روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

{ وَمَا ظلمناهم } قيل : الضمير للقرى مراداً بها أهلها وقد أريد منها أولاً حقيقتها ، ففي الكلام استخدام ، وقيل : الضمير لأهل القرى لأن هناك مضافاً مقدراً أي ذلك من أنباء أهل القرى ؛ والضمائر منها ما يعود إلى المضاف . ومنها ما يعود إلى المضاف إليه ، ومتى وضح الأمر جاز مثل ذلك .

وقيل : القرى على ظاهرها وإسناد الأنباء إليها مجاز ، وضمير { مِنْهَا } لها وضمير { ظلمناهم } للأهل المفهو منها ، وقيل : { القرى } مجاز عن أهلها ، والضميران راجعان إليها بذلك الاعتبار ، أو يقدر المضاف . والضميران له أيضاً ، وعلى هذا خرج ما حكى عن بعضهم من أن معنى { مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } [ هود : 100 ] منها باق نسله . ومنها منقطع نسله ، وأياً ما كان ففي الكلام إيذان بإهلاك الأهل فيكون المعنى هنا وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم .

{ ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث اقترفوا بسوء استعدادهم ما يترتب عليه ذلك بمقتضى الحكمة { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ } أي ما نفعتهم ولا دفعت بأس الله تعالى عنهم { التى يَدْعُونَ مِن } أي يعبدونها { مِن دُونِ الله } أوثر صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو للدلالة على استمرار عبادتهم لها { مِن شَىْء } أي شيئاً من الإغناء أو شيئاً من الأشياء فما نافية لا استفهامية وإن جوّزه السمين وتعلق عن بما عنده لما فيه من معنى الدفع ، و { مِنْ } الأخيرة صلة ومجرورها مفعول مطلق . أو مفعول به للدفع ، وقوله سبحانه : { لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي حين مجيء عذابه منصوب بأغنت وهذا على ما في البحر بناءاً على خلاف مذهب سيبويه لأن مذهبه أن { لَّمّاً } حرف وجوب لوجوب .

وقرىء آلهتهم اللاتي و { يَدَّعُونَ } بالبناء للمفعول وهو وصف للآلهة كالتي في المشهورة ، وفيه مطابقة للموصوف ليست في { التى } لكن قيل كما في «جمع الجوامع » للجلال السيوطي إن التي في جمع غير عالم أكثر من اللاتي ، نعم إن الآلهة قد عوملت في الآية معاملة العقلاء لأن عبدتها نزلوها منزلة العقلاء في اعتقادهم فيها أنها تنفع وتضر ، فقيل : { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } ومن هنا قيل : إن اللاتي في تلك القراءة واقع موقع الآلي أو الذين ، و التتبيب على ما في «البحر » التخسير ، يقال : تب خسر . وتببه خسره .

وذكر الجوهري أن التب الخسران والهلاك . والتتبيب الاهلاك ، وفي القاموس التب . والتبب . والتباب والتتبيب النقص والخسار .

وأخرج ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عمر . ومجاهد تفسير ذلك بالتخسير ، وكذا أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عنهما إلا أنه استشهد عليه بقول بشر بن أبي خازم

: هم جدعوا الأنواف فأذهبوها *** وهم تركوا بني سعد ( تباباً )

وحينئذ فالمعنى فما زادوهم غير تخسير أو خسارة لنفوسهم حيث استحقوا العذاب الأليم على عبادتهم لها نسأل الله تعالى العفو والعافية .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

قوله تعالى : { وما ظلمناهم } ، بالعذاب والهلاك ، { ولكن ظلموا أنفسهم } ، بالكفر والمعصية . { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك } ، عذاب ربك ، { وما زادوهم غير تتبيب } ، أي : غير تخسير ، وقيل : تدمير .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ} (101)

وقوله - سبحانه - { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ . . } بيان لمظاهر عدله فى قضائه وأحكامه .

والضمير المنصوب فى { ظَلَمْنَاهُمْ } يعود إلى أهل هذه القرى ، لأنهم هم المقصودون بالحديث .

أى : وما ظلمنا أهل هذه القرى بإهلاكنا إياهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم ، بسبب إصرارهم على الكفر ، وجحودهم للحق ، واستهزائهم بالرسل الذين جاءوا لهدايتهم . . .

ثم بين - سبحانه - موقف آلهتهم المخزى منهم فقالك { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ . . } .

أى : أن هؤلاء المهلكين عندما نزل بهم العذاب ، لم تنفعهم أصنامهم التى كانوا يعبدونها من دون الله شيئا من النفع . . . بل هى لم تنفع نفسها فقد اندثرت معهم كما اندثروا .

والفاء فى قوله - سبحانه - { فَمَا أَغْنَتْ } للتفريع على ظلمهم لأنفسهم ، لأن اعتمادهم على شفاعة الأصنام ، وعلى دفاعها عنهم . . . من مظاهر جهلهم وغبائهم وظلمهم لأنفسهم .

و { من } فى قوله : { مِن شَيْءٍ } لتأكيد انتفاء النفع والإِغناء : أى : لم تغن عنهم شيئا ولو قليلا من الإِغناء ؛ ولم تنفعهم لا فى قليل ولا كثير . . .

وجملة { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } تأكيد لنفى النفع ، وإثبات للضر والخسران .

والتتبيب : مصدر تب بمعنى خسر ، فلان فلانا إذا وقعه فى الخسران .

ومنه قوله - تعالى - { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } أى : هلكتا وخسرتا كما قد هلك وخسر هو .

أى : وما زادتهم أصنامهم التى كانوا يعتمدون عليها فى دفع الضر سوى الخسران والهلاك .

قال الإِمام الرازى : والمعنى : " أن الكفار كانوا يعتقدون فى الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ، ثم إنه - تعالى - أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ، ما وجدوا منها شيئا لا جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك الاعتقاد زالت عنهم به منافع الدنيا والآخرة ، وجلب لهم مضارهما ، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران " .