روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (182)

{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا } الجنف مصدر جنف كفرح مطلق الميل والجور ، والمراد به الميل في الوصية من غير قصد بقرينة مقابلته بالإثم فإنه إنما يكون بالقصد ، ومعنى خاف توقع وعلم ومنه قوله :

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني بالفلاة فإنني *** أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها

وتحقيق ذلك أن الخوف حالة تعتري عند انقباض من شر متوقع فلتلك الملابسة استعمل في التوقع وهو قد يكون مظنون الوقوع وقد يكون معلومه فاستعمل فيهما بمرتبة ثانية ، ولأن الأول أكثر كان استعماله فيه أظهر ، ثم أصله أن يستعمل في الظن والعلم بالمحذور ، وقد يتسع في إطلاقه على المطلق وإنما حمل على المجاز هنا لأنه لا معنى للخوف من الميل والإثم بعد وقوع الإيصاء وقرأ أهل الكوفة غير حفص ويعقوب ( من موص ) بالتشديد والباقون بالتخفيف .

{ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } أي بين الموصي لهم من الوالدين والأقربين بإجرائهم على نهج الشرع . وقيل : المراد فعل ما فيه الصلاح بين الموصي والموصى له بأن يأمر بالعدل والرجوع عن الزيادة وكونها للأغنياء/ وعليه لا يراد الصلح المرتب على الشقاق فإن الموصي والموصى له لم يقع بينهما شقاق { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في ذلك التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف السابق ، واستدل بالآية على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث لا تبطل الوصية كلها خلافاً لزاعمه وإنما يبطل منها ما زاد عليه لأن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها الوجه الأصلح { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييل أتى به للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه وذكر المغفرة مع أن الإصلاح من الطاعات وهي إنما تليق من فعل ما لا يجوز لتقدم ذكر الإثم الذي تتعلق به المغفرة ولذلك حسن ذكرها وفائدتها التنبيه على الأعلى بما دونه يعني أنه تعالى غفور للآثام فلأن يكون رحيماً من أطاعه من باب الأولى ، ويحتمل أن يكون ذكرها وعداً للمصلح بمغفرة ما يفرط منه في الإصلاح إذ ربما يحتاج فيه إلى أقوال كاذبة وأفعال تركها أولى ، وقيل : المراد غفور للجنف والإثم الذي وقع من الموصي بواسطة إصلاح الوصي وصيته ، أو غفور للموصي بما حدث به نفسه من الخطأ والعمل إذ رجع إلى الحق ، أو غفور للمصلح بواسطة إصلاحه بأن يكون الإصلاح مكفراً لسيآته والكل بعيد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (182)

وقوله : ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما ) الجنف في اللغة معناه الميل والظلم{[210]} .

والجنف في الوصية يتناول الميل خطأ أو الميل المتعمد . فقد يميل الموصي بدافع من عاطفة أو شفقة نحو قريب أو حبيب ، وذلك كأن يبيعه محاباة وهو ما كان بثمن بخس أو أن يوصي لابن بنته لينصرف المال بعد ذلك إلى بنته ، أو أن يوصي إلى زوج ابنته ليصل المال بعد ذلك إلى ابنته .

وبذلك فإن الجانف في الوصية هو المائل عن العدل وخط الشرع المستقيم سواء كان الميل على سبيل الخطأ أو العمد . فهو غير جائز في الوصية ما دام يؤدي في النهاية إلى الأذية والإضرار بالورثة .

وقوله : ( فأصلح بينهم فلا إثم عليه ) المصلح المقصود هنا هو الوصي أو من يملك الإصلاح كواعظ ينهى عن الحيف ويأمر بالعدل .

وطريق الإصلاح في الآية تحتمل وجهين . أحدهما : أن المصلح سواء كان وصيا أو غيره لا إثم عليه إذا ما قام بالوعظ ورد الحيف بقصد الإصلاح ما بين الورثة أنفسهم أو ما بين الموصي والورثة . وبعدها فإن الله غفور للموصي إذ عدل عن الجنف وما فيه من إضرار بالورثة .

وثانيهما : أن الوصية إذا علم بالحيف في الوصية فله أن يعدل عما أوصى به الميت ( الموصي ) إلى ما هو مقبول شرعا ليأتي ذلك منسجما مع روح الشرع في العدل في الوصية وعدم الجنف فيها ؛ كيلا يتضرر الورثة أن يتأذوا . ومثل هذا التصرف من الوصي جائز وهو من باب الإصلاح لا التبديل المحظور ، وهو بذلك حق وعدل وهو المقصود من قوله تعالى : ( فأصلح بينهم ) فإن ذلك إصلاح وخير فلا إثم على الوصي إن قام به ؛ لذلك جاء قوله : ( فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) أما الميل المتعمد في الوصية بما يضر الورثة فإنه حرام . وقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس أن الرسول ( ص ) قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر " {[211]} .


[210]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 129 ومختار الصحاح ص 112.
[211]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 270- 272 وتفسير الطبري جـ 2 ص 73.