{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } أي إن وقع المطلوب ذا إعسار لضيق حال من جهة عدم المال على إن كان تامة ، وجوز بعض الكوفيين إن تكون ناقصة ، و{ ذُو } اسمها والخبر محذوف أي وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق أو غريماً أو من غرمائكم . وقرأ عثمان رضي الله تعالى عنه ( ذا عسرة ) . وقرئ ومن كان ذا عسرة وعلى القراءتين { كَانَ } ناقصة واسمها ضمير مستكن فيها يعود للغريم وإن لم يذكر ، والآية نزلت كما قال الكلبي : حين قالت بنو المغيرة لبني عمرو / بن عمير : نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم { فَنَظِرَةٌ } الفاء جواب الشرط ونظرة مبتدأ خبره محذوف أي فعليكم نظرة أو فاعل بفعل مضمر أي فتجب نظرة ، وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي فالأمر ، أو فالواجب نظرة ، والنظرة كالنظرة بسكون الظاء الانتظار ، والمراد به الإمهال والتأخير ، وقرأ عطاء ( فناظره ) بإضافة ناظر إلى ضمير { ذُو عُسْرَةٍ } أي فالمستحق ناظره أي منتظره وممهله وصاحب نظرته على طريق لابن ، وتامر وعنه أيضاً فناظره أمراً من المفاعلة أي فسامحه بالنظرة { إلى مَيْسَرَةٍ } أي إلى وقت أو وجوب يسار ، وقرأ حمزة ونافع ميسرة بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشرقة ، وقرئ بهما مضافين بحذف التاء وإقامة الإضافة مقامها فاندفع ما أورد على هذه القراءة بأن مفعلاً بالضم معدوم أو شاذ وحاصله أنها مفعلة لا مفعل ، وأجيب أيضاً بأنه معدوم في الآحاد وهذا جمع ميسرة كما قيل في مكرم جمع مكرمة ، وقيل : أصل ميسورة فخففت بحذف الواو بدلالة الضمة عليها .
{ وَأَن تَصَدَّقُواْ } بحذف إحدى التاءين ، وقرئ بتشديد الصاد على أن أصله تتصدقوا فقلبت التاء الثانية صاداً وأدغمت أي وتصدقكم على معسري غرمائكم برؤوس أموالكم كلاً أو بعضاً { خَيْرٌ لَّكُمْ } أي أكثر ثواباً من الإنظار ، أو خير مما تأخذونه لنفاد ذلك وبقاء هذا . أخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : النظرة واجبة وخير الله تعالى الصدقة على النظرة ، وقيل : المراد بالتصدق الإنظار لما أخرج أحمد عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من كان له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة » وضعفه الإمام مع مخالفته للمأثور بأن وجوب الإنظار ثبت بالآية الأولى فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة زائدة وبأن قوله سبحانه : { خَيْرٌ لَّكُمْ } لا يليق بالواجب بل بالمندوب ، واستدل بإطلاق الآية من قال بوجوب إنظار المعسر مطلقاً سواء كان الدين دين ربا أم لا وهو الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن والضحاك وأئمة أهل البيت ، وذهب شريح وإبراهيم النخعي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية عنه إلى أنه لا يجب إلا في دين الربا خاصة وتأولوا الآية على ذلك . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } جواب { إن } محذوف أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه وفيه تحريض على الفعل .
قوله : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة ) ( كان ) تامة بمعنى حدث . ( ذو ) فاعل مرفوع بالواو ، ( عسرة ) مضاف إليه . نظرة خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : شأنه أو حاله ، فنظرة ، وهي الإنظار والعسرة بمعنى الضيق ، والميسرة يراد بها اليسر والسعة{[364]} .
بعد أن وقع التنديد بالربا وأكَلته ، وبعد النهي المشدد عن الزيادة على رأس المال ، فإن الله يندب عباده المؤمنين أن يتراحموا فيما بينهم ليصير الدائن على مدينه إن كان معسرا كليلا فلا يرهقه من أمره عسرا . وذلك على النقيض من حال العرب وفي القرض قبل الإسلام ؛ إذ كان الدائن يقول لمدينه : إذا حل وقت الأداء ، إما أن تقضي ، وأما أن تُربي .
والقرآن يدعو للتراحم والتعاون والفضل أكثر من مجرد الانتظار إلى حال اليسر ، فإنه يندب للعفو والتسامح وإسقاط الدين بالكلية . وذلك في قوله سبحانه : ( وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
وفي هذا الصدد من العفو وإسقاط الحق عن طيب خاطر يقول الرسول ( ص ) : " من سره أن يُظلله الله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه " وفي حديث آخرك " من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة " .
وفي حديث آخر عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " من أراد أن تستجاب دعوته وإن تكشف كربته فليفرج عن معسر " .
وفي حديث آخر عن رسول الله ( ص ) قال : " من أنظر معسرا أو وضع عنه قواه الله من فيح جهنم ، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثا ، ألا إن عمل النار سهل بسهوة " و الحزن ما غلظ من الأرض . والسهوة الغفلة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.