روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ} (185)

{ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السموات والارض } فهو مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل بالآيات التكوينية إثر مانعي عليهم مانعي ، والهمزة هنا كالهمزة فيما قبل ، والواو للعطف على مقدر كما تقدم أو على الجملة المنفية بلم ، والملكوت الملك العظيم ، أي أكذبوا أو لم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فيما يدل على كمال قدرة الصانع ووحدة المبدع وعظيم شأن المالك ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ذاك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكأن التعبير بالنظر هنا دون التفكر الذي عبر به فيما قبل للإشارة إلى أن الدليل هنا أوضح منه فيما تقدم . وقوله سبحانه وتعالى : { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } يحتمل أن يكون عطفاً على ملكوت وتخصيصه بالسموات والأرض لكما لظهور عظم الملك فيهما ، وأن يكون عطفاً على المضاف هو إليه فيكون منسحباً على الجميع ، والتعميم لاشتراك الكل في عظم الملك في الحقيقة ، و { مِن شَىْء } بيان { لَّمّاً } ، وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده :

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء . نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوث وهو الذي عليه معظم المتكلمين ، ومنهم من جعل وجهها الإمكان وهو الذي عليه الفلاسفة واختاره بعض المتكلمين ، ورجح الأول قطب عصره الشيخ خالد المجددي قدس سره في تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي فارجع إليها ، وقوله تعالى : { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } عطف على ملكوت فهو معمول لينظروا لكن لا يعتبر فيه بالنظر إليه أنه للاستدلال بناء على ما قالوا : إن قيد المعطوف عليه لا يلزم ملاحظته في المعطوف ، وقد تقدم الكلام في ذلك ، وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو { أَن يَكُونَ } ، وخبر ضمير الشأن لا يشترط فيه الخبرية ولا يحتاج إلى التأويل كما نص عليه المحققون فلا معنى للمناقشة في ذلك ، واسم يكون أيضاً ضمير الشأن والخبر { قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } ، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع لأن تنازع كان وخبرها مما لم يعهد لا لأن ذلك خلاف الأصل لما فيه من الإضمار قبل الذكر لأن ذلك لازم على جعل الاسم ضمير الشأن ولا ضير في كل ، وأمر التكرار فيما ذكرنا سهل فلا يرتكب له خلاف المعهود خلافاً للقطب الرازي ، وجوز أبو البقاء أن تكون مصدرية ، وتعقب بأنها لا توصل إلا بالفعل المتصرف وعسى ليست كذلك ، والمعنى أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ومفاجأته ونزول العذاب ، فالمراد بأجلهم أجل موتهم ، وجوز أن يكون عبارة عن الساعة ، والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها ، وقوله جل وعلا : { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } قطع لاحتمال إيمانهم رأساً ونفي له بالكلية بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر ، والباء متعلقة بيؤمنون ، وضمير بعده للقرآن على ما ذهب إليه غالب المفسرين وهو معلوم من السياق ، والحديث بمعنى الكلام فلا دليل في الآية لمن يزعم حدوث القرآن ، وقيل : ولئن سلمنا كونه دليلاً يراد من القرآن الألفاظ وهي محدثة على المشور ، والمعنى إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو النهاية في البيان فبأي كلام يؤمنون بعده ، وقيل : الضمير للآيات على حذف المضاف المفهوم من

{ كَذَّبُوا } والتذكير باعتبار كونها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور أو إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة .

والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال المصنوعات فبأي حديث بعد تكذيبها يؤمنون ، وفيه بعد ، وقيل : إنه يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير مضاف أيضاً أي بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس ، وقيل : المراد بعد هذا الحديث ، وقيل : بعد الأجل أي كيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟ ، وجعل الزمخشري ذلك مرتبطاً بقوله تعالى : { وَأَنْ عسى } الخ ارتباط التسبب عنه ، والضمير للقرآن كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الموت وماذا ينظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يئمنوا ، وتقدير ما قدر عند «صاحب الكشف » ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم الكلام بل للتنبيه على معنى الاستبطاء الذي في ضمن أي ، وأنه ليس بعد هذا البيان الواضح أمر ينتظر

[ بم وقوله عز شأنه :

( ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ في مَلَكُوتِ السموات والأرض وَمَا مّنَ الله مِن شيء } [ الأعراف : 185 ] وهي الآيات التكوينية ، وقد تقدم معنى الملكوت وهو في مصطلح الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم عبارة عن عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس وفسروا الملك بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية كالعرش والكرسي وغيرهما وكل جسم يتركب من الاستقصاآت

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ} (185)

شرح الكلمات :

{ ملكوت السموات } : أي ملك السموات إلا أن لفظ الملكوت أعظم من لفظة الملك .

{ فبأي حديث بعده } : أي بعد القرآن العظيم .

المعنى :

وفي الآية الثالثة ( 185 ) يوبخهم على عدم نظرهم في ملكوت السماوات والأرض وفي ما خلق الله من شيء وفي أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ، إذ لو نظروا في ملكوت السموات والأرض وما في ذلك من مظاهر القدرة والعلم والحكمة لعلموا أن المستحق للعبادة هو خالق هذا الملكوت ، لا الأصنام والتماثيل ، كما أنهم لو نظروا فيما خلق الله من شيء من النملة إلى النخلة ومن الحبة إلى القبة لأدركوا أن الله هو الحق وأن ما يدعون هو الباطل كما أنه حرى بهم أن ينظروا في ما مضى من أعمارهم فيدركوا أنه من الجائز أن يكون قد اقترب أجلهم ، وقد اقترب فعلا فليعجلوا بالتوبة حتى لا يؤخذوا وهم كفار أشرار فيهلكون ويخسرون خسراناً كاملاً .

ثم قال تعالى في ختام الآية { فبأي حديث } بعد القرآن يؤمنون فالذي لا يؤمن بالقرآن وكله حجج وشواهد وبراهين وأدلة واضحة على وجوب توحيد الله والإيمان بكتابه ورسوله ولقائه ووعده ووعيده فبأي كلام يؤمن ، اللهم لا شيء .

/ذ186