روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (20)

{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ } أيها الأزواج { استبدال زَوْجٍ } إقامة امرأة ترغبون بها { مَّكَانَ زَوْجٍ } أي امرأة ترغبون عنها بأن تطلقوها { وَءاتَيْتُمْ } أي أعطى أحدكم { إِحْدَاهُنَّ } أي إحدى الزوجات ، فإن المراد من الزوج هو الجنس الصادق مع المتعدد المناسب لخطاب الجمع ، والمراد من الإيتاء كما قال الكرخي : الالتزام والضمان كما في قوله تعالى : { إذا سلمتم ما أتيتم } [ البقرة : 233 ] أي ما التزمتم وضمنتم ، ومفهوم الشرط غير مراد على ما نص عليه بعض المحققين ، وإنما ذكر لأن تلك الحالة قد يتوهم فيها الأخذ فنبهوا على حكم ذلك ، والجملة حالية بتقدير قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها وتجعلوا مكانها غيرها { قِنْطَاراً } أي مالاً كثيراً ، وقد تقدمت الأقوال فيه { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ } أي من القنطار المؤتى { شَيْئاً } يسيراً أي فضلاً عن الكثير .

{ أَتَأْخُذُونَهُ } أي الشيء { بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } استئناف مسوق لتقرير النهي والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، والمصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف أي أتأخذونه باهتين وآثمين ، ويحتمل أن يكونا منصوبين على العلة ولا فرق في هذا الباب بين أن تكون علة غائية وأن تكون علة باعثة وما نحن فيه من الثاني نحو قعدت عن الحرب جبناً لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم فقد قيل : كان الرجل منهم إذا أراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك ، والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ، وقال الزجاج : الباطل الذي يتحير من بطلانه ، وفسر هنا بالظلم ، وعن مجاهد أنه الإثم فعطف الإثم عليه للتفسير كما في قوله :

وألفى قولها كذباً وميناً *** وقيل : المراد به هنا إنكار التمليك والمبين البين الظاهر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا} (20)

قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) .

إذا أراد الرجل مفارقة زوجه من خلال طلاق لينكح غيرها من النساء فليس له أن يأخذ ما كان أصدق الزوجة الأولى شيئا وإن كان أصدقها بما يبلغ القنطار وفيه دلالة على جواز الإكثار من المهر بغير تحديد . مع أن الإقلال والتيسير في المهور أحب إلى الله ورسوله .

وعلى أية حال فإنه ليس للمهر من حد أعلى . وقصة عمر بن الخطاب في هذا الصدد مشهورة ومستفيضة فقد روى الإمام أحمد عن أبي العجفاء أن عمر – رضي الله عنه- قد ركب منبر رسول الله ( ص ) ثم قال : أيها الناس ما إكثاركم في صدق النساء ( بفتح الصاد وسكون الدال ) وقد كان رسول الله ( ص ) وأصحابه والصدقات ( بضم الدال ) فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك . ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها . فالأعرف ما زاد رجل في صدق امرأة على أربعمائة درهم . ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم . قال : نعم فقالت : أما سمعت ما أنزال الله في القرآن . قال : وأي ذلك ؟ فقالت : أما سمعت الله يقول : ( وآتيتهم إحداهن قنطارا ) فقال عمر : اللهم غفرا ، كل الناس أفقه من عمر . ثم رجع فركب المنبر فقال : أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهم على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب . وقيل : لا ينبغي أن يفهم من الآية جواز المغالاة في المهور . لأن التمثيل بالقنطار جاء على سبيل المبالغة . بل يستفاد من الآية منع المغالاة في المهور . والقول بجواز المغالاة هو الراجح والصواب لحصول ذلك من كثير من الصحابة من غير إنكار .

قوله : ( أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) بهتانا هنا حال منصوب . وإثما معطوف على ما قبله ، والبهتان معناه افتراء الكذب{[717]} . والهمزة استفهام إنكار وتوبيخ . أي أتأخذون باهتين وآثمين وفي الآية ما يفيد بأن استرجاع الصداق أو جزء منه من المرأة بعد فراقها لهو أخذ للمال بغير حق وهو في منزلة الافتراء والكذب اللذين نهت عنهما الشريعة بشدة . وكذلك فإن أخذ الصداق على هذه الصورة لهو إثم واضح مكشوف لا يحتمل أي تبرير .


[717]:- المصباح المنير جـ 1 ص 71.