روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (2)

وقوله عز وجل : { الذين يظاهرون مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } شروع في بيان شأن الظهار في نفسه وحكمته المترتب عليه شرعاً ، وفي ذلك تحقيق قبول تضرع تلك المرأة وإشكاؤها بطريق الاستئناف .

والظهار لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ، ويراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظاً باختلاف الأغراض ، فيقال : ظاهر زيد عمراً أي قابل ظهره بظهره حقيقة وكذا إذا غايظه ، وإن لم يقابل حقيقة باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة ، وظاهره إذا نصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره ، وظاهر بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر باعتبار جعل ما يلي به كل منهما الآخر ظهراً للثوب : وظاهر من امرأته إذا قال لها : أنت علي كظهر أمي ، وغاية ما يلزم كون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازاً ، وهو لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازاً أيضاً ، وهذا الأخير هو المعنى الذي نزلت فيه الآيات .

وعرفه الحنفية شرعاً بأنه تشبيه المنكوحة أو عضواً منها يعبر به عن الكل كالرأس أو جزء شائع منها كالثلث بقريب محرم عليه على التأييد أو بعضو منه يحرم عليه النظر إليه .

وحكى عن الشافعية أن تشبيهها أو عضو منها بمحرم من نسب . أو رضاع . أو مصاهرة . أو عضو منه لا يذكر للكرامة كاليد والصدر ، وكذا العضو الذي يذكر لها كالعين والرأس إن قصد معنى الظهار ، وهو التشبيه بتحريم نحو الأم لا أن قصد الكرامة أو أطلق في الأصح ، وتخصيص المحرم بالأم قول قديم للشافعي عليه الرحمة ، وتفصيل ذلك في كتب الفقه للفريقين ، وكان الظهار بالمعنى السابق طلاقاً في الجاهلية قيل : وأول الإسلام .

وحكى بعضهم أنه كان طلاقاً يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه ، وقيل ؛ لم يكن طلاقاً من كل وجه بل لتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره ، وذكر بعض الأجلة أنهم كانوا يعدونه طلاقاً مؤكداً باليمين على الاجتناب ، ولذا قال الشافعية : إن فيه الشائبتين ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى حكمه الشرعي ، وعدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التبعيد ولما سمعت أنه كان طلاقاً وهو مبعد ، والظهر في قولهم : أنت علي كظهر أمي قيل : مجاز عن البطن لأنه إنما يركب البطن فكظهر أمي أي كبطنها بعلاقة المجاورة ، ولأنه عموده لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات ، وقيل : خص الظهر لأنه محل الركوب والمرأة مركوب الزوج ، ومن ثمي المركوب ظهراً ، وقيل : خص ذلك لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً فإتيانه أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ ، وإقحام { مّنكُمْ } في الآية للتصوير والتهجين لأن الظهار كان مخصوصاً بالعرب ، ومنه يعلم أنه ليس من مفهوم الصفة ليستدل به على عدم صحة ظهار الذمي كما حكى عن المالكية ، ومن هنا قال الشافعية : يصح من الذمي والحربي لعموم الآية ، وكذا الحنابلة .

والحنفية يقولون : لا يصح منهما ، وفي رواية عن أبي حنيفة صحته من الذمي ، والرواية المعمول عليها عدم الصحة لأنها ليس من أهل الكفارة ، وشنع على الشافعية في قولهم بصحته منه مع اشتراطهم النية في الكفارة والإيمان في الرقبة ، وتعذر ملكه لها لأن الكافر لا يملك المؤمن ، وقال بعض أجلتهم إن في الكفارة شائبة الغرامات ونيتها في كافر كفر بالاعتاق للتمييز كما في قضاء الديون لا الصوم لأنه لا يصح منه لأن عبادة بدنية ولا ينتقل عنه للإطعام لقدرته عليه بالإسلام فإن عجز انتقل ونوى للتمييز أيضاً ، ويتصور ملكه للمسلم بنحو إرث أو إسلام قنه ، أو يقول : لمسلم أعتق قنك عن كفارتي ، فيجيب فإن لم يمكنه شيء من ذلك وهو مظاهر موسى منع من الوطء لقدرته على ملكه بأن يسلم فيشتريه انتهى .

وفي كتب بعض الأصحاب كالبحر وغيره كلام مع الشافعية في هذه المسألة فيه نقض وإبرام لا يخلو عن شيء والسبب في ذلك قلة تتبع معتبرات كتبهم ، وقرأ الحرميان . وأبو عمرو يظهرون بشد الظاء والهاء ، والأخوان . وابن عامر { يظاهرون } مضارع اظاهر ، وأبي يتظاهرون مضارع تظاهر ، وعنه أيضاً يتظهرون مضارع تظهر ، والموصول مبتدأ خبره محذوف أي مخطئون ، وأقيم دليله وهو قوله تعالى ؛ { مَّا هُنَّ أمهاتهم } مقامه أو هو الخبر نفسه أي ما نشاؤهم أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت .

وقرأ المفضل عن عاصم { أمهاتهم } بالرفع على لغة تميم ، وقرأ ابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء ، قال الزمخشري : في لغة من ينصب أي بما الخبر وهم الحجازيون يعني أنهم الذي يزيدون الباء دون التميميين وقد تبع في ذلك أبا علي الفارسي ، ورد بأنه سمع خلافه كقول الفرزدق وهو تميمي

: لعمرك ما معن بتارك حقه *** ولا منسيء معن ولا متيسر

{ إِنْ أمهاتهم } أي ما أمهاتهم على الحقيقة { إِلا اللائي وَلَدْنَهُمْ } فلا يشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله تعالى بهن كالمرضعات ومنكوحات الرسول صلى الله عليه وسلم فدخلن في حكم الأمهات ، وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول } ينكره الشرع والعقل والطبع أيضاً كما يشعر به التنكير ، ومناط التأكيد كونه منكراً ، وإلا فصدور القول عنهم أمر محقق { وَزُوراً } أي وكذباً باطلاً منحرفاً عن الحق ، ووجه كون الظهار كذلك عند من جعله إخباراً كاذباً علق عليه الشارع الحرمة والكفارة ظاهر ، وأما عند من جعله إنشاء لتحريم الاستمتاع في الشرع كالطلاق على ما هو الظاهر فوجهه أن ذلك باعتبار ما تضمنه من إلحاق الزوجة بالأم المنافي لمقتضى الزوجية { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي مبالغ في العفو والمغفرة فيغفر ما سلف منه ويعفو عمن ارتكبه مطلقاً أو بالتوبة ، ويعلم من الآيات أن الظهار حرام بل قالوا : إنه كبيرة لأن فيه إقداماً على إحالة حكم الله تعالى وتبديله بدون إذنه ، وهذا أخطر من كثير من الكبائر إذ قضيته الكفر لولا خلو الاعتقاد عن ذلك ، واحتمال التشبيه لذلك وغيره ، ومن ثم سماه عز وجل { مُنكَراً مّنَ القول وَزُوراً } ، وإنما كره على ما ذكره بعض الشافعية أنت علي حرام لأن الزوجية ومطلق الحرمة يجتمعان بخلافها مع التحريم المشابه لتحريم نحو الأم ، ومن ثم وجب هنا الكفارة العظمى . وثم على ما قالوا : كفارة يمين .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (2)

شرح الكلمات :

{ الذين يظاهرون منكم من نسائهم } : أي يحرمون نساءهم بقول أنت عليَّ كظهر أمي .

{ من هن أمهاتهم } : أي ليس هن بأمهاتهم .

{ إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } : ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، أو أرضعنهم .

{ وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً } : أي وإنهم بالظهار ليقولون منكراً من القول وزوراً أي كذباً .

{ وإن الله لعفو غفور } : أي على عباده أي ذو صفح عليهم غفور لذنوبهم إن تابوا منها .

أولاً : أن الظهار الذي هو قول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي لا يجعل المظاهر منها أمّاً له إذ أمه هي التي ولدته وخرج من بطنها ، والزوجة لا تكون أمّاً بحال من الأحوال .

ثانياً : هذا القول كذب وزور ومنكر من القول وقائله آثم فليتب إلى الله ويستغفره .

ثالثاً : لولا عفو الله وصفحه على عباده والمؤمنين ومغفرته للتائبين لعاقبهم على هذا القول الكذب الباطل .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الظهار باعتباره منكراً وكذباً وزوراً فيجب التوبة منه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (2)

ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته ، وفى بيان حكمه المترتب عليه شرعا فقال : { الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ } .

وقوله : { يُظَاهِرُونَ } من الظهار ، وهو لغة مصدر ظاهر ، وهو مفاعلة من الظهر .

قال الآلوسى : والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا باختلاف الأغراض ، فيقال : ظاهر زيد عمراً ، أي : قابل ظهره بظهره حقيقة ، وكذا إذا غايظه . . وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره " .

والمراد به هنا : أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه .

وكان هذا القول من الرجل لامرأته يؤدي إلى طلاقها منه ، بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وقيل : إلى طلاقها منه طلاقاً مؤبدا لا تحل له بعده .

وقيل : إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه ، بل كانت الزوجة تبقى بعده معلقة ، فلا هي مطلقة ، ولا هي غير مطلقة .

و " من " في قوله { مِّن نِّسَآئِهِمْ } بيانية ، لإفادة أن هذا تشريع عام ، وليس خاصا بخولة بنت ثعلبة ، التي نزلت فى شأنها هذه الآيات .

وجملة : { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } قائمة مقام الخبر ، ودالة عليه .

والمعنى : الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم بأن يقولوا لهن : أنتن علينا كظهر أمهاتنا ، مخطئون فيما يقولون ، فإن زوجاتهم لسن بأمهاتهم .

{ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ } أي : ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللائي ولدنهم وأرضعتهم ، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب .

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً } .

أي : وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم : أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة ، ليتفوهون بما هو منكر من القول ، فى حكم الشرع وفى حكم العقل ، وفى حكم الطبع . وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها ، كما حرم عليه أمه . فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف اختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم .

وإذاً فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التوبيخ على هذا القول ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام في أسمى درجات الاحترام والتبجيل - - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام .

وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترهيب بالترغيب ، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله ، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى - .

فقال : { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي : وإن الله - تعالى - لكثير العفو والمغفرة ، لمن تاب إليه - سبحانه - وأناب وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه - .