روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (281)

{ واتقوا يَوْمًا } وهو يوم القيامة أو يوم الموت وتنكيره للتفخيم كما أن تعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد التي تجعل الولدان شيباً { تُرْجَعُونَ فِيهِ } على البناء للمفعول من الرجع ، وقرئ على البناء للفاعل من الرجوع والأول أدخل كما قيل : في التهويل ، وقرئ يرجعون على طريق الالتفات ، وقرأ أبيّ تصيرون ، وعبد الله تردون { إِلَى الله } أي حكمه وفصله { ثُمَّ توفى } أي تعطى كملاً { كُلُّ نَفْسٍ } كسبت خيراً أو شراً { مَّا كَسَبَتْ } أي جزاء ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، والكسب العمل كيف كان كما نطقت به اللغة ودلت عليه الآثار ، وكسب الأشعري لا يشعر به سوى الأشاعرة { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } جملة حالية من كل نفس وجمع باعتبار المعنى ، وأعاد الضمير أولاً مفرداً اعتباراً باللفظ ، وقدم اعتبار اللفظ لأنه الأصل ولأن اعتبار المعنى وقع رأس فاصلة فكان تأخيره أحسن ، ولك أن تقول : إن الجمع أنسب بما يكون في يومه كما أن الإفراد أولى فيما إذا كان قبله . أخرج غير واحد من غير طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آية { واتقوا يَوْمًا } الخ آخرا نزل من القرآن ، واختلف في مدة بقائه بعدها عليه الصلاة والسلام فقيل : تسع ليال ، وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ثلاث ساعات ، وقيل : أحداً وعشرين يوماً ، وقيل : أحداً وثمانين يوماً ثم مات بنفسي هو حياً وميتاً صلى الله عليه وسلم . روي أنه قال : اجعلوها بين آية الربا وآية الدين ، وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال : «جاءني جبرائيل فقال : اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من البقرة » ولا يعارض الرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أن هذه آخر آية نزلت ما أخرجه البخاري ، وأبو عبيد ، وابن جرير ، والبيهقي من طريق الشعبي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم آية الربا ، ومثله ما أخرجه البيهقي من طريق ابن المسيب عن عمر بن الخطاب كما قاله محمد بن سلمة فيما نقله عنه علي بن أحمد الكرباسي أن المراد من هذا أن آخر ما نزل من الآيات في البيوع آية الربا ، أو أن المراد إن ذلك من آخر ما نزل كما يصرح به ما أخرجه الإمام أحمد ، ولما أمر سبحانه بإنظار المعسر وتأجيله عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤاجلة وعقود المداينة فقال عز من قائل :

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (281)

قوله تعالى : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ( اتقوا ) فعل أمر ، فاعله واو الجماعة . ( يوما ) مفعول به منصوب . وقد تضافرت أقوال عديدة على أن هذه الآية آخر ما نزل في الكتاب الحكيم . وقد ورد عن النبي ( ص ) أنه قال في هذه الآية : " اجعلوها بين آية الربا وآية الدين " . وورد في حديث آخر عنه عليه السلام أنه قال فيها : " جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية " .

يحذر الله الناس ويخوفهم تخويفا من هذا اليوم العصيب المشهود وهو يوم القيامة ، هذا اليوم الحافل الذي تتزلزل فيه الأبدان ، وتقشعر لهوله الجلود ، وتبلغ فيه القلوب الحناجر ، يوم تُعرض فيه أعمال الخلائق على بارئها لتجزى كل نفس ما عملت غير أن يحيق بها ظلم . فالله جل وعلا أعدل العادلين ولا يظلم الناس مثقال ذرة ؛ لذلك قال : ( ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظلمون ) ( كل ) نائب فاعل مرفوع . ( نفس ) مضاف إليه ، ( ما ) في محل نصب مفعول به ثان{[365]} .


[365]:- الكشاف جـ 1 ص 399 ، 400 وتفسير القرطبي جـ 3 ص 363- 373 وتفسير السنفي جـ 1 ص 138 ، 139.