{ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } روى الواحدي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من غنى يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفاً لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناساً من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت : ويحك يا مرثد ألا تخلو فقال لها : إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا ولكن إن شئت تزوجتك فقالت : نعم فقال : إذا رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنته في ذلك ثم تزوجتك فقالت له : أبي تتبرم ؟ ثم استعانت عليه فضربوه ضرباً وجيعاً ثم خلوا سبيله فلما قضى/ حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها فقال : يا رسول الله أيحل أن أتزوجها وفي رواية أنها تعجبني فنزلت » وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سبباً لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور ( 3 ) { الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما هي يا عبد الله ؟ فقال : هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقال : يا عبد الله هي مؤمنة قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق نبياً لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا : أنكح أمة وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم فأنزل الله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ } الآية "
وقرئ بفتح التاء وبضمها وهو المروي عن الأعمش أي لا تتزوجوهن أو لا تزوجوهن من المسلمين وحمل كثير من أهل العلم المشركات على ما عدا الكتابيات فيجوز نكاح الكتابيات عنده لقوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } [ البينة : 1 ] و{ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين } [ البقرة : 5 10 ] والعطف يقتضي المغايرة ، وأخرج ابن حميد عن قتادة المراد بالمشركات مشركات العرب التي ليس لهن كتاب ، وعن حماد قال : سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية . فقال : لا بأس به فقلت : أليس الله تعالى يقول : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات } ؟ فقال : إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان ، وذهب البعض إلى أنها تعم الكتابيات قيل : لأن من جحد نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام فقد أنكر معجزته وأضافها إلى غيره تعالى وهذا هو الشرك بعينه ولأن الشرك وقع في مقابلة الإيمان فيما بعد ولأنه تعالى أطلق الشرك على أهل الكتاب لقوله :
{ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } إلى قوله سبحانه : { عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ التوبة : 0 3 ، 1 3 ] وأخرج البخاري والنحاس في «ناسخه » عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله تعالى المشركات على المسلمين ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله تعالى ، وإلى هذا ذهب الإمامية وبعض الزيدية ، وجعلوا آية المائدة ( 5 ) { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام وتلك وإن تأخرت تلاوة مقدمة نزولاً والإطباق على أن سورة المائدة لم ينسخ منها شيء ممنوع ففي «الإتقان » ومن المائدة ( 2 ) قوله تعالى : { وَلاَ الشهر الحرام } منسوخ بإباحة القتال فيه وقوله تعالى : { فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ المائدة : 24 ] منسوخ بقوله سبحانه : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } [ المائدة : 94 ] وقوله تعالى : { ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } [ المائدة : 6 10 ] منسوخ بقوله عز شأنه : { وَأَشْهِدُواْ * ذَوِي عَدْلٍ مّنْكُمْ } [ الطلاق : 2 ] والمشهور الذي عليه العمل أن هذه الآية قد نسخت بما في المائدة على ما يقتضيه الظاهر ، فقد أخرج أبو داود في «ناسخه » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات } نسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين وحرم المسلمات على رجالهم ، وعن الحسن ومجاهد مثل ذلك وهو الذي ذهب إليه الحنفية والشافعية يقولون بالتخصيص دون النسخ ، ومبنى الخلاف أن قصر العام بكلام مستقل تخصيص عند الشافعي رضي الله تعالى عنه ونسخ عندنا .
{ ولأمة مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } تعليل للنهي وترغيب في مواصلة المؤمنات صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار ، وأصل أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوض عنها هاء التأنيث ويدل على أن لامها واو رجوعها في الجمع كقوله :
أما الإماء فلا يدعونني ولدا *** إذا تداعى بنو الأموان بالعار
وظهورها في المصدر يقال : هي أمة بينة الأموّة وأقرّت له بالأموّة ، وهل وزنها فعلة بسكون العين أو فعلة بفتحها ؟ قولان اختار الأكثرون ثانيهما ، وتجمع على آم وهو في الاستعمال دون إماء وأصله أأمو بهمزتين الأولى : مفتوحة زائدة ، والثانية : ساكنة هي فاء الكلمة ، فوقعت الواو طرفاً مضموماً ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له فقلبت ياءاً والضمة قبلها كسرة لتصح الياء فصار الاسم من قبيل غاز وقاض ثم قلبت الهمزة الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة أخرى مفتوحة فصارا آم وإعرابه كقاض ، والظاهر أن المراد بالأمة ما تقابل الحرة ، وسبب النزول يؤيد ذلك لأنه العيب على من تزوّج الأمة والترغيب في نكاح حرّة مشركة ، ففي الآية تفضيل الأمة المؤمنة على المشركة مطلقاً ولو حرّة ويعلم منه تفضيل الحرّة عليها بالطريق الأولى ، ثم إنّ التفضيل يقتضي أنّ في الشركة خيراً ، فإما أن يراد بالخير الانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما ، أو يكون على حد
{ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } [ الفرقان : 4 2 ] وقيل : المراد بالأمة المرأة حرّة كانت أو مملوكة فإن الناس كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه ، ولا تحمل على الرقيقة لأنه لا بدّ من تقدير الموصوف في ( مشركة ) فإنّ قدر ( أمة ) بقرينة السياق لم يفد خيرية الأمة المؤمنة على الحرّة المشركة ، وإن قدر حرّة أو امرأة كان خلاف الظاهر ، والمذكور في سبب النزول التزوّج بالأمة بعد عتقها . والأمة بعد العتق حرّة . ولا يطلق عليها أمة إلا باعتبار مجاز الكون . والحق أن الأمة بمعنى الرقيقة كما هو المتبادر ، وأن الموصوف المقدر ل ( مشركة ) عام . وكونه خلاف الظاهر خلاف الظاهر . وعلى تقدير التسليم هو مشترك الإلزام ، ولعل ارتكاب ذلك آخراً أهون من ارتكابه أوّل وهلة إذ هو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء وما في سبب النزول مؤيد لا دليل عليه وقد قيل فيه : إنّ عبد الله نكح أمة إن حقاً وإن كذباً فالمعنى : ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير مما اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرّية ورفعة الشأن .
{ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها ، أخرج سعيد بن منصور وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهنّ أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهنّ أن تطغيهن ، وانكحوهنّ على الدين فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل .
" وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " والواو للحال ولو لمجرّد الفرض مجرّدة عن معنى الشرط ولذا لا تحتاج إلى الجزاء والتقدير مفروضاً إعجابها لكن بالحسن ونحوه ، وقال الجرمي : الواو للعطف على مقدّر أي لم تعجبكم ولو أعجبتكم وجواب الشرط محذوف دل عليه الجملة السابقة ، وقال الرضي : إنها اعتراضية تقع في وسط الكلام وآخره ، وعلى التقادير إثبات الحكم في نقيض الشرط بطريق الأولى ليثبت في جميع التقادير ، واستدل بعضهم بالآية على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود طول الحرّة ، واعترضه الكيا بأنه ليس في الآية نكاح الإماء وإنما ذلك للتنفير عن نكاح الحرّة المشركة لأنّ العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الأمة فقيل لهم : إذا نفرتم عن الأمة فالمشركة أولى وفيه تأمّل وفي «البحر » أن مفهوم الصفة يقتضي أن لا يجوز نكاح الأمة الكافرة/ كتابية أو غيرها . وأمّا وطؤها بملك اليمين فيجوز مطلقاً .
{ وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ } أي لا تزوّجوا الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابياً أو غيره وسواء كانت المؤمنة أمة أو حرّة ، ف { تَنكِحُواْ } بضم التاء لا غير ، ولا يمكن الفتح وإلا لوجب ولا ينكحن المشركين ، واستدل بها على اعتبار الولي في النكاح مطلقاً وهو خلاف مذهبنا ، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء لأنّ المراد النهي عن إيقاع هذا الفعل والتمكين منه ، وكل المسلمين أولياء في ذلك .
{ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } مع ما فيه من ذل المملوكية . { خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } مع ما ينسب إليه من عز المالكية { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } بما فيه من دواعي الرغبة { أولئك } أي المذكورون من المشركين والمشركات { يَدْعُونَ إِلَى النار } أي الكفر المؤدي إليها إما بالقول أو بالمحبة والمخالطة فلا تليق مناكحتهم ، فإن قيل : كما أن الكفار يدعون المؤمنين إلى النار كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين ، أجيب بأنّ المقصود من الآية أنّ المؤمن يجب أن يكون حذراً عما يضره في الآخرة وأن لا يحوم حول حمى ذلك ويجتنب عما فيه الاحتمال مع أن النفس والشيطان يعاونان على ما يؤدّي إلى النار ، وقد ألفت الطباع في الجاهلية ذلك قاله بعض المحققين والجملة الخ معللة لخيرية المؤمنين والمؤمنات من المشركين والمشركات { والله يَدْعُو } بواسطة المؤمنين من يقاربهم { إِلَى الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليهما وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم : التخلية أولى بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءاً { بِإِذْنِهِ } متعلق ب { يَدْعُو } أي : يدعو إلى ذلك متلبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقاء بالمواصلة .
{ وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لكي يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءاً على أنّ معرفة الله تعالى مركوزة في العقول ، والجملة تذييل للنصح والإرشاد ، والواو اعتراضية أو عاطفة ، وفصلت الآية السابقة ب { يَتَفَكَّرُونَ } [ البقرة : 9 21 ] لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر ، وهذه الآية ب { يَتَذَكَّرُونَ } لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر .
ومن الناس من قدّر في الآية مضافاً أي فريق الله أو أولياؤه وهم المؤمنون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه تشريفاً لهم ، واعترض بأن الضمير في المعطوف على الخبر لله تعالى فيلزم التفكيك مع عدم الداعي لذلك ، وأجيب بأن الداعي كون هذه الجملة معللة للخيرية السابقة ولا يظهر التعليل بدون التقدير ، وكذا لا تظهر الملائمة لقوله سبحانه : { بِإِذْنِهِ } بدون ذلك فإن تقييد دعوته تعالى ( بإذنه ) ليس فيه حينئذ كثير فائدة بأي تفسير فسر الإذن وأمر التفكيك سهل لأنه بعد إقامة المضاف إليه مقام المضاف للتشريف بجعل فعل الأوّل فعلا للثاني صورة فتتناسب الضمائر كما في «الكشف » ولا يخفى ما فيه وعلى العلات هو أولى مما قيل : إن المراد : والله يدعو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتجب إجابته بتزويج أوليائه لأنه وإن كان مستدعياً لاتحاد المرجع في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً ، لكن يفوت التعليل وحسن المقابلة بينه وبين { أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار } وكذا لطافة التقييد كما لا يخفى .
قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } . سبب نزول هذه الآية أن أبا مرثد بن أبي مرثد الغنوي ، وقال مقاتل : هو أبو مرثد الغنوزي ، وقال عطاء : أبو مرثد كناز بن الحصين وكان شجاعا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين سراً ، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق ، وكانت خليلته في الجاهلية ، فأتته وقالت : يا أبا مرثد ألا تخلو ؟ فقال لها : ويحك يا عناق ، إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك ، قالت : فهل لك أن تتزوج بي ؟ قال نعم ، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره ، فقالت أبي تتبرم ؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضرباً شديداً ، ثم خلوا سبيله ، فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال : يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها ؟ فأنزل الله تعالى ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) . وقيل : الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وبخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبإجماع الأمة .
روى الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " .
فإن قيل : كيف أطلقتم اسم الشرك على من لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال أبو الحسن بن فارس : لأن من يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله وغيره ، وقال قتادة و سعيد بن جبير : أراد بالمشركات الوثنيات ، فإن عثمان تزوج نائلة بنت فرافصة ، وكانت نصرانية فأسلمت تحته ، وتزوج طلحة ابن عبيد الله نصرانية ، وتزوج حذيفة يهودية ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : اخل سبيلها . فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تتعافوا المؤمنات منهن .
قوله تعالى : { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } . بجمالها ومالها ، نزلت في خنساء وليدة سوداء ، كانت لحذيفة بن اليمان قال حذيفة : يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى ، على سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها ، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها ثم خرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى الله عليه وسلم : " وما هي يا عبد الله ؟ قال : هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وتصوم رمضان ، وتحسن الوضوء وتصلي فقال : " هذه مؤمنة " قال عبد الله : فوالذي بعثك بالحق نبياً لأعتقنها ولأتزوجنها . ففعل ذلك فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : أتنكح أمة ؟ وعرضوا عليه حرة مشركة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } . هذا إجماع : لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك .
قوله تعالى : { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ، أولئك } . يعني المشركين .
قوله تعالى : { يدعون إلى النار } . أي إلى الأعمال الموجبة للنار .
قوله تعالى : { والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } . أي بقضائه وقدره وإرادته .
قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) يحرم الله بذلك على المؤمنين الرجال أن يتزوجوا النساء المشركات اللواتي يعبدن الأوثان ، وظاهر هذه الآية يفيد تحريم الزواج من المشركات كافة سواء كن كتابيات أو غير كتابيات ؛ لما يصدق عليهن من الشرك ، لكن ذلك مخصص بآية المائدة ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ) فلئن كانت آية البقرة يفيد ظاهرها العموم إلا أن الله تعالى قد استثنى بآية المائدة نساء أهل الكتاب ليكون نكاحهن حلالا ، وذلك الذي عليه جماهير العلماء سلفا وخلفا . وفي ذلك يقول النبي ( ص ) : " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا " . وذكر عن بعضهم أن نكاح الكتابيات حرام استنادا إلى ظاهر العموم في الآية وإلى قوله سبحانه : ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ) أما ظاهر العموم في الآية فقد بينا تخصيصه ، وأما الآية في حبوط العمل فلا يستدل بها على موضع الخلاف هنا . وذكر عن عبد الله بن عمر القول بكراهة نكاح الكتابيات . وهو في ذلك يقول : لا أعلم شركا أعظم من أن تقول : ربها عيسى . ومثل هذا الرأي لا يعوِّلُ عليه ؛ لمخالفته صريح النص في آية المائدة التي أباحت طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم بغض النظر عما تعتقد الكتابية من إشراك .
أما نكاح الكتابيات في حال الحرب فقد ذكر عن ابن عباس أنه حرام ؛ لوجوب قتالهم جميعا لا التحبب إليهم بنكاح نسائهم .
وفي هذا يقول سبحانه : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) .
وذهب الإمام مالك إلى كراهة نكاح الحربيات ، وهو ما نرجحه{[301]} .
ورب سائل يسأل عن السبب في إباحة نكاح المسلم للكتابية ، وتحريم ذلك على الكتابي فإنه ممنوع من نكاح المرأة المسلمة .
ولا نريد أن نخوض طويلا في تعليل هذا الحكم ، ولكننا نكتفي بالقول : إن الإنسان المسلم يؤمن بنبوة المرسلين جميعا ، ويؤمن كذلك بصدق الكتب السماوية بغير استثناء ، فهو بذلك يؤمن بنبوة كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام ، ويؤمن بما أنزل إليهما من كتاب . ومثل هذا الإيمان لهو جزء من عقيدة الإنسان المسلم فهو بذلك مكلف تكليفا دينيا أن يحوط زوجته الكتابية –يهودية كانت أو نصرانية- بالرعاية والعطف والتقدير وأن لا يحيف عليها باعتداء أو إهانة . وأي اعتداء على الزوجة الكتابية في دينها أو إهانة لها في مشاعرها الدينية فهو محرم تحريما ؛ لما في ذلك من نيل من قدسية الكتاب الذي تعتقده هي ويؤمن به زوجها المسلم ، ومن نيل كذلك من قدسية نبيّها الكريم الذي تنظر إليه هي بإجلال ، ويؤمن بصدق نبوته زوجها المسلم ، فلا خشية مع هذه الحال على الزوجة الكتابية إذا كانت في كنف الزوج المسلم وفي رعايته .
والأمر يختلف تمام الاختلاف لو تزوج الكتابي- يهوديا أو نصرانيا- المرأة المسلمة فهو أصلا لا يؤمن بدين الإسلام وهو ينكر نبوة محمد ( ص ) ، ويكذب كتاب الله القرآن . فمن كان هذا شأنه فأنّى له أن يكنّ من الاحترام أو التقدير للمرأة المسلمة لو كانت زوجة له . وإن لمن المعلوم أن الإنسان المسلم- والمرأة خاصة- شديد الاستمساك بعقيدته ، وهو ذو شعور ديني مرهف فكيف إذا ما تسلط عليه أحد لا يستبقي في نفسه ذرة من إيمان بدينه وعقيدته ( الإسلام ) ؟ وكيف تكون حال المرأة المسلمة وهي في رعاية زوج كتابي يسخر من الإسلام ونبيه وكتابه ؟ ! لا نحسب في هذه الحال إلا أن يذيقها مهانة السخرية والاستهزاء بدينها ونبيها وكتابها لتظل في كنفه جريحة الشعر والقلب بدوام اعتدائه على أروع وأغلى ما تملك وهو دينها وعقيدتها . وفي ذلك يقول سبحانه : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) أي الاستيلاء والظهور والهيمنة .
من أجل ذلك أبيح للمسلم نكاح الكتابية ومُنع الكتابيُّ من نكاح المسلمة .
قوله : ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) الأمة الجارية المملوكة . وهي إن كانت مؤمنة فإنها في ميزان الله خير من المشركة ذات الوسامة والحسب . ولا ينبغي للمؤمن الحريص أن يغفل حين الزواج عن الفتيات المؤمنات ذوات الخلق والعقيدة والتقوى لينصرف بهواه إلى زهرة الحياة الدنيا وزينتها فيختار من النساء ذوات الأحساب أو المال أو الجمال وهن فاسقات أو كوافر . وفي الحديث عن النبي ( ص ) : " لا تنكحوا النساء لحسنهن ، فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن ، فعسى أموالهن أن تطغيهن ، وانكحوهن على الدين ؛ فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل " وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) أنه قال أيضا : " تُنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك " .
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم ، فأتى النبي ( ص ) فأخبره ، فقال : " ما هي يا عبد الله " قال : تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين ، فقال رسول الله ( ص ) : " هذه مؤمنة " فقال ابن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين ؛ لنكاحة أمة ، وكانوا يرون نكاح المشركات رغبة في أحسابهن . وقيل في نزولها غير ذلك وكله يشهد على أن المرأة المؤمنة خير من المشركة بغض النظر عن فوارق في الحسب والجمال وغير ذلك مما يعجب كثيرا من الناس{[302]} .
وقوله : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ) أي لا تزوجوا الرجال المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا ، فإن آمنوا رفع عنه الحظر وأبيح لهم الزواج منهن .
وفي الآية بيان واضح حاسم ليس في مداهنة أو مواربة على أن الإيمان أفضل ، وأن ما عداه من اعتبارات مفضول . فالمؤمن وإن كان عبدا حبشيا كأن رأسه زبيبة لهو خير وأفضل من المشرك ذي الحسب أو المال أو المنزلة الرفيعة في الدنيا . وهو خير وأفضل كذلك من الفاسق ذي الوسامة الذي يبهو جماله كثيرا من النساء .
وينبغي للفتاة المؤمنة ألا تأخذها في الرجل ظاهرة الجمال أو الحسب لتغفل بعد ذلك عن أهم وأخطر ما فيه من جوانب ، وذلكم هو جانب العقيدة وما ينبثق عنها من جمال الخلق والطبع والتصور .
وفي الآية كذلك ما يدل على أنه لا بد للنكاح من وليّ . فيتضح ذلك من قوله : ( ولا تنكحوا ) وهو فعل مصدره الإنكاح ، والمخاطبون هنا الأولياء . وفي هذا يقول النبي ( ص ) : " لا نكاح إلا بولي " .
وفي بطلان النكاح بغير وليّ يقول النبي ( ص ) : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل- ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها ، فإن تشجاروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له "
وليس للمرأة بعد ذلك أن تزوج نفسها أو تزوجها امرأة غيرها . وفي هذا يقول النبي ( ص ) : " لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانيةَ هي التي تزوج نفسها " وتفصيل هذه المسألة في موضعه من كتب الفقه .
قوله : ( أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ) اسم الإشارة ( أولئك ) يراد به المشركون جميعا رجالا ونساء فهم في مخالطتهم ومناكحتهم ودوام العيش معهم وتمام الركون إليهم ، كل ذي يغري بالتشبث بالشهوات وزينة الحياة الدنيا ومتاعها ، فضلا عن احتمال الإفساد للنسل . وفي هذا كله ما يسوق إلى الخسران وعذاب النار ، لكن الله جلت قدرته بتشريعه الحكيم وترسيخ لأهمية المناكحات بين المسلمين والمسلمات دون غيرهم ما يقود إلى سلامة العاقبة ودخول الجنة . إن هذه الآيات تنطوي على الخير للناس . وهي آيات واضحات بينات تحمل للإنسانية أكمل وتشريع وخير سبيل فيه النجاة من ضلال الدنيا وشرورها . وما على الناس بعد ذلك إلا أن يعكفوا على دراسة الآيات الحافلة الشاملة البينة ، وينهلوا من معينها الزاخر بكل أسباب الفوز والسلامة والنجاة ( ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) .