روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (36)

{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } تقرير لما يفهمه الكلام السابق من أنهم لا يؤمنون . والاستجابة بمعنى الإجابة ، وكثيراً ما أجرى استفعل مجرى أفعل كاستخلص بمعنى أخلص واستوقد بمعنى أوقد إلى غير ذلك . ومنه قول الغنوي

: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

ويدل على ذلك أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب ، ومنهم من فرق بين استجاب وأجاب بأن استجاب يدل على قبول ، والمراد بالسماع الفرد الكامل وهو سماع الفهم والتدبر بجعل ما عداه كلا سماع أي إنما يجيب دعوتك إلى الإيمان الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم كقوله تعالى : { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى . } [ النمل : 80 ] { والموتى } أي الكفار كما قال الحسن ، ورواه عنه غير واحد { يَبْعَثُهُمُ الله } من قبورهم إلى المحشر ، وقيل : بعثهم هدايتهم إلى الايمان وليس بشيء { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء فحينئذ يسمعون ، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم لما أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً ، وفي إطلاق الموتى على الكفار استعارة تبعية مبنية على تشبيه كفرهم وجهلهم بالموت كما قيل

: لا يعجبن الجهول بزيه *** فذاك ميت ثيابه كفن

وقيل : الموتى على حقيقته ، والكلام تمثيل لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيق أولئك الكفار للإيمان باختصاصه سبحانه بالقدرة على بعث الموتى الذين رمت عظامهم من القبور ، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدر على هدايتهم لأنها كبعث الموتى . وتعقب بأنه على هذا ليس لقوله سبحانه { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } كبير دخل في التمثيل إلا أن يراد أنه إشارة إلى ما يترتب على الايمان من الآثار ، وفي إعراب ( الموتى ) وجهان ، أحدهما : أنه مرفوع على الابتداء ، والثاني : أنه منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده واختاره أبو البقاء ، ويفهم من كلام مجاهد أنه مرفوع بالعطف على الموصول ، والجملة بعده في موضع الحال والظاهر خلافه . وقرىء { يَرْجِعُونَ } على البناء للفاعل من رجع رجوعاً . والمتواترة أوفى بحق المقام لإنبائها عن كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار .

( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [ الأنعام : 63 ] قال ابن عطاء : أخبر سبحانه بهذه الآية أن أهل السماع هم الأحياء وهم أهل الخطاب والجواب . وأخبر أن الآخرين هم الأموات . وقال غيره : المعنى أنه لا يستجيب إلا من فتح الله سبحانه سمع قلبه بالهداية الأصلية ووهب له الحياة الحقيقية بصفاء الاستعداد ونور الفطرة لا موتى الجهل الذين ماتت غرائزهم بالجهل المركب أو بالحجب الجبلية أو لم يكن لهم استعداد بحسب الفطرة فإنهم قد صموا عن السماع ولا يمكنهم ذلك بل يبعثهم الله تعالى إليه بالنشأة الثانية ثم يرجعون إليه سبحانه في عين الجمع المطلق للجزاء والمكافأة مع احتجابهم ، وقيل : الآية إشارة إلى أهل الصحو وأهل المحو .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (36)

قوله : { إنما يستجيب الذين يسمعون } المراد بالسماع هنا سماع التفهم والإصغاء والتدبر وابتغاء الحق والصواب وبذلك لا يستجيب لنداء الحق أو داعي الإسلام إلا من سمع سماع فهم وتدبر وادكار من أولي الفطرة السوية السليمة . الذين يستقبلون النداء الكريم ودعوة الحق أحسن استقبال من الرضى والقناعة والشرح الذي يعمر الصدر .

قوله : { والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } المراد بالموتى الذين لا يسمعون نداء ولا يعقلون دعاء ولا يفقهون قولا إلا كما تفقه الأنعام من أصوات الرعاة . إن هؤلاء المشركين الظالمين الذين ختم الله على قلوبهم وطبع على أبصارهم ليسوا على استعداد ولا تهيئة لاستقبال الإسلام بمعانيه الرائعة وقيمه الكريمة الفضلى وتشريعه الشامل المتكامل . هذا الصنف من البشر قد تعطلت فيه أجهزة الفطرة التي فطر الله الناس عليها . فما عاد ليستمرئ بعد ذلك غير الهوى وكل صور الباطل والانحراف عن سبيل الله المستقيم . وعلى هذا فالموتى هم الكفرة ، لأنهم بمنزلتهم في أنهم لا يقبلون حجة ولا يستمعون إلى صواب ولا يستسيغون غير الباطل والاعوجاج .

فهؤلاء لا يسمعون ولا يصدقون إلا بعد أن يبعثهم الله من قبورهم إلى الجزاء والحساب ، وحينئذ يسمعون ويعون ويصدقون . أما قبل ذلك فلا سبيل لإسماعهم وإقناعهم لما يغشى قلوبهم من الأكنة وما يثقل آذانهم من الوقر{[1157]} .


[1157]:- روح المعاني ج 7 ص 136- 142 والكشاف ج 2ص 15-16 وتفسير الطبري ج 7 ص 114- 118 وتفسير القرطبي ج 6 ص 414- 419.