روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النبأ

وتسمى سورة عم وعم يتساءلون ، والتساؤل ، والمعصرات ، وهي مكية بالاتفاق وآيها إحدى وأربعون في المكي والبصري وأربعون في غيرها ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على إثبات القدرة على البعث الذي دل ما قبل على تكذيب الكفرة به وفي تناسق الدرر اتصالها بما قبل تناسبها معها في الجمل فإن في تلك ألم نهلك الأولين ألم نخلقكم من ماء مهين ألم نجعل الأرض كفاتا الخ وفي هذه ألم نجعل الأرض مهادا الخ مع اشتراكها والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار وما وعد المدثر وأيضا في سورة المرسلات لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل وفي هذه أن يوم الفصل كان ميقاتا الخ ففيها شرح يوم الفصل المجمل ذكره فيا قبلها أه وقيل أنه تعالى لما ختم تلك بقوله سبحانه حديث بعده يؤمنون وكاد المراد بالحديث فيه القرآن افتتح هذه بتهويل التساؤل عنه والاستهزاء به وهو مبني على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن ألمراد بالنبأ العظيم القرآن والجمهور على أنه البعث وهو الأنسب بالآيات بعد كما ستعرفه إن شاء الله تعالى

{ عَمَّ } أصله عما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية فحذفت الألف وعلل بالتفرقة بينها وبين الخبرية والإيذان بشدة الاتصال وكثرة الدوران وحال العلل النحوية معلوم وقد قرأ عبد الله وأبي عكرمة وعيسى بالألف على الأصل وهو قليل الاستعمال وقال ابن جني إثبات الألف أضعف اللغتين وعليه قوله

: على ما قام يشتمني لئيم *** كخنزير تمرغ في رماد

والاستفهام للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة أي عن أي شيء عظيم الشأن { يَتَسَاءلُونَ } الضمير لأهل مكة وأن لم يسبق ذكرهم للاستغناء عنه بحضورهم حساً مع ما في الترك على ما قيل من التحقير والإهانة لإشعاره بأن ذكرهم مما يصان عنه ساحة الذكر الحكيم ولا يتوهم العكس لمنع المقام عنه وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ويخوضون فيه إنكاراً واستهزاء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن وقوعه الذي هو حال من أحواله ووصف من أوصافه وما كما مر غير مرة وإن اشتهرت في طلب حقائق الأشياء ومسميات أسمائها لكنها قد يطلب بها الصفة والحال فيقال ما زيد ويجاب بعالم أو طبيب وقيل كانوا يتساءلون الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استهزاء فالتساؤل متعد ومفعوله مقدر هنا وحذف لظهوره أو لأن المستعظم السؤال بقطع النظر عمن سأل أو لصون المسؤل عن ذكره مع هذا السائل وتحقيق ذلك على ما في الإرشاد أن صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلاً ومفعولاً معاً لكنه يرفع المتعدد على الفاعلية ترجيحاً لجانب فاعليته وتحال مفعوليته على دلالة الفعل كما في قولك تراءى القوم أي رأي كل واحد منهم الآخر وقد تجرد عن المعنى الثاني فيراد بها مجرد صدور الفعل عن المتعدد عارياً عن اعتبار وقوعه عليه فيذكر للفعل حينئذ مفعول كما في قولك تراأوا الهلال وقد يحذف كما فيما نحن فيه فالمعنى عن أي شيء يسأل هؤلاء القوم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وربما تجرد عن صدور الفعل عن المتعدد أيضاً فيراد بها تعدده باعتبار تعدد متعلقه مع وحدة الفاعل كما في قوله تعالى : { فَبِأَىّ الاء رَبّكَ تتمارى } [ النجم : 55 ] وذكر بعض المحققين أنه قد يكون لصيغة التفاعل على الوجه الأول مفعول أيضاً لكنه غير الذي فعل به مثل فعله كما في تعاطيا الكاس وتفاوضا الحديث وعليه قول امرئ القيس

: فلما تنازعنا الحديث واسمحت *** حصرت بغصن ذي شماريخ ميال

فمن قال أن تفاعل لا يكون الأمن اثنين ولا يكون إلا لازماً فقد غلط كما قال الطبليوسي في «شرح أدب الكاتب » إن أراد ذلك على الإطلاق وليت شعري كيف يصح ذلك مع أن مجيء تفاعل بمعنى فعل غير متعدد الفاعل كتواني زيد وتداني الأمر وتعالى الله عما يشركون كثير جداً وكدا مجيئه متعدياً إلى غير الذي فعل به مثل فعله كما سمعت وجوز أن يكون ضمير يتساءلون للناس عموماً سواء كانوا كفار مكة وغيرهم من المسلمين وسؤال المسلمين ليزدادوا خشية وإيماناً وسؤال غيرهم استهزاء ليزدادوا كفراً وطغياناً وهو خلال ما يقتضيه ظاهر الآيات بعد وقيل كان التساؤل عن القرآن وتعقب بأن قوله تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض } [ النبأ : 6 ] ظاهر في أنه كان عن البعث وهو مروي عن قتادة أيضاً لأنه من أدلته وأجيب بأن تساؤلهم عنه واستهزاؤهم به واختلافهم فيه بأنه سحر أو شعر كان لاشتماله على الأخبار بالبعث فبعد أن ذلك ما يفيد استعظام التساؤل عنه تعرض لدليل ما هو منشأ لذلك التساؤل وفيه بعد .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النبأ

مكية وآياتها أربعون

{ عم } أصله : عن ما فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما كقوله : فيم ، و بم ؟ { يتساءلون{ ، أي : عن أي شيء يتساءلون ، هؤلاء المشركون ؟ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت ، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون : ماذا جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال الزجاج : اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم ، كما تقول : أي شيء زيد ؟ إذا عظمت أمره وشأنه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة النبأ

مقدمة وتمهيد

1- سورة " النبأ " هي أول سورة في الجزء الأخير من القرآن الكريم ، وتسمى –أيضا- بسورة " عم يتساءلون " وبسورة " عم " ، وبسورة " المعصرات " ، وبسورة " التساؤل " ، فهذه خمسة أسماء لهذه السورة ، سميت بها لورود هذه الألفاظ فيها .

2- وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها أربعون آية في المصحف الكوفي والمكي ، وإحدى وأربعون في غيرهما . وكان نزولها بعد سورة " المعارج " ، وقبل سورة " النازعات " .

3- وهذه السورة من أهم مقاصدها : توبيخ المشركين على خوضهم في القرآن الكريم بدون علم ، وتهديدهم بسوء المصير إذا ما استمروا في طغيانهم ، وإقامة الأدلة المتنوعة على وحدانية الله –تعالى- وعلى مظاهر قدرته ، وبيان ما أعده –سبحانه- للكافرين من عذاب ، وما أعده للمتقين من ثواب ، وإنذار للناس بوجوب تقديم العمل الصالح من قبل أن يأتي يوم القيامة ، الذي لا ينفع فيه الندم على ما فات .

4- ويبلغ عدد سور هذا الجزء الأخير من القرآن الكريم سبعا وثلاثين سورة ، كلها مكية ، سوى سورتي " البينة والنصر " وكلها تمتاز بقصرها ، على تفاوت في هذا القصر ، ومعظمها مشتمل على إقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله . وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى المقارنة بين حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار ، وعلى التذكير المتكرر بأهوال يوم القيامة ، وبأنه آت لا ريب فيه ، وعلى التحذير من الغفلة عن الاستعداد له ، وعلى الإفاضة في بيان نعم الله –تعالى- على الناس ، وعلى بيان ما حل بالمكذبين السابقين من دمار . .

كل ذلك بأسلوب بديع معجز ، تخشع له القلوب ، وتتأثر به النفوس ، وتقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم . .

لفظ " عم " مركب من كلمتين ، هما حرف الجر " عن " و " ما " التى هى اسم استفهام ، فأصل هذا اللفظ : " عن ما " فأدغمت النون فى الميم لأن الميم تشاركها فى الغنة وحذف الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام . والجار والمجرور متعلق بفعل " يتساءلون " .

والتساؤل : تفاعل من السؤال ، بمعنى أن يسأل بعض الناس بعضا عن أمر معين ، على سبيل معرفة وجه الحق فيه ، أو على سبيل التهكم .

والنبأ : الخبر مطلقا ، ويرى بعضهم أنه الخبر ذو الفائدة العظيمة .

والمعنى : عن أى شئ يتساءل هؤلاء المشركون ؟ وعن أى أمر يسأل بعضهم بعضا ؟ إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم ، والخبر الهام الذى جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والذى نطق به القرآن الكريم ، من أن البعث حق ، ومن أن هذا القرآن الكريم من عند الله - تعالى - ومن أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه .

وافتتح - سبحانه - الكلام بأسلوب الاستفهام ، لتشويق السامع إلى المستفهم عنه ، ولتهويل أمره ، وتعظيم شأنه .

والضمير فى قوله { يتساءلون } يعود إلى المشركون ، الذين كانوا يكثرون من التساؤل فيما بينهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، عما جاء به من عند ربه ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن قال : لما بعث النبى صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون فيما بينهم - عن أمره وعما جاءهم به - فنزل قوله - تعالى - : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ . عَنِ النبإ العظيم . . } .

وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر ، لأنهم معرفون من السياق ، إذ هم - دون غيرهم - الذين كانوا يتساءلون فيما بينهم - على سبيل التهكم - عما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم .

وقوله - تعالى - : { عَنِ النبإ العظيم } تهويل لشأن هذا الأمر الذى يتساءلون فيما بينهم عنه ، ووصف - سبحانه - النبأ بالعظم ، زيادة فى هذا التهويل والتفخيم من شأنه ، لكى تتوجه إليه أذهانهم ، وتلتفت إليهم أفهامهم .

فكأنه - سبحانه - يقول : عن أى شئ يسأل هؤلاء الجاحدون بعضهم بعضا ؟ أتريدون أن تعرفوا ذلك على سبيل الحقيقة ؟ ما بين منكر له إنكارا تاما ، كما حكى - سبحانه - عنهم فى قوله : { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } وما بين مترد فى شأنه ، كما حكى - سبحانه - عن بعضهم فى قوله : { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعة إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } قال صاحب الكشاف قوله : { عم } أصله عما ، على أنه حرف جر ، دخل على ما الاستفهامية .

ومعنى هذا الاستفهام : تفخيم الشأن ، كأنه قال : عن أى شئ يتساءلون . ونحوه ما فى قولك : زيد ما زيد ؟ جعلته لانقطاع قرينه ، وعدم نظيره ، كأنه شئ خفى عليك جنسه . فأنت تسأل عن جنسه ، وتفحص عن جوهره ، كما تقول : ما الغول وما العنقاء . . ؟

و { يَتَسَآءَلُونَ } يسأل بعضهم بعضا . . والضمير لأهل مكة ، فقد كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث .

وقوله : { عَنِ النبإ العظيم } بيان للشأن المفخم .

فإن قلت : قد زعمت أن الضمير فى { يَتَسَآءَلُونَ } للكفار ، فما تصنع بقوله : { الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } ؟ قلت : كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث ، ومنهم من يشك .

وقيل : الضمير للمسلمين والكافرين جميعا ، وكانوا جميعا يسألون عنه ، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا ، وأما الكافر فليزداد استهزاء . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية وآياتها أربعون ، وهي مبدوءة بالإنكار من الله على المشركين تكذيبهم بيوم القيامة . فضلا عن الوعيد الشديد من الله لهؤلاء المكذبين المعاندين وهو قوله : { كلا سيعلمون 4 ثم كلا سيعلمون } .

ويبين الله في السورة جملة من الحجج والبراهين المنتزعة من الطبيعة المشهودة ليدل بذلك على قدرته المطلقة على بعث الناس ليوم الحساب وفي السورة حديث مثير عن الساعة وما يكتنف هذه الحقيقة الكبرى من أحداث كونية مريعة مزلزلة كالنفخ في الصور وانفتاح السماء وتسيير الجبال لتكون سرابا ، وما يعقب ذلك من ألوان التنكيل الذي يصلاه المكذبون الخاسرون .

وفي يوم القيامة تشتد الأهوال وترتاع القلوب وتشخص الأبصار شخوصا . وحينئذ ينقلب الظالمون المكذبون إلى أنفسهم نادمين آيسين وقد غشيتهم الحسرة ودهمهم الذل والخزي والالتياع المطبق فيتمنون أن لو كانوا في عداد البهائم ، ليكونوا ترابا .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ عم يتساءلون 1 عن النبإ العظيم 2 الذي هم فيه مختلفون 3 كلا سيعلمون 4 ثم كلا سيعلمون 5 ألم نجعل الأرض مهادا 6 والجبال أوتادا 7 وخلقناكم أزواجا 8 وجعلنا نومكم سباتا 9 وجعلنا الليل لباسا 10 وجعلنا النهار معاشا 11 وبنينا فوقكم سبعا شدادا 12 وجعلنا سراجا وهّاجا 13 وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا 14 لنخرج به حبا ونباتا 15 وجنات ألفافا } .

يخبر الله عن المشركين المكذبين بالنبأ العظيم وهو يوم القيامة الذي لا ريب فيه .

فهم مختلفون فيما بينهم وقد تولوا في لجاجة وخصام ، يسأل بعضهم بعضا عن هذا النبأ فيصدق واحد ويكذّب آخر . وهو قوله : { عم يتساءلون } وعم ، لفظ استفهام ، أصله ( عن ما ) وقد سقط ألف ما ليتميز الخبر عن الإستفهام {[4728]}و المعنى : عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون المكذبون ، أو فيم يختصمون فيسأل بعضهم بعضا . وقيل : لما نزل القرآن كانت قريش تجلس فتتحدث فيما بينها ، فمنهم المصدق ومنهم المكذب . وهو قول ابن عباس .


[4728]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 489.