روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (48)

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } أي الفرد الكامل الحقيق بأن يسمى كتاباً على الإطلاق لتفوقه على سائر الكتب السماوية وهو القرآن العظيم فاللام للعهد ، والجملة عطف على { أَنزَلْنَا } [ المائدة : 44 ] وما عطف عليه ، وقوله تعالى : { بالحق } حال مؤكدة من الكتاب أي متلبساً بالحق والصدق ، وجوز أن يكون حالاً من فاعل { أَنزَلْنَا } ، وقيل : حال من الكاف في { إِلَيْكَ } وقوله تعالى : { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حال من { الكتاب } أي حال كونه مصدقاً لما تقدمه ، وقد تقدم الكلام في كيفية تصديقه لذلك ، وزعم أبو البقاء عدم جواز كونه حالاً مما ذكر إذ لا يكون حالان لعامل واحد ، وأوجب كونه حالاً من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله ، وقوله سبحانه : { مّنَ الكتاب } بيان { لَّمّاً } واللام فيه للجنس بناءاً على ادعاء أن ما عدا الكتب السماوية ليست كتاباً بالنسبة إليها . ويجوز كما قال غير واحد أن تكون للعهد نظراً إلى أنه لم يقصد إلى جنس مدلول لفظ الكتاب بل إلى نوع مخصوص منه هو بالنظر إلى مطلق الكتاب معهود بالنظر إلى وصف كونه سماوياً غايته أن عهديته ليست إلى حد الخصوصية الفردية بل إلى خصوصية نوعية أخص من مطلق الكتاب وهو ظاهر ، ومن الكتاب السماوي أيضاً حيث خص بما عدا القرآن .

{ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } قال الخليل وأبو عبيدة : أي رقيباً على سائر الكتب السماوية المحفوظة عن التغيير حيث يشهد لها بالصحة والثبات ويقرر أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها ويعين أحكامها المنسوخة . وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله تعالى عنهم : أي شاهداً عليه بأنه الحق ، والعطف حينئذ للتأكيد ؛ وهاؤه أصلية ، وفعله هيمن ، وله نظائر بيطر وخيمر وسيطر وزاد الزجاج : بيقر ، ولا سادس لها ، وقيل : إنها مبدلة من الهمزة ومادته من الأمن كهراق وقال المبرد وابن قتيبة : إن المهيمن أصله مؤمن وهو من أسمائه تعالى ، فصغر وأبدلت همزته هاءاً ، وتعقبه السمين وغيره بأن ذلك خطأ بل كفر أو شبيه به لأن أسماء الله تعالى لا تصغر ، وكذا كل اسم معظم شرعاً ، وعن ابن محيصن ومجاهد أنهما قرآ { *مهيمنا } بفتح الميم على بنية المفعول فضمير { وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ } على هذا يعود على الكتاب الأول ، والمعنى أنه حوفظ من التحريف والتبديل ، والحافظ له هو الله تعالى كما قال سبحانه : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] .

{ فاحكم بَيْنَهُمْ } أي بين أهل الكتاب كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن كون القرآن العظيم بذلك الشأن من موجبات الحكم المأمور به أي إذا كان شأن القرآن كما ذكر فاحكم بينهم { بِمَا أنزَلَ الله } أي بما أنزله إليك فإنه الحق الذي لا محيص عنه ، والمشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب الإلهية ، وتقديم { بَيْنَهُمْ } للاعتناء بتعميم الحكم لهم ، ووضع الموصول موضع الضمير تنبيهاً على علية ما في حيز الصلة للحكم ، وترهيباً عن المخالفة ، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لما مر مراراً .

{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } الزائغة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد ما حرفوا وبدلوا من أمر الرجم { عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } الذي لا محيد عنه ، و ( عن ) متعلقة بلا تتبع على تضمين معنى العدول ونحوه كأنه قيل : لا تعدل عما جاءك من الحق متبعاً لأهوائهم ، وقيل : بمحذوف وقع حالاً من فاعله أي لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك ، أو من مفعوله أي لا تتبع أهواءهم عادلة عما جاءك ، واعتراض ذلك بأن ما وقع حالاً لا بد أن يكون فعلاً عاماً ، ولعل القائل لا يسلم ذلك ، و { مِنْ } كما قال أبو البقاء : متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مرفوع { جَاءكَ } أو من ( ما ) ، ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيز الصلة ( من مجيء الحق ) إلى ما يوجب كمال الاجتناب عن اتباع الاهواء ، والنهي يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه ، فلا يقال : كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم وهو عليه الصلاة والسلام معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك ، وقيل : الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الأحكام .

{ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب من معاصريه صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحكمه عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من الحق ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره مما في كتابهم ، وإنما الذين كلفوا العمل به من مضى قبل النسخ ، والخطاب كما قال جماعة من المفسرين للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب ، و الشرعة بكسر الشين ، وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها الشريعة ، وهي في الأصل الطريق الظاهر الذي يوصل منه إلى الماء ، والمراد بها الدين ، واستعمالها فيه نكونه سبيلاً موصلاً إلى ما هو سبب للحياة الأبدية كما أن الماء سبب للحياة الفانية ، أو لأنه طريق إلى العمل الذي يطهر العامل عن الأوساخ المعنوية كما أن الشريعة طريق إلى الماء الذي يطهر مستعمله عن الأوساخ الحسية .

وقال الراغب «سمي الدين شريعة تشبيهاً بشريعة الماء من حيث إنَّ من شرع في ذلك على الحقيقة ( المصدوقة ) روي وتطهر ، [ قال : ] ( 4 ) وأعني بالري ما قال بعض الحكماء : كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب ، وبالتطهر ما قال تعالى :

{ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } [ الأحزاب : 33 ] » والمنهاج الطريق الواضح في الدين من نهج الأمر إذا وضح ، والعطف باعتبار جمع الأوصاف ، وقال المبرد : الشرعة ابتداء الطريق ، والمنهاج الطريق المستقيم ، وقيل : هما بمعنى واحد وهو الطريق ، والتكرير للتأكيد ، والعطف مثله في قول الحطيئة :

وهند أتى من دونها النأي والبعد *** وقول عنترة :

حييت من طلل تقادم عهده *** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

وقيل : الشرعة الطريق مطلقاً سواء كان واضحاً أم لا ، وقيل : المنهاج الدليل ، وقيل : الشرعة النبي صلى الله عليه وسلم والمنهاج الكتاب ، وقيل : الشرعة الأحكام الفرعية ، والمنهاج الأحكام الاعتقادية وليس بشيء ، واللام متعلقة بجعلنا المتعدية لواحد ، وهوإخبار بجعل ماض لا إنشاء ، وتقديمها عليه للتخصيص ، و { مّنكُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين كل أي : ولكل أمة كائنة منكم أيها الأمم الباقية ، والخالية عيَّنَّا ووضعنا شرعة ومنهاجاً خاصين بتلك الأمة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها ، والأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما الصلاة والسلام شرعتهم ما في التوراة ، والتي كانت من مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث أحمد عليه الصلاة والسلام شرعتهم ما في الإنجيل ، وأما أنتم أيها الموجودون فشرعتكم ما في الفرقان ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه ، وأوجب أبو البقاء تعلق { مّنكُمْ } بمحذوف تقديره أعني ، ولم يجوز الوصفية لما أن ذلك يوجب الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي الذي لا تسديد فيه للكلام ، ويوجب أيضاً أن يفصل بين { جَعَلْنَا } ومعموله وهو شرعة ، وقال شيخ الإسلام : لا ضير في توسط { جَعَلْنَا } بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى : { أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ * السموات والارض } [ الأنعام : 14 ] الخ ، والفصل بين الفعل ومفعوله لازم على كل حال ، وما ذكر من كون الخطاب للأمم هو الظاهر ، وقيل : إنه للأنبياء الذين أشير إليهم في الآيات قبل ولا يخفى بعده ، وأبعد منه جعل الخطاب لهذه الأمة المحمدية ولا يساعده السباق ولا اللحاق .

واستدل بالآية من ذهب إلى أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا لأن الخطاب كما علمت يعم الأمم ، واللام للاختصاص ، فيكون لكل أمة دين يخصها ، ولو كان متعبداً بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص . وأجاب العلامة التفتازاني بعد تسليم دلالة اللام على الاختصاص الحصري بمنع الملازمة لجواز أن نكون متعبدين بشريعة من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص ، وفيه أنه لا حاجة في إفادة الحصر لما ذكر مع تقدم المتعلق ، وأيضاً إن الخصوصيات المذكورة لا تنافي تعبدنا بشرع من قبلنا لأن القائلين به يدّعون أنه فيما لم يعلم نسخه ومخالفة ديننا له لا مطلقاً إذ لم يقل به أحد على الإطلاق ، ولذا جمع المحققون بين أضراب هذه الآية الدالة على اختلاف الشرائع ، وبين ما يخالفها نحو قوله تعالى :

{ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً } [ الشورى : 13 ] الخ ، وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] بأن كل آية دلت على عدم الاختلاف محمولة على أصول الدين ونحوها ، والتحقيق في هذا المقام أنا متعبدون بأحكام الشرائع الباقية من حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين .

{ وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } أي جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار ، أو ذي ملة واحدة من غير اختلاف بينكم في وقت من الأوقات في شيء من الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومفعول { شَاء } محذوف تعويلاً على دلالة الجزاء عليه ، أي لو شاء الله تعالى أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ ، وقيل : المعنى ولو شاء الله تعالى اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه ، وروي عن الحسن نحو ذلك ، وقال الحسين بن علي المغربي : المعنى لو شاء الله تعالى لم يبعث إليكم نبياً فتكونون متعبدين بما في العقل وتكونون أمة واحدة { ولكن لّيَبْلُوَكُمْ } متعلق بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن لم يشأ ذلك الجعل بل شاء غيره ليعاملكم سبحانه معاملة من يبتليكم . { فِى } من الشرائع المختلفة لحكم إلهية يقتضيها كل عصر هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن في اختلافها مايعود نفعه لكم في معاشكم ومعادكم ، أو تزيغون عنها . وتبتغون الهوى . وتشترون الضلالة بالهدى ، وبهذا كما قال شيخ الإسلام اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء ، بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشاً ومعاداً كما ينبىء عنه قوله عز وجل : { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في القرآن الكريم وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لفضل السبق والتقدم ، فالسابقون السابقون أولئك المقربون .

وقوله تعالى : { إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد ، و { جَمِيعاً } حال من الضمير المجرور ، والعامل فيه إما المصدر المضاف المنحل إلى فعل مبني للفاعل ، أو لما لم يسم فاعله ، وإما الاستقرار المقدر في الجار ، وقيل وفيه بعد إن الجملة واقعة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : كيف ما في ذلك من الحكم ؟ فأجيب بأنكم سترجعون إلى الله تعالى وتحشرون إلى دار الجزاء التي تنكشف فيها الحقائق وتتضح الحكم { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين الحق والباطل ما لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من أمر الدين ، فالإنباء هنا مجاز عن المجازاة لما فيها من تحقق الأمر .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات على ما قاله بعض العارفين : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } يحتمل أن يكون الكتاب الأول إشارة إلى علم الفرقان ، والثاني إشارة إلى علم القرآن ، والأول هو ظهور تفاصيل الكمال ، والثاني هو العلم الإجمالي الثابت في الاستعداد ، ومعنى كونه مهيمناً عليه حافظاً عليه بالإظهار ، ويحتمل أن يكون الأول إشارة إلى ما بين أيدينا من المصحف ، والثاني إشارة إلى الجنس الشامل للتوراة التي دعوتها للظاهر والإنجيل الذي دعوته للباطن ، وكتابنا مشتمل على الأمرين حافظ لكل من الكتابين { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } من العدل الذي هو ظل المحبة التي هي ظل الوحدة التي انكشفت عليك { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } في تغليب أحد الجانبين إما الظاهر وإما الباطن { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً } مورداً كمورد النفس ومورد القلب ومورد الروح

{ ومنهاجا } [ المائدة : 48 ] طريقاً كعلم الأحكام والمعارف التي تتعلق بالنفس وسلوك طريق الباطن الموصل إلى جنة الصفات وعلم التوحيد والمشاهدة الذي يتعلق بالروح وسلوك طريق الفناء الموصل إلى جنة الذات ، وقال بعضهم : إن لله سبحانه بحاراً للأرواح وأنهاراً للقلوب وسواقي للعقول ، ولكل واحد منها شرعة في ذلك ترد منها كشرعة العلم وشرعة القدرة وشرعة الصمدية وشرعة المحبة إلى غير ذلك ، وله عز وجل طرق بعدد أنفاس الخلائق كما قال أبو يزيد قدس سره ، والمراد بها الطرق الشخصية لا مطلقاً وكلها توصل إليه سبحانه ، وهذا إشارة إلى اختلاف مشارب القوم وعدم اتحاد مسالكهم ، وقد قال جل وعلا : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } [ البقرة : 60 ] وفرق سبحانه بين الأبرار والمقربين في ذلك ، وقلما يتفق اثنان في مشرب ومنهج ، ومن هنا ينحل الإشكال فيما حكي عن حضرة الباز الأشهب مولانا الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني قدس سره أنه قال : لا زلت أسير في مهامه القدس حتى قطعت الآثار فلاح لي أثر قدم من بعيد فكادت روحي تزهق فإذا النداء هذا أثر قدم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم فإن ظاهره يقتضي سبقه للأنبياء والرسل أرباب التشريع عليهم الصلاة والسلام ونحوهم من الكاملين وهو كما ترى ، ووجهه أنه قدس سره قطع الآثار في الطريق الذي هو فيه ، وذلك يقتضي السبق على سالكي ذلك الطريق لا غير ، فيجوز أن يكون مسبوقاً بمن ذكرنا من السالكين طريقاً آخر غير ذلك الطريق ، وهذا أحسن ما يخطر لي في الجواب عن ذلك الإشكال نظراً إلى مشربي ، ومشارب القوم شتى { وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } متفقين في المشرب والطريق { ولكن ليبلوكم فيما ءاتاكم } أي ليظهر عليكم ما آتاكم بحسب استعداداتكم على قدر قبول كل واحد منكم { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي الأمور الموصلة لكم إلى كمالكم الذي قدر لكم بحسب الاستعدادات المقربة إياكم إليه بإخراجه إلى الفعل { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } في عين جمع الوجود على حسب المراتب { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ المائدة : 48 ] وذلك بإظهار آثار ما يقتضيه ذلك الاختلاف

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (48)

قوله تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة ولكن ليبلوكم في ما ءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .

المخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمراد بالكتاب ، القرآن الكريم . فاللام في الكتاب للعهد .

وقوله : { بالحق } حال مؤكدة من الكتاب . أي أن كتاب الله الحكيم أنزله الله على رسوله متلبسا بالحق والصدق . وقيل : أنزله بالأمر الحق .

وقوله : { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } مصدقا ، منصوب على الحال من الكتاب . واللام في الكتاب للجنس . أي جنس الكتاب . أي أن القرآن جاء مصدقا لكل كتاب نزل قبله من السماء .

قوله : { ومهيمنا عليه } مهيمنا ، منصوب على الحال من الكتاب كذلك . والمهيمن معناه الحافظ . وقيل : المصدق . وقيل : المؤتمن . وهو قول ابن عباس . أي أن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب السماوية . وقيل : معناه الرقيب . أي الرقيب على سائر الكتب السماوية المحفوظة عن التغيير ، إذ يشهد لها بالصحة والثبات . وقيل : الشاهد عليه بأنه الحق . على أن الكتاب الحكيم حقيق أن يكون مهيمنا على الكتب السماوية كلها ، لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا كليا . ولا يعتوره شيء من التحريف أو التغيير أو التبديل . بل إنه { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } وهو جدير بكل معاني الكمال والثبات والصدق . فقد حفظه الله من العبث . وهو محفوظ إلى أبد الدهر . وفي ذلك يقول عز وجل من قائل : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .

قوله : { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق } أي احكم بين أهل الكتاب { بما أنزل الله } أي بالقرآن بما فيه من أحكام وتعاليم . فإنه الحق الذي لا محيد عنه وهو المشتمل على سائر الأحكام الشرعية الثابتة الباقية . وهذا نسخ للتخيير في قوله : { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } .

قوله : { ولا تتبع أهوائهم } الأهواء جمع هوى . وهو ميل النفس وانحرافها عن الشيء . ثم استعمل في ميل مذموم . فيقال : اتبع هواه . وهو من أهل الأهواء{[994]} أي لا تعمل بأهوائهم الجانحة عن الحق فتترك الحكم بما بينه الله في القرآن الكريم .

قوله : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } الشرعة بمعنى الشريعة . وهي في اللغة بمعنى مشرعة الماء وهو مورد الشاربة . والشريعة أيضا ما شرع الله لعباده من الدين . وقد شرع لهم ، أي سن . والشارع الطريق الأعظم وشرع في الأمر أي خاض فيه{[995]} .

والشرعة والشريعة بمعنى الطريقة الظاهرة التي يوصل بها إلى النجاة . أما المنهاج ، فمعناه الطريق الواضح ، أو المستقيم . وقيل " هما بمعنى واحد ؟ والتكرير يراد منه التأكيد . وقيل : معناه السبيل والسنة . وقيل غير ذلك .

والخطاب في الآية من الله للأمم الثلاث وهي : أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم الصلاة والسلام . أي أن الله جعل التوراة لأهلها . وجعل الإنجيل لأهله . وكذا القرآن جعله لأهله . وبعبارة أخرى . فإن الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام كانت شرعتها ما في التوراة والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث أحمد كانت شرعتهم ما في الإنجيل . أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فشرعتهم ما في هذا الكتاب الحكيم وهو القرآن وكفى . فيجب العمل بمقتضاه وما حواه من أوامر وزواجر وتعاليم تصلح عليها البشرية في الدنيا والآخرة .

وذلك كله في الشرائع والعبادات والأحكام التفصيلية . أما الأصل وهو التوحيد فلا اختلاف فيه بين الأديان جميعا . وإنما تنبثق الأديان السماوية كلها من مشكاة واحدة فتدعو الناس كافة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له . إلى غير ذلك من أركان الإيمان الأخرى . وجملة القول في ذلك أن الدين واحد والشريعة مختلفة . وفي ذلك ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد " وهو يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله . أما الشرائع فمختلفة الأوامر والنواهي .

فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس . وقد يكون خفيفا فيزداد في الشدة في هذه دون هذه . وذلك لما لله في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الساطعة{[996]} .

قوله : { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } الأمة تأتي على عدة معان . منها : الجماعة . ومنها : الحين ، كقوله تعالى : { وادّكر بعد أمة } أي بعد حين من الزمن وتأتي بمعنى الطريقة والدين . كقوله تعالى : { كنتم خير أمة } أي كنتم خير أهل دين{[997]} . ومعنى الآية هنا ، أن الله لو شاء لجعل الناس جماعة متفقة على شريعة واحدة .

أو جعلكم ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه . لكن الله جعلكم على شرائع مختلفة ليبتليكم . أي ليختبركم هل تعملون بتلك الشرائع فتنقادوا خاضعين لأوامر الله أم تضلوا وتفرطوا وتتبعوا الغي والأهواء .

قوله : { فاستبقوا الخيرات } أي ابتدروها وتسابقوا نحوها ، وامضوا لفعلها مسرعين جادين غير متوانين ولا متثاقلين .

قوله : { إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ذلك استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات بما تضمنه ذلك من الوعد والوعيد . فإذا آل الأمر بالناس إلى الله فسوف يخبرهم إذ ذاك بالمجازاة التي لا يشكون معها في معرفة المحق والمبطل . أي أن الأمر سيؤول إلى ما تزول معه الشكوك ويحصل معه اليقين وذلك عن مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته{[998]} .


[994]:- المصباح المنير ج 2 ص 318.
[995]:- مختار الصحاح ص 335 والقاموس المحيط ج 3 ص 45.
[996]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 66 وتفسير الرازي ج 12 ص 14 وروح المعاني ج 6 ص 152، 153 وفتح القدير ج 2 ص 48.
[997]:- مختار الصحاح ص 26.
[998]:- تفسير الطبري ج 6 ص 176 والكشاف ج 1 ص 618 وتفسير الرازي ج 12 ص 15.