إنَّمَا تَعْبُدُونَ منْ دُون الله أوثانا } بيان لبطلان دينهم وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين الحق ، أي ما تعبدون من دونه تعالى إلا أوثاناً هي في نفسها تماثيل مصنوعة لكم ليس فيها وصف غير ذلك { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } أي وتكذبون كذباً حيث تسمونها آلهة وتدعون أنها شفعاؤكم عند الله سبحانه ؛ أو تعملونها وتنحتونها للإفك والكذب ، واللام لام العاقبة وإلا فهم لم يعملوها لأجل الكذب ، وجوز أن يكون ذلك من باب التهكم . وقال بعض الأفاضل : الأظهر كون إفكاً مفعولاً به والمراد به نفس الأوثان وجعلها كذباً مبالغة ، أو الإفك بمعنى المأفوك وهو المصروف عما هو عليه ، وإطلاقه على الأوثان لأنها مصنوعة وهم يجعلونها صانعاً . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . وعون العقيلي . وعبادة . وابن أبي ليلى . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { *تخلقون } بفتح التاء والخاء واللام مشددة ، قال ابن مجاهد : ورويت عن ابن الزبير وأصله تتخلقون فحذفت إحدى التاءين وهو من تخلق بمعنى تكذب وصيغة التكلف للمبالغة . وزعم بعضهم جواز أن يكون تفعل بمعنى فعل . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما أيضاً { تخلقون } من خلق بالتشديد للتكثير في الخلق بمعنى الكذب والافتراء . وقرأ ابن الزبير وفضل بن زرقان { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } بفتح الهمزة وكسر الفاء على أنه مصدر كالكذب واللعب أو وصف كالحذر وقع صفة لمصدر مقدر أي خلقاً أفكاً أي ذا أفك { إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } بيان لشرية ما يعبدونه من حيث أنه لا يكاد يجديهم نفعاً ، و { رِزْقاً } يحتمل أن يكون مصدراً مفعولاً به ليملكون ، والمعنى لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق ، وأن يكون بمعنى المرزوق أي لا يستطيعون ، إيتاء شيء من الرزق وجوز على المصدرية أن يكون مفعولاً مطلقاً ليملكون من معناه أو لمحذوف والأصل لا يملكون أن يرزقوكم رزقاً وهو كما ترى ونكر كما قال بعض الأجلة : للتحقير والتقليل مبالغة في النفي ، وخص الرزق لمكانته من الخلق { فابتغوا عِندَ الله الرزق } أي كله على أن تعريف الرزق للاستغراق . قال الطيبي : هذا من المواضع التي ليست المعرفة المعادة عين الأول فيها ، وجوز أن تكون عين الأول بناءً على أن كلاً منهما مستغرق { واعبدوه } عز وجل وحده { واشكروا لَهُ } على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته مقيدين بشكره تعالى للعتيد ومستجلبين به للمزيد ، فالجملتان ناظرتان لما قبلهما ، وجوز أن يكون ناظرتين لقوله تعالى : { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } كأنه قيل : استعدوا للقائه تعالى بالعبادة والشكر فإنه إليه ترجعون ، وجوز بعض المحققين أن تكون هذه الجملة تذييلاً لجملة ما سبق مما حكى عن إبراهيم عليه السلام أو لأوله ، والمعنى إليه تعالى لا إلى غيره سبحانه ترجعون بالموت ثم بالبعث فافعلوا ما أمرتكم به وما بينهما اعتراض لتقرير الشرية كما سمعت . وقرئ { تُرْجَعُونَ } بفتح التاء من رجع رجوعاً .
ومن باب الإشارة : { إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ العنكبوت : 7 1 ] قال ابن عطاء : أي اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة ، وقال سهل : اطلبوه في التوكل لا في المكسب فإن طلب الرزق فيه سبيل العوام .
{ أوثاناً } : أصناماً وأحجاراً وصُوراً وتماثيل .
{ وتخلقون إفكاً } : أي تختلقون الكذب فتقولون في الأصنام والأوثان آلهة وتعبدونها .
{ فابتغوا عند الله الرزق } : أي اطلبوا الرزق من الله الخلاق العليم لا من الأصنام والتماثيل المصنوعة المنحوتة بأيدي الرجال بالمعاول والفؤوس .
{ واعبدوه } : أي بالإِيمان به وتوحيده واشكروه بطاعته .
{ إنما تعبدون من دون الله أوثاناً } أي أصناماً وتماثيل وعبادة الأصنام والأوثان عبادة باطلة لا تجلب لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً . إن الذي يجب أن يعبد الله الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت السميع البصير . أما الأوثان فلا شيء في عبادتها إلا الضلال واتباع الهوى . وقوله لهم { وتخلقون إفكاً } أي وتصنعون كذباً تختلقونه اختلاقاً عندما تقولون في التماثيل والأصنام إنها آلهة . وقوله عليه السلام لقومه { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً } يخبرهم عليه السلام معرفاً لهم بحقيقة هم عنها غافلون وهي أن الذين يعبدونهم من دون الله لا يملكون لهم رزقاً لأنهم لا يقدرون على ذلك فما الفائدة إذاً من عبادتهم وما الحاجة الداعية إليها لولا الغفلة والجهل ، ولما أبطل لهم عبادة الأصنام أرشدهم غلى عبادة الله الواحد القهار فقال { فابتغوا عند الله الرزق } إن كنتم عبدتم الأصنام لذلك فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فاطلبوا عنده الرزق فإنه مالكه والقادر على إعطائه { واعبدوه } بالإِيمان به وبرسوله وبتوحيده { واشكروا له } يرزقكم ويحفظ عليكم الرزق وقوله { إليه ترجعون } ذكّرهم بعلة غفلتهم ومَصْدَر جهلهم وهي كفرهم بالبعث فأعلمهم أنهم إليه تعالى لا إلى غيره يرجعون .
إذاً فليتعرفوا إليه ويعبدوه طلباً لرضاه وإكرامهم يوم يلقونه .
- بطلان عبادة غير الله ووجوب عبادة الله عن طريق الأدلة العقلية .
- ما عبد الناس الأوثان إلا من جهلهم وفقرهم فلذا يجب أن يعلموا أن الله هو ربهم المستحق لعبادتهم وأن الله تعالى هو الذي يسد فقرهم ويرزقهم ومن عداه لا يملك ذلك لهم
- وجوب شكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وبطاعته وصرف النعم فيما من أجله أنعم بها على عبده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.