{ واستفتحوا } أي استنصروا الله تعالى على أعدائهم كقوله تعالى : { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } [ الأنفال : 19 ] ويجوز أن يكون من الفتاحة أي الحكومة أي استحكموا الله تعالى وطلبوا منه القضاء بينهم كقوله تعالى : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف : 89 ] والضمير للرسل عليهم السلام كما روي عن قتادة وغيره ، والعطف على { أوحى } ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس . ومجاهد . وابن محيصن { واستفتحوا } بكسر التاء أمراً للرسل عليهم السلام معطوفاً على { ليهلكن } [ إبراهيم : 13 ] فهو داخل تحت الموحى ، والواو من الحكاية دون المحكى ، وقيل : ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أن مذهب بعضهم تجويزه ، وأخر على القراءتين عن قوله تعالى :
{ لَنُهْلِكَنَّ } [ إبراهيم : 13 ] أو أوحى إليهم على ما الكشف دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين ، وذلك لأن { لَنُهْلِكَنَّ } [ إبراهيم : 13 ] وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك ، وليس من تفويض الترتب إلى ذهن السامع في شيء ولا ذلك من مقامه كما توهم . وقال ابن زيد : الضمير للكفار والعطف حينئذ على { قَالَ الذين كَفَرُواْ } [ إبراهيم : 13 ] أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش : { عَجّل لَّنَا قِطَّنَا } [ ص : 16 ] وكأنهم لما قوى تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } [ الأعراف : 70 ] وقوم شعيب { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً } [ الشعراء : 187 ] إلى غير ذلك ، وقيل : الضمير للرسل عليهم السلام ومكذبيهم لأنهم كانوا كلهم سألوا الله تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل ، وجعل بعضهم العطف على { أُوحِىَ } على هذا أيضاً بل ظاهر كلام بعض أن العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقاً ، وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمال آخر في الضمير ذكره الزمخشري .
{ وَخَابَ } أي خسر وهلك { كُلّ جَبَّارٍ } متكبر عن عبادة الله تعالى وطاعته ، وقال الراغب : الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، ولا يقال إلا على طريق الذم { عَنِيدٍ } معاند للحق مباه بما عنده ، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيراً كخليط بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع ، وذكر أبو عبيدة أن اشتقاق ذلك من العند وهو الناحية ، ولذا قال مجاهد : العنيد مجانب الحق ، قيل : والوصف الأول : إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني : إلى ذمه باعتبار الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً منحرفاً عن الحق ، وفي الكلام إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمنعطوف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون ؛ فالخيبة بمعنى مطلق الحرمان دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق ، هذا إذا كان ضمير { *استفتحوا } للرسل عليهم السلام ، وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في «البحر » على { *استفتحوا } أي استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابوا ولم يفلحوا ، وإنما وضع { أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } موضع ضميرهم ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة ، ويقدر إذا كان الضمير للرسل عليهم السلام وللكفرة استفتحوا جميعاً فنصر الرسل وخاب كل عات متمرد ، والخبة على الوجهين بمعنى الحرمان غب الطلب ، وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة .
قوله تعالى : { واستفتحوا } استنصروا . قال ابن عباس و مقاتل : يعنى الأمم ، وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، نظيره قوله تعالى : { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } [ الأنفال -42 ] . وقال مجاهد وقتادة : واستفتحوا يعني الرسل وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب ، كما قال نوح عليه السلام : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } [ نوح-26 ] وقال موسى عليه السلام : { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم } ، الآية [ يونس-88 ] . { وخاب } ، خسر : وقيل : هلك ، { كل جبار عنيد } والجبار : الذي لا يرى فوقه أحدا . والجبرية : طلب العلو بما لا غاية وراءه ، وهذا الوصف لا يكون إلا لله عز وجل . وقيل : الجبار : الذي يجبر الخلق على مراده ، والعنيد : المعاند للحق ومجانبه . قاله مجاهد ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- : هو المعرض عن الحق . قال مقاتل : هو المتكبر . وقال قتادة : العنيد : الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله .
قوله تعالى : { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ( 15 ) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد ( 16 ) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ( 17 ) } استفتح المرسلون على قومهم الظالمين ؛ أي استنصروا الله عليهم ؛ فقد أذن الله لرسله أن يستفتحوا على قومهم والدعاء عليهم بالإهلاك كما استنصر نوح على قومه الظالمين المجرمين بعد أن استيأس منهم فدعا الله أن يهلكهم ويستأصلهم ( وخاب كل جبار عنيد ) أي خسر كل متكبر على طاعة الله وعبادته . والعنيد ، هو المجانب للحق من العنود ومعناه الانحراف عن الحق والصدق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.