وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى :
{ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون }
إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها ، كما في الخبر «إنما الصبر عند أول صدمة » والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه في نفس أو مال أو أهل قليلاً كان المكروه أو كثيراً حتى لدغ الشوكة ، ولسع البعوضة ، وانقطاع الشسع ، وانطفاء المصباح ، وقد استرجع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال : «كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر » وليس الصبر بالاسترجاع باللسان ، بل الصبر باللسان وبالقلب بأن يخطر بباله ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه ، وأنه راجع إلى ربه وعائد إليه بالبقاء السرمدي ، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية وتارك لها على علاتها ، ويتذكر نعم الله تعالى عليه ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه فيهون على نفسه ويستسلم له ، والصبر من خواص الإنسان لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة ، والاسترجاع من خواص هذه الأمة ، فقد أخرج الطبراني ، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم ، أن تقول عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون » وفي رواية : أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول : { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } [ يوسف : 48 ] ويسن أن يقول بعد الاسترجاع : اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها ، فقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني الخ ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها » قالت فلما توفي أبو مسلم قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله تعالى لي خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومفعول { بُشّرَ } محذوف أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل
( ومن باب الإشارة ) : { الذين إِذَا أصبتهم مصيبة } من تصرفاتي فيهم شاهدوا آثار قدرتي بل أنوار تجليات صفتي واستسلموا وأيقنوا أنهم ملكي أتصرف فيه بتجلياتي وتفانوا فيّ وشاهدوا هلكهم بي ف{ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم } بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء المنهلة عليه صفاتي الساطعة عليه أنواري
قوله تعالى : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله } . عبيداً وملكاً .
قوله تعالى : { وإنا إليه راجعون } . في الآخرة .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا محاضر ابن الموزع ، أخبرنا سعيد ، عن عمر بن كثير ، أنا أفلح ، أخبرنا مولى أم سلمة ، عن سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مصيبة تصيب عبداً فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها " إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها .
قالت أم سلمة : لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت : اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها . فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال سعيد بن جبير : ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام . ألا تسمع إلى قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ( يا أسفى على يوسف ) .
وقوله : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) أولئك هم الصابرون الذين يبشرهم الله على لسان نبيه الكريم ، والذين يبادرون بكلمة الحق التي تعلن الولاء الكامل لله والإقرار المطلق بأنه سبحانه مالك كل شيء ؛ فهو مالك الناس والأموال والخيرات والثمرات ، وأنه ما من شيء إلا هو راجع إليه وذلك في يوم حافل معلوم . يوم تتلاقى فيه الأحياء جميعا لتجد جزاءها والحساب .
على أن الصبر على المحن إنما يكون معتبرا إذا كان عند صدمة الخبر الفادح ، فإذا ما ثبت المؤمن لدى ورود الصدمة واسترجع فذلكم الذي له البشرى بالرحمة والرضوان . وفي ذلك قد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( ص ) قال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " .
وشرط الصبر لتمامه وكمال شرفه ألا يجزع المبتلى عند صدمة الخبر الداهم ، وألا يبث للناس شكايته على سبيل الإياس والزعزعة والابتئاس ، ولكن ليكظم ألمه ويحبس نفسه عن البث والشكوى أو الأنين في ضعف وخور .
ولا تنحصر المصيبة في أنواع معلومة مما يصيب الإنسان فيؤزه ويؤلمه ، ولكنها تشمل كل صورة من صور الابتلاء مهما كان حجمها أو تأثيرها . وبذلك فإن المصيبة كما يراها الدين تتضمن كل وجه من وجوه الشر التي تصيب الإنسان فتؤذيه ، صغيرا كان الأذى أو كبيرا . فقد ذكر أن مصبح رسول الله ( ص ) قد انطفأ ذات ليلة فقال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال : " نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة " وأخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله ( ص ) يقول : " ما يصيب المؤمن من وصب{[165]} ولا نصب{[166]} ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته " {[167]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.