فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ} (12)

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ { 12 ) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ { 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ { 14 ) } .

{ خلقنا } أبدعنا وصورنا وأوجدناه بعد أن كان معدوما .

{ الإنسان } أول الأناسي ، والذي منه تناسل الجنس البشري ؛ آدم عليه السلام .

{ سلالة } ما يستل ويستخرج ويستخلص .

كما ذكر المولى الحكيم بحسن الجزاء ، ومصير السعداء ، الذين يخلدون في دار النعيم ، بينت هذه الآيات بدء خلق الإنسان ، وعظيم فضل المولى عليه في كل طور وآن ؛ فكأن اللام موطئة للقسم ، وقد للتحقيق ، أي تحققوا واستيقنوا أنا أبدعنا وأنشأنا آدم ، وصورناه على غير مثال سبق ، وأوجدناه بعد أن كان معدوما ، وأردنا أن يكون في مادته مستخلصا من طين الأرض وترابها ، وتنبث الروح في جوانب مادته بإشراقها وأسرارها ؛ ثم جعلنا توال ذريته وتكاثرهم من ماء ضعيف هين ، يمنيه الرجل ، فيقر الله تعالى منه ما يشاء في رحم الأم داخل ظلمات ثلاث ، وقد شئنا أن نحكم خلقة الرحم فجعلناه مكينا لا ينفصل حين يثقل حمله ، ولا يلقي ما فيه إلا بأمرنا ، وبهذا امتن الله تعالى على البشر : { ألم نخلقهم من ماء مهين . فجعلناه في قرار مكين . إلى قدر معلوم . فقدرنا فنعم القادرون ){[2296]} ، وتنفذ مشيئتنا ولطفنا إلى ما بداخل هذه الظلمات الثلاث فنخلق من النطفة بعد حين قطعة من الدم منعقدة غير يابسة ، أو كالدودة المسودة إلى حمرة ، تعلق بجدار الرحم فتمتص منه ما نريد أن يتغذى به هذا الكائن الضعيف وينمو ؛ ثم نخلق من العلقة قطعة لحم صغيرة ، ثم ينقضي وقت على هذين الطورين العلقة والمضغة فنخلق من المضغة عظاما ؛ وبعدها نكسو هذه العظام لحما ، وبعد حين نركبه في أحسن تقويم ، ونصورهم فنحسن صورته ، فما أعظم قوة واقتدار البارئ المصور الذي أتقن كل شيء صنعا


[2296]:سورة المرسلات. الآيات: من 20 إلى 23.