{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } أي جاهدوا لإعزاز دين الله تعالى وإعلاء كلمته فالسبيل بمعنى الطريق مستعار لدين الله تعالى وكلمته لأنه يتوصل المؤمن به إلى مرضاته تعالى ، والظرفية التي هي مدلولة في ترشيح للاستعارة { الذين يقاتلونكم } أي يناجزونكم القتال من الكفار ، وكان هذا على ما روي عن أبي العالية قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المناجزين والمحاجزين فيكون ذلك حينئذ تعميماً بعد التخصيص المستفاد من هذا الأمر مقرراً لمنطوقه ناسخاً لمفهومه أي لا تقاتلوا المحاجزين وكذا المنطوق في النهي الآتي فإنه على هذا الوجه مشتمل على النهي عن قتالهم أيضاً . وقيل : معناه الذين يناصبونكم القتال ، ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم عن المشايخ ، والصبيان والنساء والرهبان فتكون الآية مخصصة لعموم ذلك الأمر مخرجة لمن لم يتوقع منهم وقيل : المراد ما يعم سائر الكفار فإنهم بصدد قتال المسلمين وقصده فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا ، ويؤيد الأول ما أخرجه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي/ لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية ، وجعل ما يفهم من الأثر وجهاً رابعاً في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض بعيد لأنه تخصيص من غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم .
{ وَلاَ تَعْتَدُواْ } أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أو لا تعتدوا بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم ، وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما .
( ومن باب الإشارة ) :{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم } من قوى نفوسكم ودواعي بشريتكم فإن ذلك هو الجهاد الأكبر { وَلاَ تَعْتَدُواْ } بإهمالها والوقوف مع حظوظها أو لا تتجاوزوا في القتال إلى أن تضعفوا البدن عن القيام بمراسم الطاعة ، ووظائف العبودية :
{ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } [ البقرة : 190 ] الواقفين مع نفوسهم أو المتجاوزين ظل الوحدة وهو العدالة
قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل اله الذي يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )
كان القتال قبل الهجرة ممنوعا . وهو ما يدل عليه قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) وقوله : ( فاعف عنهم ) وقوله : ( واهجرهم هجرا جميلا ) ولما هاجر النبي ( ص ) إلى المدينة أمره بالقتال بقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ) فكان النبي يقاتل من قاتل ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وروي أن هذه أول آية نزلت في الأمر بالقتال . وقيل : أول آية في ذلك هي قوله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) .
قوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المفسدين ) فقد جاء في تأويل هذه الآية قولان :
القول الأول : إن الله يأمر عباده المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الذين يقاتلونهم حتى إذا كف الأعداء عن مقاتلتهم ، كان على المؤمنين أن يكفوا كذلك بالمثل ؛ لأن قتالهم من لم يقاتلهم من الكافرين يعتبر عدوانا والله سبحانه ( لا يحب المعتدين ) .
وقيل أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وبقوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة ) .
القول الثاني : إن هذه الآية ليست منسوخة بل هي محكمة . وتأويل ذلك أن الله يأمر المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الكافرين الذين شأنهم وحالهم وهمهم قتال المسلمين . فكأن الكافرين على قتال دائم مع المؤمنين ، فمن كانت حالة هذه وجب قتاله .
أما الاعتداء الذي نهى الله عنه في هذه الآية فهو كما قاله الحسن البصري يتناول المنهيات من أمور الحرب مثل الغلول والمثلة وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ثم الرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة . ويصدق ذلك كله ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ( ص ) كان يقول : " اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلو ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع " .
وعن ابن عباس قال : كان رسول الله ( ص ) إذا بعث جيوشه قال : " اخرجوا بسم الله ، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، ولا تعتدوا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوالدان ولا أصحاب الصوامع " .
وعن عبد الله بن عمر قال : وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ( ص ) مقتولة فأنكر رسول الله ( ص ) قتل النساء والصبيان .
وقد ذكر القرطبي في تفسيره صورا ستا لأولئك الذين يتجنبهم المسلمون في الحرب فلا يقتلونهم وهم على التفصيل التالي :
أولا : النساء إن لم يقاتلن المسلمين فلا يؤذين ولا يقتلن ، أما إن قاتلن المسلمين أو عملن على تقوية الأعداء بتحريضهم على قتال المسلمين وإمدادهم بالمال والغذاء والعلاج وغير ذلك فإنهن بذلك يقتلن .
ثانيا : الصبيان فهم لا يقتلون ؛ لما ثبت من دليل في النهي عن قتلهم ؛ ولأنهم أصلا غير مكلفين ، لكنهم إن حملوا السلاح مع الأعداء وقاتلوا المسلمين فقد بات قتلهم واجبا .
ثالثا : الرهبان . وهم كذلك لا يقتلون ولا ينبغي إيذاؤهم وإنما يتركون وحالهم من عبادتهم ، لكنهم إذا شاركوا الأعداء في قتال المسلمين قتلوا . وفي يقول أبو بكر الصديق في وصية له ليزيد بن أبي سفيان حينما بعثه إلى الشام : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له ، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا .
رابعا : الزمنى . وهم ذوو الأمراض والعلل المزمنة فإنهم إذا لم يعينوا الكافرين على قتال المسلمين تركوا على الراجح .
خامسا : الشيوخ المسنون . فإن في حكم هؤلاء تفصيلا . فإن كان المسن كبيرا هرما لا يستطيع قتالا أو تقديم رأي أو مشورة للعدو فإنه لا يقتل . وقد ذهب إلى ذلك الإمامان مالك وأبو حنيفة- رضي الله عنهما- وهو قول الجمهور .
أما الإمام الشافعي فله في ذلك قولان . أحدهما : مثل قول الجمهور السابق .
وثانيهما : أنه يقتل . والصحيح ما ذاهب إليه الجمهور استنادا إلى وصية الصديق رضي الله عنه إلى يزيد بن أبي سفيان بعدم قتل أصناف من الناس وفيهم الشيوخ إلا إذا شاركوا في أذية المسلمين في قول أو رأي أو مشورة أو عمل .
سادسا : العسفاء . وهو جميع مفرده : عسيف وهو الأجير . وكذلك الفلاحون الذين ينقطعون لحراثة الأرض وزراعتها . ففي مثل هؤلاء خلاف من حيث الحكم . فقد قال الإمام مالك بعدم قتلهم . وقال الشافعي بقتلهم إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية . والظاهر أن ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة وهو الراجح ؛ وذلك لقول النبي ( ص ) : " الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن حراثا كما ذكر{[253]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.