وخطر التدخل من الكافرين{[128]} .

وخلاصة القول في هذه العبارة الكريمة أن الله تفضّل بالاستجابة لطلب إبراهيم أن تكون الإمامة والنبوة في عقبه المؤمنين الصالحين على ألا يتولى أمر الله أحد من الظالمين من ذريته علما بأن في ذرية إبراهيم ظالمين كثيرين ، وأمثال هؤلاء ليس لهم أن يكون أحدهم إماما فإن الإمام ينبغي أن يكون مؤمنا صادقا ، وعلى ملى التوحيد والحنيفية ماضيا .


[128]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 108 والكشاف جـ 1 ص 309.