اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية ، ومائة وثلاثة وسبعون كلمة ، وسبعمائة وسبعون حرفا .

قوله تعالى : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } قد تقدم أن البزي يدخل هاء{[59096]} السكت عوضاً من ألف «ما » الاستفهامية في الوقف .

ونقل عن ابن كثير{[59097]} أنه يقرأ «عمه » - بالهاء - وصلاً ، أجرى الوصل مجرى الوقف .

وقرأ عبد الله ، وأبي ، وعكرمة وعيسى{[59098]} : «عمّا » بإثبات الألف ، وقد تقدم أنه يجوز ضرورة وفي قليل من الكلام ؛ ومنه قوله : [ الوافر ]

5067- عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمنِي لَئيمٌ *** كَخِنْزيرٍ تَمرَّغَ في رَمَادِ{[59099]}

وتقدم أن الزمخشري جعل منه { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } [ يس : 27 ] في «يس » ، و «عم » فيه قولان :

أظهرهما{[59100]} : أنه متعلق ب «يَتَساءَلون » .

قال أبو إسحاق : الكلام تام في قوله : { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب ، فيقول : يتساءلون عن النبأ العظيم فاقتضى إيجاز القرآن ، وبلاغته أن يبادر المحتجّ بالجواب الذي يقتضيه الحال والمجاورة اقتضاءً بالحجة ، وإسراعاً إلى موضع قطعهم .

والثاني : أنه متعلق بفعل مقدر ، ويتعلق «عن النبأ العظيم » بهذا الفعل الظاهر .

قال الزمخشري : «وعن ابن كثير : أنه قرأ «عمّه » بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، وإما أن يقف ، ويبتدئ ب «يتساءلون عن النبأ العظيم على أن يضمر «يتساءلون » ؛ لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسر » .

فصل في لفظ عم

قال ابن الخطيب{[59101]} : «عم » أصله : «عن ما » ؛ لأنه حرف جر دخل على «ما » الاستفهامية .

قال حسان بن ثابت : [ الوافر ]

5068- عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ{[59102]}*** . . .

والاستعمال الكثير على الحذف ، وعلى الأصل قليل ، وذكروا في سبب الحذف وجوهاً :

أحدها : قال الزجاج : لأن الميم تشرك النون في الغُنَّة في الأنف فصارا كالحرفين المتماثلين . وثانيها : قال الجرجاني : أنهم إذا وضعوها في استفهام حذفوا ألفها تفرقةً بينها وبين أن يكون اسماً ، كقولهم : فيمَ ولِمَ وبِمَ وحتام .

وثالثها : قالوا : حذفت الألف لاتصال «ما » بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لينبئ عن شدة الاتصال .

ورابعها : حذف للتخفيف في الكلام ، فإنه لفظ كثير التَّرداد على اللسان .

فصل في أن السائل والمجيب هو الله تعالى

قال ابن الخطيب{[59103]} : قوله تعالى { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } سؤال ، وقوله : «عن النبأ العظيم » جواب ، والسائل والمجيب هو الله تعالى ، وذلك يدلّ على علمه بالغيب ، بل بجميع المعلومات ، وفائدة ذكره في معرض السؤال والجواب ؛ لأنه أقرب إلى التفهيم والإيضاح ، ونظيره قوله تعالى : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] .

فصل في لفظ ما

«ما » لفظة وضعتْ لطلب ماهيَّات الأشياء ، وحقائقها ، تقول : ما الملك ؟ وما الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها ، وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولاً ، ثم إنَّ الشيء العظيم الذي يكون لفظه مزيَّة يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول ، فحصل بين الشيء المطلوب ، وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه ، فلذلك سُئل عنه بما استعاره ، وكأنه مجهول ، ومنه { الحاقة مَا الحآقة } [ الحاقة : 1 ، 2 ] { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ } [ المطففين : 8 ] ، و{ مَا العقبة } [ البلد : 12 ] وشبهه .

فصل

قال الفراء : السؤال هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل ، وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن بينهم سؤال ، قال تعالى : { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } [ الصافات : 50 ، 51 ] الآية ، وهذا يدل على التحدث .

فصل في نزول الآية

والضمير في { يَتَسَآءَلُونَ } ل «قريش » .

روى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : كانت قريش تجلس لمَّا نزل القرآن ، فتتحدث فيما بينهم ، فمنهم المصدقُ ، ومنهم المكذبُ به ، فنزلت { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ }{[59104]} .

وقيل : «عم » قسم ، فشدد المشركون أين يختصمون ، بدليل قوله تعالى : { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } [ النبأ : 4 ، 5 ] وهذا تهديد ، والتهديد لا يليق إلا بالكفار .

فإن قيل : فما تصنع بقوله : { الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } مع أنَّ الكفَّار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ فالجواب : لا نسلم اتفاقهم في إنكار الحشر ؛ لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني ، فمنهم من كان شاكَّا فيه لقوله : { وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً } [ فصلت : 50 ] { وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى } [ فصلت : 50 ] .

ومنهم من ينكرهُ ، ويقول : { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } [ الأنعام : 29 ] .

ومنهم من يُقرُّ بهِ لكنه ينكر نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل اختلافهم .

وأيضاً فهبْ أنَّهم كانوا منكرين له ، لكن لعل اختلافهم في كيفية إنكاره ، فمنهم من أنكر ؛ لإنكاره الصانع المختار ، ومنهم من ينكره ؛ لاعتقاده أنَّ إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها ، والقادر المختار إنما يكون قادراً على الممكن في نفسه .

وقيل : الضمير في «يتَساءَلُونَ » هم الكفَّار والمؤمنون كانوا جميعاً يتساءلون عنه ، فأما المسلمُ فيزداد يقيناً وبصيرةً في دينه ، وأمَّا الكافر فاستهزاءً وسخريةً ، وعلى سبيل إيراد الشكوك ، والشُّبهاتِ .

قال ابن الخطيب{[59105]} : ويحتملُ أنهم يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون : ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة ؟


[59096]:ينظر: المحرر الوجيز 5/423، والبحر المحيط 8/402، والدر المصون 6/461.
[59097]:ينظر: السابق، والكشاف 4/684.
[59098]:ينظر: المحرر الوجيز 5/423، والبحر المحيط 8/402، والدر المصون 6/421.
[59099]:تقدم.
[59100]:في أ: أحدهما.
[59101]:ينظر: الفخر الرازي 31/3.
[59102]:تقدم.
[59103]:ينظر الفخر الرازي 31/3.
[59104]:ذكره القرطبي في "تفسيره" (19/111) من طريق أبي صالح عن ابن عباس.
[59105]:الفخر الرازي: 31/4.