{ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا } بدل من { إِذْ يَرَوْنَ } [ البقرة : 165 ] مطلقاً وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بالجواب ومتعلقه لطول البدل ، وجوّز أن يكون ظرفاً ل { شَدِيدُ العذاب } [ البقرة : 165 ] أو مفعولاً لاذكروا وزعم بعضهم أنه بدل من مفعول ( ترى ) على قراءة الخطاب ، كما أن { إِذْ يَرَوْنَ } بدل منه أيضاً { وَأَن القوة } في موضع بدل الاشتمال من { العذاب } ولا يخفى أن هذا يقتضي جواز تعدد البدل ولم يعثر عليه في شيء من «كتب النحو » ، وأيضاً يرد عليه أن المبدل منه في بدل الاشتمال يجب أن يكون متقاضياً للبدل دالاً عليه إجمالاً ، وأن يكون البدل مشتملاً على ضمير المبدل منه وكلاهما مفقودان والمعنى : إذ تبرأ الرؤساء المتبعون مَن الذين اتبعوا أي المرءوسين بقولهم : { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } [ القصص : 3 6 ] وقرأ مجاهد الأول : على البناء للفاعل والثاني : على البناء للمفعول ، أي تبرأ الأتباع وانفصلوا عن متبوعيهم ، وندموا على عبادتهم .
{ وَرَأَوُاْ العذاب } حال من الأتباع والمتبوعين كما في لقيته راكبين أي رائين له فالواو للحال ، و( قد ) مضمرة ، وقيل : عطف على { تَبَرَّأَ } وفيه أنه يؤدي إلى إبدال ( إذ رأوا العذاب ) من { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة : 165 ] وليس فيه كثير فائدة ؛ لأن فاعل الفعلين وإن كانا متغايرين إلا أن تهويل الوقت باعتبار ما وقع فيه وهو رؤية العذاب ولأن الحقيق بالاستفظاع هو تبرؤهم حال رؤية العذاب لا هو نفسه ، وأجيب أن البدل الوقت المضاف إلى الأمرين ، والمبدل منه الوقت المضاف إلى واحد وهو الرؤية فقط وفيه أن هذا أيضاً لا يخرج ذلك عن الركاكة إذ بعد تهويل الوقت بإضافته إلى رؤية العذاب لا حاجة إلى جمعها مع التبري بخلاف ما إذا جعل حالاً ، فإن البدل هو التبرؤ الواقع في حال رؤية العذاب .
{ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاسباب } إما عطف على { تَبَرَّأَ } أو { رَأَوْاْ } أو حال ، ورجح الأول لأن/ الأصل في الواو العطف ، وفي الجملة الاستقلال ولإفادته تكثير أسباب التهويل والاستفظاع مع عدم الاحتياج إلى تقدير ( قد ) والباء من { بِهِمُ } للسببية ، أي تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة ، وقيل : للملابسة أي تقطعت الأسباب موصولة بهم كقولك : خرج زيد بثيابه ، وقيل : بمعنى عن ، وقيل : للتعدية ، أي قطعتهم الأسباب كما تقول : تفرقت بهم الطريق ، ومنه قوله تعالى : { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [ الأنعام : 153 ] وأصل السبب الحبل مطلقاً ، أو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف ، أو الحبل الذي يرتقي به النخل . والمراد بالأسباب هنا الوصل التي كانت بين الأتباع والمتبوعين في الدنيا من الأنساب والمحاب ، والاتفاق على الدين ، والاتباع والاستتباع ، وقرئ { تقطعت } بالبناء للمفعول وتقطع جاء لازماً ومتعدياً .
( ومن باب الإشارة ) : وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان { وتقطعت بهم } [ البقرة : 166 ] الوصل التي كانت بينهم في الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب . وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها في تحصيل لذاتها ، وطوبى للمتحابين في الله تعالى عز شأنه .
قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب } . هذا في يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض ، هذا قول أكثر المفسرين ، وقال السدي : هم الشياطين يتبرأون من الإنس .
قوله تعالى : { وتقطعت بهم } . أي عنهم .
قوله تعالى : { الأسباب } . أي الصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصداقات وصارت مخالطتها عداوة ، وقال ابن جريج : الأرحام كما قال الله تعالى : ( فلا أنساب بينهم يومئذ ) وقال السدي : يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا كما قال الله تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ) . وأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة ، أو قرابة أو مودة ، ومنه يقال للحبل سبب ، وللطريق سبب .
قوله : ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) وفي يوم القيامة إذ يرى الظالمون العذاب معاينة ، يتبرأ المتبوعون الذين كانوا يُعبدون ، من التابعين العابدين الذين كانوا ينثنون في خزي وذلة وراء الطواغيت الفاسدة من أصنام وأوثان وحاكمين وساسة وملوك .
إنه إذا قامت القيامة يُهرع الظالمون إلى من يتشبثون به فينقذهم من العذاب النازل المحدق ، وهم يومئذ تتغشاهم ظلمات من الرهب والإياس فلا يجدون من حولهم أحدا يرتجون منه خيرا أو شفاعة . فلا الأصنام ولا الأوثان ولا الحاكمون ولا الملوك ولا ذوو الجاه والسطوة والمال ، ولا أحد غيرهم يملك يوم القيامة شفاعة أو يستطيع أن يزحزح من العذاب قيد أنملة .
ويوم القيامة تتقطع بالظالمين والمشركين والمجرمين أسباب الخلاص والنجاة ، فلا سبيل لهم حينئذ غير سبيل العذاب البئيس يوم يُساقون مقهورين أذلة إلى جهنم ؛ لذلك قال سبحانه : ( وتقطعت بهم الأسباب ) والأسباب جمع سبب وهو يعني في اللغة الحبل ، ثم استُعير لكل شيء يُتوصل به إلى أمر من الأمور{[174]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.