{ الذين يَأْكُلُونَ الربا } أي يأخذونه فيعم سائر أنواع الانتفاع والتعبير عنه بالأكل لأنه معظم ما قصد به ، والربا في الأصل الزيادة من قولهم : ربا الشيء يربو إذا زاد ، وفي الشرع عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال ، وإنما يكتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة من يفخم ، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع فصار اللفظ به على طبق المعنى في كون كل منهما مشتملاً على زيادة غير مستحقة فأخذ لفظ الربا الحرف الزائد وهو الألف بسبب اللفظ الذي يشابهه وهو واو الجمع حيث زيدت فيه الألف كما يأخذ معنى لفظ الربا بمشابهته معنى لفظ البيع لاشتمال المعنيين على معاوضة المال بالمال بالرضا وإن كان أحد العوضين أزيد وقيل : الكتابة بالواو والألف لأن للفظ نصيباً منهما ، وإنما لم تكتب الصلاة والزكاة بهما لئلا يكون في مظنة الالتباس بالجمع ، وقال الفراء : إنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة وهم نبط لغتهم ربوا بواو ساكنة فكتب كذلك وهذا مذهب البصريين ، وأجاز الكوفيون كتابته وكذا تثنيته بالياء لأجل الكسرة التي في أوله ، قال أبو البقاء : وهو خطأ عندنا
{ لاَ يَقُومُونَ } أي يوم القيامة وبه قرئ كما في «الدر المنثور » .
/ { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } أي إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع في الدنيا والتخبط تفعل بمعنى فعل وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ، ثم تجوز به عن كل ضرب غير محمود ، وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياك الذنوب التي لا تغفر ، الغلول فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط " ثم قرأ الآية ، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له كما جعل لبعض المطيعين أمارة تليق به يعرف بها كرامة له ، ويشهد لذلك أن هذه الأمة يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء وإلى هذا ذهب ابن عباس ، وابن مسعود ، وقتادة واختاره الزجاج وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة : قد جن ، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات .
{ مِنَ المس } أي الجنون يقال : مس الرجل فهو مسوس إذا جن وأصله اللمس باليد ، وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون ، وهذا لا ينافي ما ذكره الأطباء من أن ذلك من غلبة مرة السوداء لأن ما ذكروه سبب قريب ، وما تشير إليه الآية سبب بعيد وليس بمطرد أيضاً بل ولا منعكس فقد يحصل مس ولا يحصل جنون كما إذا كان المزاج قوياً وقد يحصل جنون ولم يحصل مس كما إذا فسد المزاج من دون عروض أجنبي ، والجنون الحاصل بالمس قد يقع أحياناً ، وله عند أهل الحاذقين أمارات يعرفونه بها ، وقد يدخل في بعض الأجساد على بعض الكيفيات ريح متعفن تعلقت به روح خبيثة تناسبه فيحدث الجنون أيضاً على أتم وجه وربما استولى ذلك البخار على الحواس وعطلها ، واستقلت تلك الروح الخبيثة بالتصرف فتتكلم وتبطش وتسعى بآلات ذلك الشخص الذي قامت به من غير شعور للشخص بشيء من ذلك أصلاً ، وهذا كالمشاهد المحسوس الذي يكاد يعد منكره مكابراً منكراً للمشاهدات .
وقال المعتزلة والقفال من الشافعية : إن كون الصرع والجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك كما قال تعالى حكاية عنه : { وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مّن سلطان } [ إبراهيم : 22 ] الآية و{ مَا } هنا وارد على ما يزعمه العرب ويعتقدونه من أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله وليس لذلك حقيقة وليس بشيء بل هو من تخبط الشيطان بقائله ومن زعماته المردودة بقواطع الشرع ، فقد ورد " ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخاً " وفي بعض الطرق : «إلا طعن الشيطان في خاصرته » ومن ذلك يستهل صارخاً إلا مريم وابنها لقول أمها : { وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } [ آل عمران : 63 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " كفوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين " وقد ورد في حديث المفقود الذي اختطفته الشياطين وردته في زمنه عليه الصلاة والسلام أنه حدث من شأنه معهم قال : " فجاءني طائر كأنه جمل قبعثري فاحتملني على خافية من خوافيه " إلى غير ذلك من الآثار ، وفي «لقط المرجان في أحكام الجان » كثير منها ، واعتقاد السلف وأهل السنة أن ما دلت عليه أمور حقيقية واقعة كما أخبر الشرع عنها والتزام تأويلها كلها يستلزم خبطاً طويلاً لا يميل إليه إلا المعتزلة ومن حذا حذوهم وبذلك ونحوه خرجوا عن قواعد الشرع القويم فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ، والآية التي ذكروها في معرض الاستدلال على مدعاهم لا تدل عليه إذ السلطان المنفي فيها إنما/ هو القهر والإلجاء إلى متابعته لا التعرض للإيذاء والتصدي لما يحصل بسببه الهلاك ، ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان بل وقوعه بالفعل ، وخبر «الطاعون من وخز أعدائكم الجن » صريح في ذلك ، وقد حمله بعض مشايخنا المتأخرين على نحو ما حملنا عليه مسألة التخبط والمس حيث قال : إن الهواء إذا تعفن تعفناً مخصوصاً مستعداً للخلط والتكوين تنفرز منه وتنحاز أجزاء سمية باقية على هوائيتها أو منقلبة بأجزاء نارية محرقة فيتعلق بها روح خبيثة تناسبها في الشرارة وذلك نوع من الجن فإنها على ما عرف في الكلام أجسام حية لا ترى إما الغالب عليها الهوائية أو النارية ولها أنواع عقلاء وغير عقلاء تتوالد وتتكون فإذا نزل واحد منها طبعاً ، أو إرادة على شخص أو نفذ في منافذه ، أو ضرب وطعن نفسه به يحصل فيه بحسب ما في ذلك الشر من القوة السمية وما في الشخص من الاستعداد للتأثر منه كما هو مقتضى الأسباب العادية في المسببات ألم شديد مهلك غالباً مظهر للدماميل والبثرات في الأكثر بسبب إفساده للمزاج المستعد ، وبهذا يحصل الجمع بين الأقوال في هذا الباب وهو تحقيق حسن لم نجده لغيره كما لم نجد ما حققناه في شأن المس لأحد سوانا فليحفظ .
والجار والمجرور متعلق بما قبله من الفعل المنفي بناءاً على أن ما قبل ( إلا ) يعمل فيما بعدها إذا كان ظرفاً كما في «الدر المصون » أي لا يقومون من جهة المس الذي بهم بسبب أكلهم الربا أو بيقوم أو بيتخبطه .
{ ذلك } إشارة إلى الأكل أو إلى ما نزل بهم من العذاب { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } أرادوا نظمهما في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فحيث حل بيع ما قيمته درهم بدرهمين حل بيع درهم بدرهمين إلا أنهم جعلوا الربا أصلاً في الحل وشبهوا البيع به روماً للمبالغة كما في قوله :
ومهمه مغبرة أرجاؤه *** كأن ( لون أرضه سماؤه )
وقيل : يجوز أن يكون التشبيه غير مقلوب بناءاً على ما فهموه أن البيع إنما حل لأجل الكسب والفائدة وذلك في الربا متحقق وفي غيره موهوم { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } جملة مستأنفة من الله تعالى ردّاً عليهم وإنكاراً لتسويتهم ، وحاصله أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان على أن بين البابين فرقاً ، وهو أن من باع ثوباً يساوي درهماً بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلاً لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب ، وأما إذا باع درهماً بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بغير عوض ولا يمكن جعل الإمهال عوضاً إذ الإمهال ليس بمال حتى يكون في مقابلة المال ، وقيل : الفرق بينهما أن أحد الدرهمين في الثاني ضائع حتماً وفي الأول منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها ، وجوز أن تكون الجملة من تتمة كلام الكفار إنكاراً للشريعة ورداً لها أي مثل هذا من الفرق بين المتماثلات لا يكون عند الله تعالى فهي حينئذ حالية ، وفيها قد مقدرة ولا يخفى أنه من البعد بمكان ، والظاهر عموم البيع والربا في كل بيع وفي كل ربا إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الربا ، وقيل : هما مجملان فلا يقدم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلا ببيان ، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال : من آخر ما أنزل آية الربا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة .
{ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ } أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا واستحلاله ، و( من ) / شرطية أو موصولة ، و{ مَّوْعِظَةٌ } فاعل جاء وسقطت التاء للفصل وكون التأنيث مجازياً مع ما في الموعظة معنى من التذكير ، وقرأ أبيّ والحسن ( جاءته ) بإلحاق التاء { مّن رَّبّهِ } متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة لموعظة وعلى التقديرين فيه تعظيم لشأنها وفي ذكر الرب تأنيس لقبول الموعظة إذ فيه إشعار بإصلاح عبده و( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض وحذف المضاف { فانتهى } عطف على جاءه أي فاتعظ بلا تراخ وتبع النهي { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ما تقدم أخذه قبل التحريم لا يسترد منه ، وهذا هو المروي عن الباقر ، وسعيد بن جبير ، وقيل : المراد لا مؤاخذة عليه في الدنيا ولا في الآخرة فيما تقدم له أخذه من الربا قبل ، والفاء إما للجواب أو صلة في الخبر ، و{ مَا } في موضع الرفع بالظرف إن جعلت ( من ) موصولة ، وبالإبتداء إن جعلت شرطية على رأي من يشترط الاعتماد ، وكون المرفوع اسم حدث ، ومن لا يشترطهما يجوز كونه فاعل الظرف { وَأَمْرُهُ } أي المنتهى بعد التحريم { إِلَى الله } إن شاء عصمه من الربا فلم يفعل وإن شاء لم يفعل ، وقيل : المراد إنه يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية أو يحكم في شأنه يوم القيامة بما شاء لا اعتراض لكم عليه .
ومن الناس من جعل الضمير المجرور لما سلف أو للربا وكلاهما خلاف الظاهر .
{ وَمَنْ عَادَ } أي رجع إلى ما سلف ذكره من فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه بقياسه على البيع { فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى من عاد والجمع باعتبار المعنى { أصحاب النار } أي ملازموها { هُمْ فِيهَا خالدون } أي ماكثون أبداً لكفرهم ، والجملة مقررة لما قبلها ؛ وجعل الزمخشري متعلق عاد الربا فاستدل بالآية على تخليد مرتكب الكبيرة وعلى ما ذكرنا وهو التفسير المأثور لا يبقى للاستدلال بها مساغ ، واعترض بأن الخلود لو جعل جزاءاً للاستحلال بقي جزاء مرتكب الفعل من غير استحلال غير مذكور في الكلام أصلاً لا عبارة ولا إشارة مع أنه المقصود الأهم بخلاف ما لو جعل ذلك جزاء أصل الفعل فإن المقصود يكون مذكوراً صريحاً مع إفادته جزاء الاستحلال وأنه أمر فوق الخلود ، وأجيب بأن ما يكفر مستحله لا يكون إلا من كبائر المحرمات وجزاؤها معلوم ولذا لم ينبه عليه لظهوره ، وقال بعض المحققين في الجواب : إن جعل ذلك إشارة إلى الأكل كان الجزاء القيام المذكور من القبور إلى الموقف وكفى به نكالاً ، ثم أخبر أن حاملهم على الأكل كان هذا القول فأشعر الوصف أولاً أن الوعيد به ثم ذكر موجب اجترائهم فدل على أنه وعيد آكل سواء كان حامله عليه ذلك القول أو لا .
وأما قوله سبحانه : { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى } وقوله تعالى : { وَمَنْ عَادَ } فهو في القائل المعتقد وإن جعل إشارة إلى القيام المذكور فالجزاء ما يفهم من ضم الفعل إلى القول فإنه لو لم يكن له مدخل في التعذيب لم يحسن في معرض الوعيد ، والقول بأن المتعلق الربا والآية محمولة على التغليظ خلاف الظاهر فتدبر .
قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم عن كنتم تعلمون ) .
هذه مسألة هامة من المسائل التي شدد عليها الإسلام ، وهي أحد المناهي الكبيرة التي لا يسقط فيها إلا الخاسرون الوالغون في الرجس والذين ينذرهم الإسلام أن تكون جسومهم حصبا لجهنم . ألا وهي مسألة الربا .
والربا جريمة كبرى قد ندد بها الإسلام ، وندد بالمتعثرين فيها الذين يأكلون أموال الناس بهذه الوسيلة الخبيثة التي تفضي إلى جمع مركوم من المال الخبيث أو السحت الذي يودي بالمرابين في أودية جهنم .
ولنا أن نتصور فداحة هذه الجريمة التي حذر منها الإسلام ونحن نردد كلمات القرآن في التهديد والوعيد لأكلة الربا الذين لا يأكلون في بطونهم إلا اللهب . يستبين ذلك من الكلمات الربانية المتوعدة المفزعة كقوله سبحانه : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقوله سبحانه : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وفي السنة النبوية ما يكشف عن فظاعة الربا وشدة تحريم . فيقول النبي ( ص ) فيما رواه عنه أبو هريرة : " أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحياة تجري من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا " .
وأخرج ابن ماجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول اله ( ص ) : " الربا سبعون جزءا ، أيسرها أن ينكح الرجل أمه " .
وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه- أن النبي ( ص ) قال : " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه " .
وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي ( ص ) قال : " لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة " .
قوله : ( الذين يأكلون الربا ) أي يأخذونه ويستبيحونه لأنفسهم ، وقد عبر عن مطلق الأخذ بخصوص الأكل ؛ وذلك ؛ لأن الأكل أهم المقاصد التي من اجلها يجمع المال أو يؤخذ . والربا معناه الزيادة ، فمن زاد أو استزاد أكثر مما ينبغي من رأس المال فقد أربى ، على نحو ما سنبينه في موضعه بإيجاز ، أما تعريفه في الشرع ، فقد عرفه البابرتي في كتاب العناية بأنه " الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع{[360]} .
قوله : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ذلك وصف لتعس الذين يأكلون الربا ولوضعهم المشين ؛ لما قارفوه في حياتهم من فاحشة الربا . فإنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة ذاهبين إلى الحشر إلا كما يقوم المصروع وهو ( يتخبطه الشيطان من المس ) أي يفسده بالجنون . فهو يمشي متخبطا كمن يتعثر في خطاه حين السير فهو تارة يهوي ساقطا ، وأخرى ينهض ماشيا . فهو لا يقوم مرة حتى يسقط أخرى كالمجنون الذي خالطه المس . والمس معناه الجنون .
يقول ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق . وقيل ابن عباس في هذا الصدد : آكل الربا يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كالحبالى ، فكلما قاموا ليمشوا سقطوا وانتكسوا والناس يمشون عليهم .
ويستفاد من هذه العبارة القرآنية أن الصرع يصيب ابن آدم ربما كان سببه مس الشيطان له والعياذ بالله من ذلك . وفي هذا روى النسائي في سننه أن النبي ( ص ) كان يدعو قائلا : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا ، وأعوذ بك أن أموت لديغا " .
وفي حديث آخر عنه ( ص ) أنه كان يدعو : " اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام " .
وجدير بالقول أن ثمة أصنافا من المطعومات والموزونات والمكيلات لا يجوز بيع بعضها ببعض من نفس الجنس إلا مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء .
فقد روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء .
وفي رواية أخرى : " ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " .
يستفاد من هذا الحديث أن هذه الأصناف الستة لا يجوز أن يباع بعضها ببعض- أي من نفس الجنس- إلا أن يكون ذلك مثلا بمثل يدا بيد . المثل بالمثل يعني المساواة بين المبيعين كليهما ، سواء كان موزونين أو مكيلين أو مطعومين او غير ذلك ما دام من نفس الجنس . واليد باليد يعني أن يكون التقابض في المبيعين حالا لا مؤجلا . وأي إخلال بهذين الشرطين يدمغ البيع بوصمة الربا . أما إذا اختلفت هذه الأصناف فلا بأس أن تباع متفاضلة على أن يكون التقابض فيها يدا بيد أي حالا لا مؤجلا . وذلك كما لو بيع الذهب بالفضة أو البر بالتمر أو الملح بالشعير ، فلا بأس أن يقع التفاضل بينهما سواء في الوزن أو الكيل أو غيرهما مادام التقابض حالا .
ويؤكد هذا المفهوم ويوضحه حديث الرسول ( ص ) وهو من رواية الدارقطني عن علي : " الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ، من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب ، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء " . أي هاك وهات ، أو أخذ وأعط . وذلك يعني أن يكون التقابض بين البيعين حالا وفي مجلس العقد . وصورة هذا البيع ما كان على هيئة مقايضة وهي المعاوضة عرضا بعرض . ويستوي في ذلك أن يكون الذهب أحمر أو اصفر مضروبا أو غير مضروب ، وكذلك الفضة يستوي فيها أن تكون بيضاء أو سوداء مضروبة أو غير مضروبة ، فإنه لا يجوز بيع الواحد منها بجنسه متفاضلا إلا أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء . أما بيع الواحد منهما بالجنس الآخر تفاضلا جائز على أن يكون ذلك يدا بيد ؛ وذلك لما بيناه من دليل ، ولما روي عن عبادة بن الصامت قال : إني سمعت رسول الله ( ص ) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ " بالبُرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زادا أو ازداد فقد أربى .
وعلى ذلك فالربا نوعان : ربا الفضل وربا النسيئة بفتح النون ، أما ربا الفضل فهو الزيادة في الميكلات والموزونات عند اتحاد الجنس إذا بيع أحدهما بالآخر . وذلك كبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو القمح بالقمح أو غير ذلك على أن يكون ذلك متفاضلا وهو حرام .
وأما ربا النسيئة أو النساء فهو الزيادة في المذكورات السابقة عند اختلاف الجنس إذا كان تسليم أحد المبين مؤجلا . أو هو فضل العين على الدين في الكيلين والموزونين عند اختلاف الجنس{[361]} .
قوله : ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) الضمير في قوله : ( بأنهم ) يراد به الكافرون الذين يضادون الله في شرعه . فقد أباح هؤلاء ما حرم الله ، ولم يعترفوا بما أنزل الله للناس من شرع ، فانفتلوا بذلك عن دين الله وراحوا يهرفون بفاسد الكلام من اعتراض على أحكام الله وإنكار لدينه فقالوا : ( إنما البيع مثل الربا ) أي هما مثيلان ولا فرق بينهما فلماذا جعل هذا مباحا وهذا محرما فقضى الله في الأمر بما يحسم المسألة حسما لا يحتمل تأويلا فقال عز من قائل : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) .
ومن المعلومات القواطع أن الفرق بين البيع والربا ظاهر وكبي ومستبين . فالبيع عقد يقوم على المعاوضة . وبموجبه يقبض البائع الثمن ليدفع للمبتاع المبيع على أساس من الرضا وحرية الإرادة . وعقد البيع على هذا الأساس يحتمل الربح والخسارة . فربما أصاب أحد البيّعين في عقد البيع ربحا ، وربما أصاب خسارة . وتتضح هذه الحقيقة على نحو أشد في الشركات ومنها المضاربة . ذلك أن المتعاقدين الاثنين يشتركان في كل من الغُنْم والغُرم أو الربح والخسارة . والقاعدة الفقهية في ذلك معلومة ومشهورة وهي " الغُرْم بالغنم " فكلا المتعاقدين يشتركان في الربح والخسارة وذلكم هو العدل والحق .
لكن الربا يقوم على غير هذا الأساس . فهو في الأصل يقوم على الغرر وقد نهى عنه الرسول ( ص ) ؛ لما فيه من توهيم وتغرير كبيع السمك في الماء أو الطير في الهواء وهكذا يكون الربا . فآخذه بين احتمالين ، فهو إما أن يستفيد مما اقترض ويربح ، وإما أن يتعثر ويخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ، لكن معطيه إنما يكون ربحه مضمونا . فهو رابح على التأكيد ولا سبيل له أن يخسر ؛ لأن الفائدة الربوية المعلومة بالنسبة إليه مشروطة . فهو لا يقرض إلا وهو عالم أن ربحه مضمون ضمن أساس مشروط لا يتخلف . وذلك تغرير وحيف وهو باطل وظلم جعله الإسلام محرما وشدد عليه التغليظ والنكير وتوعد الساقطين فيه حربا في هذه الدنيا ونار جهنم في الآخرة .
وقوله : ( فمن جاء موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) شرط وجوابه .
وجملة ذلك أن من بلغه تحريم الربا فانتهى عن فعله وتعاطيه فقد غفر الله ما سلف من أكل الربا . فما كان من أكل للربا قبل التحريم فقد سقطت تبعته في الدنيا وفي الآخرة ، فهو في الدنيا غير مطالب بما زاد على رأس المال أو استزاد . وفي الآخرة غير مؤاخذ عن ذلك ؛ لأن من قواعد الشريعة ألا مسؤولية أو جزاء إن لم يكن ثمة التحريم ، فإن عليه أن يضع ما كان قد اشترط من ربا ، أما الربا الذي أخذه قبل نزول التحريم فلا يلتزم برده ؛ لأنه مندرج في قوله تعالى : ( فله ما سلف ) وقوله في آية أخرى : ( عفا الله عما سلف ) .
وقد ورد أن النبي ( ص ) قال يوم فتح مكة : " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربا أضع ربا العباس " ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام برد ما أخذوا من زيادة ربوية قبل نزول التحريم ؛ لأن الله سبحانه قد عفا عما سلف . قوله : ( وأمره إلى الله ) الضمير عائد على المكلف المنتهي عن أكل الربا والذي عفا الله له عما سلف ، فإن أمره إلى الله سبحانه يبسط له الخير وأسباب الهداية والطاعة ويجعل له من أمره يسرا .
وقوله : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) الذي يعود إلى أكل الربا بعدما جاءه من موعظة وخبر التحريم ، فإنه من أصحاب النار الخالدين ، وذلك أن استحل لنفسه ما حرمه الله وذلك كفر ، فإنه لا يأبى شرع الله ليجد لنفيه من دون الله شرعا آخر إلا من كان كافرا . ويدخل في ذلك من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله . واسم الإشارة ( أولئك ) في محل رفع مبتدأ . ( أصحاب ) خبره . والجملة الإسمية ( هم فيها خالدون ) في محل نصب حال .