{ وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم } أي ذلت وخضعت خضوع العناة أي الأسارى ، والمراد بالوجوه إما الذوات وإما الأعضاء المعلومة وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة وآثار الذل أول ما تظهر فيها ، وأل فيها للعهد أو عوض عن المضاف إليه أي وجوه المجرمين فتكون الآية نظير قوله تعالى : { سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ } [ الملك : 27 ] واختار ذلك الزمخشري وجعل قوله تعالى : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } اعتراضاً ووضع الموصول موضع ضميرهم ليكون أبلغ ، وقيل : الوجوه الإشراف أي عظماء الكفرة لأن المقام مقام الهيبة ولصوق الذلة بهم أولى والظلم الشرك وجملة { وَقَدْ خَابَ } الخ حال والرابط الواو لا معترضة لأنها في مقابلة { وهو مؤمن } [ طه : 112 ] فيما بعد انتهى . قال صاحب الكشف : الظاهر مع الزمخشري والتقابل المعنوي كاف فإن الاعتراض لا يتقاعد عن الحال انتهى .
وأنت تعلم أن تفسير الظلم بالشرك مما لا يختص بتفسير الوجوه بالإشراف وجعل الجملة حالاً بل يكون على الوجه الأول أيضاً بناءً على أن المراد بالمجرمين الكفار ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى : { وَقَدْ خَابَ } الخ خسر من أشرك بالله تعالى ولم يتب ، وقال غير واحد : الظاهر أن أل للاستغراق أي خضعت واستسلمت جميع الوجوه . وقوله تعالى : { وَقَدْ خَابَ } الخ يحتمل الاستئناف والحالية ، والمراد بالموصول إما المشركون وإما ما يعمهم وغيرهم من العصاة وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك دائمة وخيبة المؤمن العاصي مقيدة بوقت العقوبة إن عوقب . وقد تقدم لك معنى الحي القيوم في آية الكرسي .
قوله : { وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما } ( وعنت ) أي خضعت وذلت . والعاني الأسير . يقال : عنا فلان فيهم أسيرا ؛ أي أقام على إساره فهو عان ، وقوم عُناة . ونسوة عوان{[2996]} و ( القيوم ) الدائم بتدبير الخلق ؛ وذلك كائن يوم القيامة ، حين يأتي الناس خاشعين مستسلمين أذلة ، وقد غمرتهم داهية الساعة بعظمائها المذهلة ، وغشيت قلوبهم ووجوههم غواش كثاف من الذل والذعر والاستسحار ؛ فهم حينئذ خاضعون واجمون حيارى من هول المعاينة ومما يجدونه من جلل الخطوب والمشاهد . كل هاتيك المعاني من الرعب واليأس والاستسلام والخشوع يتجلى في هذه العبارة القرآنية الفذة . العبارة القصيرة الوجيزة ذات الكلمات الموحية المؤثرة ، والتي تشْدَهُ الحس والخاطر ، وتنفذ إلى الصميم من الوجدان والمشاعر . فما يتملى القارئ هذه الآية حتى يقفز به الخيال في نقلة عجيبة مذهلة إلى واقع مميز جديد ، واقع القيامة بغواشيها وعظائمها وعرصاتها . وذلك دليل ظاهر من أدلة كاثرة على أن هذا الكلام من نظم الإله القادر ( وقد خاب من حمل ظلما ) أي خسر ويئس من أتى ربه يوم القيامة بظلم وهو الشرك . وفي الصحيح : " إياكم والظلم ؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك ؛ فإن الله تعالى يقول : ( إن الشرك لظلم عظيم ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.