روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (6)

وقوله تعالى : { وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ } شروع في بيان حال ما أخذ من أموالهم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والآجل وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من أولئك الكفرة وهم بنو النضير و { مَا } موصولة مبتدأ ، والجملة بعدها صلة ، والعائد محذوف كما أشرنا إليه ، والجملة المقترنة بالفاء بعد خبر ، ويجوز كونها شرطية ، والجملة بعد جواب ، والمراد بما أفاء سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم منهم أموالهم التي بقيت بعد جلائهم ، والمراد بإعادتها عليه عليه الصلاة والسلام تحويلها إليه ، وهو إن لم يقتض سبق حصولها له صلى الله عليه وسلم نظير ما قيل في قوله تعالى : { أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا } [ الأعراف : 88 ] ظاهر وإن اقتضى سبق الحصول كان فيما ذكر مجازاً ، وفيه إشعار بأنها كانت حرية بأن تكون له صلى الله عليه وسلم وإنما وقعت في أيديهم بغير حق فأرجعها الله تعالى إلى مستحقها ، وكذا شأن جميع أموال الكفرة التي تكون فيئاً للمؤمنين لأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق من الأموال ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين ، ولذا قيل للغنيمة التي لا تلحق فيها مشقة : فيء مع أنه من فاء الظل إذا رجع ، ونقل الراغب عن بعضهم أنه سمي بذلك تشبيها بالفيء الذي هو الظل تنبيهاً على أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائل ، و { أَفَاء } على ما في البحر بمعنى المضارع أما إذا كانت { مَا } شرطية فظاهر ، وأما إذا كانت موصولة فلأنها إذا كانت الفاء في خبرها تكون مشبهة باسم الشرط فإن كانت الآية نازلة قبل جلائهم كانت مخبرة بغيب ، وإن كانت نزلت بعد جلائهم وحصول أموالهم في يد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت بياناً لما يستقبل ، وحكم الماضي حكمه ، والذي يدل عليه الأخبار أنها نزلت بعد ، روي أن بني النضير لما أجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر فنزل { مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ } { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ } الخ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، فقد أخرج البخاري . ومسلم . وأبو داود . والترمذي . والنسائي . وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله تعالى .

/ وقال الضحاك : كانت له صلى الله عليه وسلم خاصة فآثر بها المهاجرين وقسمها عليهم ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا أبا دجانة سماك بن خرشة . وسهل بن حنيف . والحرث بن الصمة أعطاهم لفقرهم ، وذكر نحوه ابن هشام إلا أنه ذكر الأولين ولم يذكر الحرث ، وكذا لم يذكره ابن سيد الناس ، وذكر أنه أعطى سعد بن معاذ سيفاً لابن أبي الحقيق كان له ذكر عندهم ، ومعني { مَا * أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ } ما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير ، وأنشد عليه أبو حيان قول نصيب

: ألا ربّ ركب قد قطعت وجيفهم *** إليك ولولا أنت لم توجف الركب

وقال ابن هشام : { أَوْجَفْتُمْ } حركتم وأتعبتم في السير ، وأنشد قول تميم بن مقبل

: مذ أويد بالبيض الحديث صقالها *** عن الركب أحياناً إذا الركب أوجفوا

والمآل واحد ، و { مِنْ } في قوله تعالى : { مِنْ خَيْلٍ } زائدة في المفعول للتنصيص على الاستغراق كؤنه قيل فما أوجفتم عليه فرداً من أفراد الخيل أصلا { وَلاَ رِكَابٍ } ولا ما يركب من الإبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه فلا يقال في الأكثر الفصيح : راكب لمن كان على فرس . أو حمار ونحوه بل يقال : فارس ونحوه ، وإن كان ذلك عاماً لغيره وضعا . وإنما لم يعملوا الخيل ولا الركاب بل مشوا إلى حصون بن النضير رجالا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان على حمار . أو على جمل كما تقدم لأنها قريبة على نحو ميلين من المدينة فهي قريبة جدّاً منها ، وكان المراد إن ما حصل لم يحصل بمشقة عليكم وقتال يعتدّ به منكم ، ولهذا لم يعط صلى الله عليه وسلم الأنصار إلا من سمعت ، وأما إعطاؤه المهاجرين فلعله لكونهم غرباء فنزلت غربتهم منزلة السفر والجهاد ، ولما أشير إلى نفي كون حصول ذلك بعملهم أشير إلى علة حصوله بقوله عز وجل : { ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء } أي ولكن سنته عز وجل جارية على أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم تسليطاً خاصاً ، وقد سلط رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على هؤلاء تسليطاً غير معتاد من غير أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم ، ويكون أمرها مفوضاً إليه صلى الله عليه وسلم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة ، وأخرى على غيرها ، وقيل : الآية في فدك لأن بني النضير حوصروا وقوتلوا دون أهل فدك وهو خلاف ما صحت به الأخبار ، والواقع من القتال شيء لا يعتد به .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (6)

شرح الكلمات :

{ وما أفاء الله على رسوله منهم } : أي وما رد الله ليد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال بني النضير .

{ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } : أي أسرعتم في طلبه والحصول عليه خيلاً ولا إبلاً أي تعانوا فيه مشقة .

{ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } : أي وقد سلط رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم على بني النضير ففتح بلادهم صلحاً .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في غزوة بني النضير إنه بعد الصلح الذي تم بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تركوا حوائطهم أي بساتينهم فيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب المسلمون في تلك البساتين ورأى بعضهم أنها ستقسم عليها كما تقسم الغنائم فأبى الله تعالى ذلك عليهم .

وقال : { وما أفاء الله على رسوله } أي وما رد الله تعالى على رسوله من مال بني النضير . وكلمة ردّ تفسير لكلمة أفاء لأن الفيء الظل يتقلص ثم يرجع أي يُردّ وأموال بني النضير الأصل فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بني النضير عاهدوا رسول الله وبمقتضى المعاهدة أبقى عليهم أموالهم فإِذا نقضوا العهد وخانوا لم يستحقوا من المال شيئاً لا سيما وأنهم تآمروا على قتله وكادوا ينفذون جريمتهم التي تحملوا تبعتها ولو لم ينفذوها وبداءة القضية كالتالي :

أن المعاهدة التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين بني النضير من جملة بنودها أن يؤدوا مع الرسول ما يتحمل من ديات . وبعد وقعة أحد بنصف سنة حدث أن عمرو بن أمية الضميري قتل خطأ رجلين من بني كلب أو بني كلاب فجاء ذووهم يطالبون بديتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو المسئول عن المسلمين فخرج صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير في قريتهم التي تبعد عن المدينة بميلين يطالب الإِسهام في دية الرجلين الكلابيين بحكم المعاهدة فلما انتهى إليهم أنزلوه هو وأصحابه بأحسن مجلس وقالوا ما تطلبه هو لك يا أبا القاسم ثم خلوا بأنفسهم وقالوا إن الفرصة سانحة للتخلص من الرجال فجاءوا برحىً " مطحنة " من صخرة وطلعوا بها إلى سطح المنزل وهموا أن يسقطوها على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الجدار مع أصحابه ، وقبل أن يسقطوا الرحى أوحى الله إلى رسوله أن قم من مكانك فإن اليهود أرادوا إسقاط حجر عليك ليقتلوك فقام صلى الله عليه وسلم على الفور وتبعه أصحابه وسقط على أيدي اليهود .

وما إن رجع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أعلن الخروج إلى بني النضير فإنهم نقضوا عهدهم ووجب قتالهم فنزل بساحتهم وحاصرهم وجرت سفارة وانتهت بصلح يقضي بأن يجلو بنو النضير عن المدينة يحملون أموالهم على إبلهم دون السلاح ويلتحقوا بأذرعات بالشام فكان هذا أول حشر لهم إلى أرض المعاد والمحشر إلا أسرتين نزلتا بخيبر أسرة بني الحقيق الذين منهم حيي ابن اخطب والد صفية زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولهذه الغزوة بقية ستأتي عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفرا من أهل الكتاب } الآيات .

من هنا علمنا أن مال بني النضير هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفاءه الله عليه فقال وما أفاء الله على رسوله منهم أي من بني النضير . ولما طمع المؤمنون فيه قال تعالى رداً عليهم فما أوجفتم عليه أي على أموال بني النضير أي ما ركبتم إليه خيلاً ولا إبلاً ولا أسرعتم عدواً إليهم لأنهم في طرف المدينة فلم تتحملوا سفراً ولا تعباً ولا قتالاً موتاً وجراحات فلذا لاحق لكم فيها فإنها فيء وليست بغنائم . ولكن الله يسلط رسله على من يشاء بدون حروب ولا قتال فيفيء عليهم بمال الكفرة الذي هو مال الله فيرده على رسله ، وقد سلط الله حسب سنته في رسله محمداً صلى الله عليه وسلم على أعدائه بني النضير فحاز المال بدون قتال ولا سفر فهو له دون غيره ينفقه كما يشاء ومع هذا فقد أنفقه صلى الله عليه وسلم ولم يبق منه إلا قوت سنة لأزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن . وقوله تعالى { والله على كل شيء قدير } لا يمتنع منه قوى ، ولا يتعزز عليه شريف سرى .

الهداية :

من الهداية :

- بيان أن مال بني النضير كان فيئاً خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم .

- أن الفيء وهو ما حصل عليه المسلمون بدون قتال وإنما بفرار العدو وتركه أو بصلح يتم بينه وبين المسلمين هذا الفيء يقسم على ما ذكر تعالى في هذه الآية إذ قال : { وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ، وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل } ، وأما الغنائم وهى ما أخذت عنوة بالقوة وسافر إليها المسلمون فإنها تُخَمَّس خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يوزع بينهم بالسوية ، والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المجاهدين الذين شاركوا في المعارك وخاضوها للرجل قسم وللفارس قسمان .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (6)

ثم ذكر من انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم ، فقال : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } أي : من أهل هذه القرية ، وهم بنو النضير .

{ ف } إنكم يا معشر المسلمين { ما أَوْجَفْتُمْ } أي : ما أجلبتم وأسرعتم وحشدتم ، { عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } أي : لم تتعبوا بتحصيلها ، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم ، بل قذف الله في قلوبهم الرعب ، فأتتكم صفوا عفوا ، ولهذا قال : { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من تمام قدرته أنه لا يمتنع منه{[1033]}  ممتنع ، ولا يتعزز من دونه قوي ، وتعريف الفيء في اصطلاح الفقهاء : هو ما أخذ من مال الكفار بحق ، من غير قتال ، كهذا المال الذي فروا وتركوه خوفا من المسلمين ، وسمي فيئا ، لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له ، إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه .


[1033]:- في ب: عليه