{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } استئناف وقع كالبيان والتقرير لما قبله ، والمراد بالموصول إما الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وإما ما يعمهم وغيرهم ممن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام ، ويدخل أولئك دخولاً أولياً ، وعلى الأول : فالمراد بالآيات إما القرآن أو ما يعم كله وبعضه ، أو ما يعم سائر معجزاته عليه الصلاة والسلام ، وعلى الثاني : فالمراد بها ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على مدعاهم ، و { سَوْفَ } كما قال سيبويه : كلمة تذكر للتهديد والوعيد ، وتنوب عنها السين كما في قوله تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : 26 ] وقد تذكر للوعد كما في قوله سبحانه : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } [ الضحى : 5 ] و { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى } [ يوسف : 98 ] ؛ وكثيراً ما تفيد هي والسين توكيد الوعيد ، وتنكير { نَارًا } للتفخيم أي : يدخلون ولا بد ناراً هائلة
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } أي احترقت وتهرت وتلاشت ، من نضج الثمر واللحم نضجاً ونضجاً إذا أدرك ، و { كُلَّمَا } ظرف زمان والعامل فيه { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلداً جديداً مغايراً للمحترق صورة وإن كانت مادته الأصلية موجودة بأن يزال عنه الإحراق فلا يرد أن الجلد الثاني لم يعص فكيف يعذب ؟ وذلك لأنه هو العاصي باعتبار أصله فإنه لم يبدل إلا صفته ، وعندي أن هذا السؤال مما لا يكاد يسأله عاقل فضلاً عن فاضل ، وذلك لأن عصيان الجلد وطاعته وتألمه وتلذذه غير معقول لأنه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور وهو أشبه الأشياء بالآلة فَيَدُ قاتل النفس ظلماً مثلاً آلة له كالسيف الذي قتل به ولا فرق بينهما إلا بأن اليد حاملة للروح ، والسيف ليس كذلك ، وهذا لا يصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقه لأن ذلك الحمل غير اختياري ، فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم ، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد ، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع ، ولا شك أن الفريقين لم يباشروا الشر والخير بتلك الأجسام بل من أنصف رأى أن أجزاء الأبدان في الدنيا لا تبقى على كميتها كهولة وشيوخة وكون الماهية واحدة لا يفيد لأنا لم ندع فيما نحن فيه أن الجلد الثاني يغاير الأول كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلاً على أنه لو قيل : إن الكافر يعذب أولاً : ببدن من حديد تحله الروح ، وثانياً : ببدن من غيره كذلك لم يسغ لأحد أن يقول : إن الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنار ولولا ما علم من الدين بالضرورة من المعاد الجسماني بحيث صار إنكاره كفراً لم يبعد عقلاً القول بالنعيم والعذاب الروحانيين فقط .
ولما توقف الأمر عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً ، ولا يتوهم من هذا أني أقول باستحالة إعادة المعدوم معاذ الله تعالى ، ولكني أقول بعدم الحاجة إلى إعادته وإن أمكنت ، والنصوص في هذا الباب متعارضة ، فمنها ما يدل على إعادة الأجسام بعينها بعد إعدامها ، ومنها ما يدل على خلق مثلها وفناء الأولى ، ولا أرى بأساً بعد القول بالمعاد الجسماني في اعتقاد أي الأمرين كان ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في الآيات التي يدل ظاهرها على إعادة العين مثل قوله سبحانه : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النور : 24 ] وما في «شرح البخاري » للسفيري من أنه لا تزال الخصومة بين الناس حتى تختصم الروح والجسد يوم القيامة ، فتقول الروح للجسد : أنت فعلت وأني كنت ريحاً ولولاك لم أستطع أن أعمل شيئاً ، ويقول الجسد للروح : أنت أمرت وأنت سولت ولولاك لكنت بمنزلة الجذع الملقى لا أحرك يداً ولا رجلاً ، فيبعث الله تعالى ملكاً يقضي بينهما فيقول لهما : إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير وآخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير : إني أرى ههنا ثماراً لكن لا أصل إليها فقال له الضرير : اركبني فتناولها فأيهما المتعدي ؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك : فإنكما قد حكمتما على أنفسكما لا أراه صحيحاً لظهور الفرق بين المثال والممثل له فإن الحامل فيما نحن فيه لا اختيار له ولا شعور بوجه من الوجوه اللهم إلا أن يكون هناك شعور لكن لا شعور لنا به » ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لتحقيق هذا المقام ، ثم إن هذا التبديل كيفما كان يكون في الساعة الواحدة مرات كثيرة . فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية » عن ابن عمر قال : «قرىء عند عمر هذه الآية فقال كعب : عندي تفسيرها قرأتها قبل الإسلام فقال هاتها يا كعب فإن جئت بها سمعت كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك قال : إني قرأتها قبل ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة ) فقال عمر : هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن قال : «بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة كلما نضجتهم النار وأكلت لحومهم قيل لهم : عودوا فعادوا » .
{ لِيَذُوقُواْ العذاب } أي ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز : أعزك الله والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق من حيث إنه لا يدخله نقصان بدوام الملابسة ، أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيراً أو على سرايته للباطن ، ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقه بحال مع الاحتراق أو مع بقاء أبدانهم على حالها مصونة عنه أن النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون مصونة عن التألم والعذاب صيانة بدنها عن الاحتراق قاله مولانا شيخ الإسلام ، وقيل : السر في ذلك أن في النضج والتبديل نوع إياس لهم وتجديد حزن على حزن ، وأنكر بعضهم نضج الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلها زاعماً أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله :
{ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } [ إبراهيم : 50 ] وسميت السرابيل جلوداً للمجاورة ، وفيه أنه ترك للظاهر ، ويوشك أن يكون خلاف المعلوم ضرورة ، وأن السرابيل لا توصف بالنضج وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعاد القول بالظاهر ، وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى { إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً } أي لم يزل منيعاً لا يدافع ولا يمانع ، وقيل : إنه قادر لا يمتنع عليه ما يريده مما تواعد أو وعد به { حَكِيماً } في تدبيره وتقديره وتعذيب من يعذبه ؛ والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل لتعليل الحكم مع ما مر مراراً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا } أي حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا أو أنكروا على أوليائنا الذين هم مظاهر الآيات { سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } عظيمة وهي نار القهر والحجاب ، أو نار الحسد { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } وتقطعت أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } بتجدد نوع آخر من أنواع تجليات القهر أو بتجدد نعم أخرى تظهر على أوليائنا الذين حسدوهم وأنكروا عليهم { لِيَذُوقُواْ العذاب } [ النساء : 56 ] ما داموا منغمسين في أوحال الرذائل
قوله تعالى : { إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا } ، ندخلهم ناراً .
قوله تعالى : { كلما نضجت } ، أحرقت .
قوله تعالى : { جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها } ، غير الجلود المحترقة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يبدلون جلوداً بيضاء كأمثال القراطيس . وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه للقارئ : أعدها ، فأعادها . وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ : عندي تفسيرها ، تبدل في كل ساعة مائة مرة ، فقال عمر رضي الله عنه : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الحسن : تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة ، كلما أكلتهم ، قيل لهم عودوا ، فيعودون كما كانوا .
أخبرنا عبد الواحد أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا معاذ بن أسيد ، أنا الفضل بن موسى ، أنا الفضيل ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا شريح بن يونس ، أنا حميد بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن صالح ، عن هارون بن سعد ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضرس الكافر ، أو ناب الكافر ، مثل أحد ، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ) .
فإن قيل : كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه ؟ قيل : يعاد الجلد الأول في كل مرة ، وإنما قال : جلوداً غيرها لتبديل صفتها ، كما تقول : صنعت من خاتمي خاتماً غيره ، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن الصناعة والصفة تبدلت ، وكمن يترك أخاه صحيحاً ، ثم بعد مرة يراه مريضاً دنفاً فيقول : أنا غير الذي عهدت ، وهو عين الأول ، إلا أن صفته تغيرت ، وقال السدي : يبدل الجلد جلداً غيره من لحم الكافر ، ثم يعاد الجلد لحماً ، ثم يخرج من اللحم جلداً آخر ، وقيل : يعذب الشخص في الجلد لا الجلد ، بدليل أنه قال : { ليذوقوا العذاب } ولم يقل لتذوق . وقال عبد العزيز بن يحيى : إن الله عز وجل يلبس أهل النار جلوداً لا تألم ، فيكون زيادة عذاب عليهم ، كلما احترق جلد بدلهم جلداً غيره . كما قال : { سرابيلهم من قطران } [ إبراهيم :50 ] فالسرابيل تؤلمهم وهي لا تألم .