{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } لما ذكر سبحانه أولاً أحوال السعداء عقبه بذكر مبدئهم ومآل أمرهم في ضمن ما يعمهم وغيرهم وفي ذلك إعظام للمنة عليهم وحث على الاتصاف بالصفات الحميدة وتحمل مؤن التكليفات الشديدة أو لما ذكر إرث الفردوس عقبه بذكر البعث لتوقفه عليه أو لما حث على عبادته سبحانه وامتثال أمره عقبه بما يدل على ألوهيته لتوقف العبادة على ذلك ولعل الأول أولى في وجه مناسبة الآية لما قبلها ، ويجوز أن يكون مجموع الأمور المذكورة ، واللام واقعة في جواب القسم والواو للاستئناف .
/ وقال ابن عطية : هي عاطفة جملة كلام على جملة وإن تباينتا في المعاني وفيه نظر ، والمراد بالإنسان الجنس ، والسلالة من سللت الشيء من الشيء إذا استخرجته منه فهي ما سل من الشيء واستخرج منه فإن فعالة اسم لما يحصل من الفعل فتارة تكون مقصودة منه كالخلاصة وأخرى غير مقصودة منه كالقلامة والكناسة والسلالة من قبيل الأول فإنها مقصودة بالسل .
وذكر الزمخشري أن هذا البناء يدل على القلة ، ومن الأولى ابتدائية متعلقة بالخلق ، ومن الثانية يحتمل أن تكون كذلك إلا أنها متعلقة بسلالة على أنها بمعنى مسلولة أو متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة ، ويحتمل أن تكون على هذا تبعيضية وأن تكون بيانية ، وجوز أن يكون { مِن طِينٍ } بدلاً أو عطف بيان بإعادة الجار ، وخلق جنس الإنسان مما ذكر باعتبار خلق أول الأفراد وأصل النوع وهو آدم عليه السلام منه فيكون الكل مخلوقاً من ذلك خلقاً إجمالياً في ضمن خلقه كما مر تحقيقه ، وقيل : خلق الجنس من ذلك باعتبار أنه مبدأ بعيد لأفراد الجنس فإنهم من النطف الحاصلة من الغذاء الذي هو سلالة الطين وصفوته ، وفيه وصف الجنس بوصف أكثر أفراده لأن خلق آدم عليه السلام لم يكن كذلك أو يقال ترك بيان حاله عليه السلام لأنه معلوم ، واقتصر على بيان حال أولاده وجاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس ، وقيل المراد بالطين آدم عليه السلام على أنه من مجاز الكون ، والمراد بالسلالة النطفة وبالإنسان الجنس ووصفه بما ذكر باعتبار أكثر أفراده أو يقال كما قيل آنفاً ، ولا يخفى خفاء قرينة المجاز وعدم تبادر النطفة من السلالة ، وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام وروى ذلك عن جماعة وما ذهبنا إليه أولاً أولى .
ومن باب الإشارة : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] قيل المخلوق من ذلك هو الهيكل المحسوس وأما الروح فهي مخلوقة من نور إلهي يعز على العقول إدراك حقيقته .
قوله تعالى :{ ولقد خلقنا الإنسان } يعني : ولد آدم ، والإنسان اسم الجنس ، يقع على الواحد والجمع { من سلالة } روي عن ابن عباس أنه قال : السلالة صفوة الماء . وقال مجاهد : من بني آدم . وقال عكرمة : هو يسيل من الظهر ، والعرب تسمي النطفة سلالة ، والولد سليلاً وسلالة ، لأنهما مسلولان منه . قوله : { من طين } يعني : طين آدم . والسلالة تولدت من طين خلق آدم منه . قال الكلبي : من نطفة سلت من طين ، والطين آدم عليه السلام ، وقيل المراد من الإنسان هو آدم . وقوله : من سلالة أي : سل من كل تربة .
قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 12 ) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ( 13 ) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ( 14 ) ثم إنكم بعد ذلك لميتون ( 15 ) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ( 16 ) } السلالة ، من السل ، بالفتح ، وهو الأخذ والاستخراج ، والسليل ، الولد ، والأنثى سليلة{[3158]} .
والمراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام ، فقد استلّ من طين لازب وهو الصلصال من الحمأ المسنون وذلك مخلوق من التراب . وفي هذا أخرج الإمام أحمد عن أبي موسى عن النبي ( ص ) قال : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ؛ جاء فيهم الأحمر والأبيض والأسود بين ذلك ، والخبيث والطيب وبين ذلك " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.