روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ} (48)

{ قِيلَ يانوح اهبط } الخ وهو من الحسن بمكان ، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لظهور أن القائل هو الله تعالى ، وقيل : القائل الملائكة عليهم السلام والهبوط النزول قيل : أي أنزل من الفلك ، وقيل : من الجبل إلى الأرض وذلك أنه روي أن السفينة استوت على الجودى في عاشر ذي الحجة فأقام بمن معه هناك شهراً ، ثم قليل له : اهبط فهبط بأرض الموصل وبنى قرب الجبل قرية يقال لها : قرية الثمانين عدد من في السفينة ، وفي رواية عن ابن عباس أنه بنى كل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين .

وأخرج ابن مردويه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : لما استقرت السفينة على الجودي لبث نوح عليه السلام ما شاء الله تعالى ، ثم إنه أذن له بالهبوط فهبط على الجبل فدعا الغراب فقال : ائتني بخبر الأرض ، فانحدر إلى الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح فوقع على جيفة منهم فأبطأ عليه فلعنه ، ودعا الحمامة فوقفت على كفه فقال : اهبطي فأتني بخبر الأرض فانحدرت فلم تلبث قليلاً حتى جاءت تنفض ريشها بمنقارها فقالت : اهبط فقد أنبتت الأرض فقال نوح : بارك الله تعالى فيك وفي بيت يأويك وحببك إلى الناس ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله سبحانه أن يجعل رأسك من الذهب ، والظاهر عندي أن الهبوط من الجودي الذي استقرت عليه السفينة إلى الأرض ، وليس في الكلام ما يستدعي أن يكون بعد الاستقرار بلا مهلة ليقال : إن ما تحت الجبل مغمور إذ ذاك بالماء ، والتعبير بالهبوط على هذا في غاية الظهور ، ولعل ذلك على أن يكون المراد من السفينة لمكان الركوب ، وخبر الحمامة . والغراب قد طار في الآفاق وأولع به القصاصون ، والله تعالى أعلم بصحته ، وغالب الظن أنه لم يصح ، وكذا اشتهر خبر قرية الثمانين في أرض الموصل وأنها لما ضاقت عليهم تحولوا إلى باب فبنوها .

وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار أنه قال : أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل . وقرىء { اهبط } بضم الباء { بسلام } أي ملتبساً بسلامة مما تكره كائنة { مِنَّا } أي من جهتنا ، ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم والتحية أي مسلماً عليك من جهتنا { وبركات عَلَيْكَ } أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق ، أو مباركاً عليك أي مدعواً لك بالبركة بأن يقال : بارك الله تعالى فيك وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم فيكون كقوله : السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأصل البرك كما قال الراغب صدر البعير يقال : برك البعير إذا ألقى بركه ، واعتبر فيه اللزوم ولذا سمي محتبس الماء بركة ، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة .

ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة : هو مبارك وفيه بركة ، ولما في ذلك من الإشعار باللزوم وكونه غير محسوس اختص تبارك بالاستعمال في الله تبارك وتعالى كما قيل ، وفي «الكشف » كل شيء ثبت وأقام فقد برك وأخذ بروك البعير منه ، ثم البرك بمعنى الصدر من الثاني لأنه آلة بروكه أظهر ، وحكى عبد العزيز بن يحيى عن الكسائي أنه قرأ وبركة بالتوحيد ، وفي الآية على القراءتين صنعة الاحتباك لأنه حذف من الثاني ما ذكر في الأول ، وذكر فبه ما حذف من الأول ، والتقدير سلام منا عليك وبركات ، أو وبركة منا عليك ، وهذا منه تعالى إعلام وبشارة بقبول توبته عليه السلام وخلاصة من الخسران مع الإشارة إلى عود الأرض إلى حالها من الإنبات وغيره { وعلى أُمَمٍ } ناشئة { مّمَّن مَّعَكَ } متشعبة منهم فمن ابتدائية ، والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى يوم القيامة ، والمراد ممن معه أولاده من إطلاق العام وإرادة الخاص بناءاً على ما قيل : إنه لم يعقب غيرهم ، فالناس كلهم على هذا من نسل نوح عليه السلام ؛ ومن هنا سمي عليه السلام آدم الثاني . وآدم الأصغر ، واستدل لذلك بقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات : 77 ] وقد يقال ببقاء من على عمومه بناءاً على ما عليه أكثر المفسرين من عدم اختصاص النسل بأولاده عليه السلام بل لمن معه نسل باق أيضاً ، والكلام في استدلال الأولين سيأتي إن شاء الله تعالى ، وقوله سبحانه : { وَأُمَمٌ } بالرفع وهو على ما ذهب إليه الزمخشري مبتدأ ، وجملة قوله تعالى : { سَنُمَتّعُهُمْ } صفته ، والخبر محذوف أي ومنهم أمم ، وساغ ذلك لدلالة ما سبق عليه فإن إيراد الأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم نكرة يدل على أن بعض من يتشعب منهم ليسوا على صفتهم ، والمعنى ليس جميع من يتشعب منهم مشاركاً له في السلام والبركات بل منهم أمم يمتعون في الدنيا { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ } فيها أو في الآخرة أو فيهما { مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } وجوز أبو حيان أن يكون { أُمَمٌ } مبتدأ محذوف الصفة وهي المسوغة للابتداء بالنكرة ، والتقدير وأمم منهم ، وجملة { سَنُمَتّعُهُمْ } هو الخبر كما قالوا : السمن منوان بدرهم ، وأن يكون مبتدأ ولا يقدر له صفة والخبر أيضاً { سَنُمَتّعُهُمْ } ومسوغ الابتداء كون المكان مكان تفصيل فكان مثل قول الشاعر

إذا ما بكى من خلفها انحرفت له *** بشق وشق عندنا لم يحول

وقول القرطبي : إنه ارتفع { أُمَمٌ } على معنى ويكون أمم إن أراد به تفسير معنى فحسن وإن أراد الإعراب فليس بجيد لأن هذا ليس من مواضع إضمار يكون ، وقال الأخفش : هذا كما تقول : كلمت زيداً .

وعمرو جالس يحتمل أن يكون من باب العطف ، ويحتمل أن يكون الواو للحال وتكون الجملة هنا حالاً مقدرة لأن وقت الأمر بالهبوط لم تكن تلك الأمم موجودة .

وقال أبو البقاء : إن { أُمَمٌ } معطوف على الضمير في { اهبط } والتقدير اهبط أنت وأمم وكان الفصل بينهما مغنياً عن التأكيد ، و { سَنُمَتّعُهُمْ } نعت لأمم ، وفيه إن الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة كلهم مؤمنون لقوله تعالى : { وَمَنْ ءامَنَ } [ هود : 40 ] ولم يكونوا قسمين كفاراً ومؤمنين ليؤمر الكفار بالهبوط معه اللهم إلا أن يلتزم أن من أولئك المؤمنين من علم الله سبحانه أنه يكفر بعد الهبوط فأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها وفيه بعد .

وجوز أن تكون من في { مّمَّن مَّعَكَ } بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك ، وسموا أمماً لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم فهم أمم مجازاً فحينئذٍ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله سبحانه : { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة .

وفي «الكشاف » إن الوجه هو الأول قيل : ليقابل قوله تعالى : { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } ولأنه أشمل ولأن من الابتدائية لا سيما في المنكر أكثر وللنكتة في إدخال الناشئين في المسلم عليهم ، وقطع الممتعين عنهم من الدلالة على ما صرح به في قوله سبحانه : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } [ هود : 46 ] ولهذه النكتة حذف منهم في الثاني ، واكتفى بسلام نوح عليه السلام عن سلام مؤمني قومه لأن النبي زعيم أمته وكفاهم هذا التعظيم والاتحاد معه عليه السلام ، فلا يرد أن الحمل على البيانية أرجح لئلا يلزم أن لا يكون مسلماً عليهم على أن لفظ الأمم في الإطلاق على من معه بأحد الاعتبارين لا فخامة فيه لأن تسمية الجماعة القليلة بالأمة لا يناسب فكيف بالأمم ، ولا مبالغة في هذا المقام فيه فلا يعدل عن الحقيقة ، وإن جعل من باب { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] لم يلائم تفخيم نوح عليه السلام ، وقد ذكر أنه يبقى على البيانية أمر الأمم المؤمنة الناشئة من الذين معه عليه السلام مبهماً غير متعرض له ولا مدلول عليه إلا أن يقال : حيث كان المراد بمن معك المؤمنين يعلم أن المشاركين لهم في وصف الإيمان مثلهم فيما تقدم ، نعم قيل : إن في دلالة المذكور على الخبر المحذوف على ذلك الوجه خفاءاً لأن من المذكورة بيانية ، والمحذوفة تبعيضية . أو ابتدائية ، وربما يجاب عنه أيضاً بإلزام أن لا حذف أصلاً كما هو أحد الأوجه التي ذكرناها آنفاً فتدبر جميع ما ذكر .

والمأثور عدم تخصيص الأمم في الموضعين بمؤمنين معينين وكافرين كذلك ، فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عن محمد القرظي قال : دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ودخل في ذلك المتاع والعذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ، وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنه قال في الآية ما زال الله تعالى يأخذ لنا بسهمنا وحظنا ويذكرنا من حيث لا نذكر أنفسنا كلما هلكت أمة خلقنا في أصلاب من ينجو بلطفه حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس ، وقيل : المراد بالأمم الممتعة قوم هود . وصالح . ولوط . وشعيب عليهم السلام ، وبالعذاب ما نزل بهم ، وبالغ بعضهم في عموم الأمم في الأول فجعلها شاملة لسائر الحيوانات التي كانت معه عليه السلام فإن الله تعالى جعل فيها البركة وليس بشيء كما لا يخفى ، وههنا لطيفة وهي أنه قد تكرر في هذه الآية حرف واحد مرات مع غاية الخفة ولم تتكرر الراء مثله في قوله

: وقبر حرب بمكان قفر *** وليس قرب قبر حرب قبر

ومع ما ترى فيه من غاية الثقل وعسر النطق ، ولله تعالى شأن التنزيل ما أكثر لطائفه .

( ومن باب الإشارة ) : { قِيلَ يانوح اهبط } من محل الجمع وذروة مقام الولاية والاستغراق في التوحيد إلى مقام التفصيل وتشريع النبوة بالرجوع إلى الخلق ومشاهدة الكثرة في عين الوحدة غير معطل للمراتب { اهبط بسلام مّنَّا } أي سلامة عن الاحتجاب بالكثرة { وبركات } من تقنين قوانين الشرع { عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ } ناشئة { مّمَّن مَّعَكَ } على دينك إلى آخر الزمان { وَأُمَمٌ } أي وينشأ ممن معك أمم { سَنُمَتّعُهُمْ } في الدنيا { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا } في العقبى { عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ هود : 48 ] بإحراقهم بنار الآثار وتعذيبهم بالهيآت المظلمة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ} (48)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قيل يا نوح اهبط} من السفينة {بسلام منا} فسلمه الله ومن معه من الغرق، ثم قال: {وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} في السفينة، يعنى بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة، ثم قال: {وأمم سنمتعهم} في الدنيا إلى آجالهم، {ثم يمسهم منا} يقول: يصيبهم منا {عذاب أليم} يعني وجيع، يعني بالأمم قوم هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، الذين أهلكهم الله في الدنيا بالعذاب بعد قوم نوح...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: يا نُوحُ اهْبطْ من الفلك إلى الأرض "بسَلامٍ منّا "يقول: بأمن منا أنت ومن معك من إهلاكنا، "وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ" يقول: وبركات عليك، "وَعلى أُمَمٍ ممّنْ مَعَكَ" يقول: وعلى قرون تجيء من ذرّية من معك من ولدك، فهؤلاء المؤمنون من ذرّية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة وبارك عليهم قبل أن يخلقهم في بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم. ثم أخبر تعالى ذكره نوحا عما هو فاعل بأهل الشّقاء من ذريته، فقال له: "وَأُمَمٌ" يقول: وقرون وجماعة، "سَنُمَتّعُهُمْ" في الحياة في الدنيا يقول: نرزقهم فيها ما يتمتعون به إلى أن يبلغوا آجالهم. "ثُمّ يَمُسّهُمْ مِنّا عَذَابٌ ألِيمٌ" يقول: ثم نذيقهم إذا وردوا علينا عذابا مؤلما موجعا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) السلامة: هي أن يسلم من الشرور والآفات، و البركة: هي نيل كل خير وبر على غير تبعة. ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم المرء من كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم من كل شر... ثم قوله تعالى: (اهبط بسلام منا) [يحتمل وجهين:

أحدهما: جائز أن يكون جواب قوله (وإلا تغفر لي وترحمني) أمَّنه مما خاف، وطلب منه المغفرة والرحمة.

والثاني: السلام منه هو الثناء الحسن كقوله (سلام على نوح في العالمين) [الصافات: 79].

(وبركات عليك) يحتمل أن يكون جواب قوله: (أنزلني منزلا مباركا) [المؤمنون: 29] والبركة: هو اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.

(بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام لما سلموا من الغرق، والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع...

ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: (العاقبة للمتقين) [الأعراف: 128 وهود: 49 والقصص: 83]... فذلك قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أخبر أنه يمتعهم، ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضا في هذه الدنيا بأنواع المنافع. ثم أخبر أن (العاقبة للمتقين) ثم جعل العاقبة بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما؛ أعني الكفرة، والله أعلم. وقوله تعالى: (وعلى أمم ممن معك) ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كان معه نفر، ولكنه أراد، والله أعلم، الأمم التي كانت من بعده. كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك. فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل عليهم السلام دين واحد وإن اختلفت شرائعهم لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح. دل أنهم كانوا جميعا على دينه، وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه (رب اغفر لي ولوالدي) الآية [نوح: 28] دعاء بالمغفرة له ولكل مؤمن ومؤمنة، يكون من بعده، وكذلك يلحق كل كافر دعاؤه (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) [نوح: 28]...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" وعلى أمم ممن معك "فالأمة: الجماعة الكثيرة على ملة واحدة متفقة، لأنه من أمَّه يؤمه أمَّا إذا قصده، أو الاتفاق في المنطق على نحو منطق الطير والمأكل والمشرب والمنكح، حتى قيل: إن الكلاب أمة. وقيل في معناه -هنا- قولان: أحدهما -أنه أراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، فأخرج الله أمما من نسلهم وجعل فيهم البركة. وقال قوم: يعني بذلك الأمم من سائر الحيوان الذين كانوا معه، لأن الله تعالى جعل فيها البركة، وتفضل عليها بالسلامة حتى كان منها نسل العالم.

"وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم" معناه إنه يكون من نسلهم أمم سيمتعهم الله في الدنيا بضروب من النعم، فيكفرون نعمه ويجحدون ربوبيته، فيهلكهم الله. ثم يمسهم بعد ذلك عذاب مؤلم موجع...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

طَهَّرَ وجهَ الأرضِ من أعدائه، وحفظ نوحاً عليه السلام من بلائه، هو ومن معه من أصدقائه وأقربائه. والأممُ التي أخبر أنه سَيُمَتِّعُهم ثم يَمَسُّهم العذابُ هم الذين ليسوا من أهل السعادة...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{منا وبركات عليك} وذلك أنه صار أبا البشر لأن جميع من بقي كانوا من نسله {وعلى أمم ممن معك} أي من أولادهم وذراريهم وهم المؤمنون وأهل السعادة إلى يوم القيامة {وأمم سنمتعهم} في الدنيا يعني الأمم الكافرة من ذريته إلى يوم القيامة...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(وبركات عليك) البركة: ثبوت الخير، ومنه بروك البعير. وقيل: إن البركة هاهنا هو أن الله سبحانه وتعالى جعله آدم الأصغر، فأهلك سائر من معه من غير نسل، وجعل النسل من ذريته إلى قيام الساعة. وقوله: (وعلى أمم ممن معك) معناه: على ذرية أمم ممن معك...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

المعنى: أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله: {اهبط} يحتمل أن يكون أمرا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل. وأن يكون أمرا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية.

المسألة الثانية: أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا، ثم بالبركة ثانيا،

أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين:

الأول: أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحا عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} فكان نوح عليه السلام محتاجا إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له: {يا نوح اهبط بسلام منا} حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين.

والثاني: أن ذلك الغرق لما كان عاما في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله تعالى: {اهبط بسلام منا} زال عنه ذلك الخوف، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء، والثبات، ونيل الأمل، ومنه بروك الإبل، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، ومنه تبارك وتعالى، أي ثبت تعظيمه، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء.

فالقول الأول: أنه تعالى صير نوحا أبا البشر، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل: إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته، فالخلق كلهم من نسله وذريته، وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده، والدليل عليه قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} فثبت أن نوحا عليه السلام كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها.

والقول الثاني: أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات السلامة، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: {وعلى أمم ممن معك} واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال... والمختار هو [هذا] القول..

واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين:

أحدهما: الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان.

والثاني: أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر. قال المفسرون: دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، ثم قال أهل التحقيق: إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه، لأنه قال: {بسلام منا} وهذا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة. ولكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله تعالى، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير، والفرح بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير، والأول: نصيب عامة الخلق، والثاني: نصيب المقربين...

وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيبا من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر البتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا. ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية...

.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

كأنه قيل: ماذا أجيب عن ذلك؟ فقيل: {قيل} بالبناء للمفعول دلالة على العظمة والجلال الذي تكون الأمور العظيمة لأجله بأدنى إشارة {يا نوح اهبط} أي من السفينة {بسلام} أي عظيم {منا} أي ومن سلمنا عليه فلا هلك يلحقه {وبركات} أي خيرات نامية عظيمة صالحة {عليك} أي خاصة بك {وعلى أمم} ناشئة {ممن معك} لكونهم على ما يرضينا ولا نمتعهم بالدنيا إلا قليلاً، ولهم إذا رجعوا إلينا نعيم مقيم، وقد دخل في هذا الكلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة {وأمم} أي منهم {سنمتعهم} في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش على وفق علمنا وإرادتنا ولا بركات عليهم منا ولا سلام، فالآية من الاحتباك: ذكر البركات والسلام أولاً دليلاً على نفيهما ثانياً، والمتاع ثانياً، دليلاً على حذفه أولاً {ثم يمسهم منا} أي في الدارين أو في الآخرة أو فيهما {عذاب أليم} لجريهم على غير هدينا وجرأتهم على ما يسخطنا، ويجوز أن يكون {وأمم} مبتدأ من غير تقدير صفة محذوفة، فيكون المسوغ للابتداء كون المقام مقام التفضيل؛ والعياذ: طلب النجاة بما يمنع من الشر؛ والبركة: ثبوت الخير بنمائه حالاً بعد حال، وأصله الثبوت، ومنه البروك والبركة لثبوت الماء فيها...

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

{بسلام} أي ملتبساً بسلامة مما تكره كائنة {مِنَّا} أي من جهتنا، ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم والتحية أي مسلماً عليك من جهتنا {وبركات عَلَيْكَ} أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق، أو مباركاً عليك أي مدعواً لك بالبركة بأن يقال: بارك الله تعالى فيك وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم فيكون كقوله: السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

كانت خاتمة المطاف: النجاة والبشرى له ولمن يؤمن من ذريته؛ والوعيد والتهديد لمن يريدون منهم متاع الحياة الدنيا ثم يمسهم العذاب الأليم.. ذات البشرى وذات الوعيد، اللذان مرا في مقدمة السورة. فجاء القصص ليترجمهما في الواقع المشهود...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

البركات: الخيرات النامية، واحدتها بركة، وهي من كلمات التحية مستعملة في الدعاء. ولما كان الداعون بلفظ التحيّة إنما يسألون الله بدعاء بعضهم لبعض فصدور هذا الدعاء من لدنه قائم مقام إجابة الدعاء فهو إفاضة بركات على نوح عليه السّلام ومن معه، فحصل بذلك تكريمهم وتأمينهم والإنعام عليهم...

و (مِن) في {ممّن معك} ابتدائية، و (مَن) الموصولة صادقة على الذين ركبوا مع نوح عليه السّلام في السفينة. ومنهم ابناؤه الثلاثة. فالكلام بشارة لنوح عليه السّلام ومن معه بأن الله يجعل منهم أمماً كثيرة يكونون محلّ كرامته وبركاته. وفيه إيذان بأن يجعل منهم أمماً بخلاف ذلك، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله: {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم}. وهذا النظم يقتضي أن الله بدأ نوحاً بالسلام والبركات وشرّك معه فيهما أمماً ناشئين ممن هم معه، وفيهم الناشئون من نوح عليه السلام لأن في جملة من معه أبناءه الثلاثة الذين انحصر فيهم نسله من بعده. فتعين أن الذين معه يشملهم السلام والبركات بادئ بدء قبل نسلهم إذ عُنون عنهم بوصف معية نوح عليه السّلام تنبيهاً على سبب كرامتهم. وإذ كان التنويه بالناشئين عنهم إيماء إلى أن اختصاصهم بالكرامة لأجل كونهم ناشئين عن فئة مكرمة بمصاحبة نوح عليه السّلام، فحصل تنويه نوح عليه السّلام وصحبته ونسلهم بطريق إيجاز بديع. وجملة {وأمم سنمتعهم} إلخ، عطف على جملة {اهبط بسلام منا} إلى آخرها، وهي استئناف بياني لأنّها تبيين لما أفاده التنكير في قوله: {وعلى أمم ممن معك} من الاحتراز عن أمم آخرين...

والمقصود: تحذير قوم نوح من اتباع سبيل الذين أغرقوا، والمقصود من حكاية ذلك في القرآن التعريض بالمشركين من العرب فإنهم من ذريّة نوح ولم يتبعوا سبيل جدّهم، فأشعروا بأنّهم من الأمم التي أنبأ الله نوحاً بأنه سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} فقد منحه الله نعمة السلام الروحيّ المتمثل في الطمأنينة النفسية التي تشيع في داخله، والسلام الإلهيّ الذي يتمثل في رحمة الله المرفرفة حوله. كما أعطاه نعمة البركات الفيّاضة التي تجعل منه عنصر خير ونفع للناس وللحياة من حوله، {وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} أي واهبط أنت وأمم معك بسلام منا وبركات، لأنهم اتبعوك وآمنوا بك، وشاركوك في خط جهادك الطويل، فكان لهم من الخير والثواب ما كان لك، {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} وهذه جملة مستأنفةً تشير إلى أن المستقبل سيتمخّض عن أممٍ أخرى لا تؤمن بك وبالرسالات والرسل من بعدك، بل تتحرك في خط الكفر والضلال والعصيان، وسنمتّعهم ما امتدت بهم الحياة التي قدّرناها لهم، ولكنهم لن يفلتوا من العقاب، مهما امتدّ بهم العمر، وأقبلت عليهم الحياة، بل سيواجهون نتائج المسؤولية وجهاً لوجه يوم القيامة {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}...