روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (66)

{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } بعد أن عاينت منكم ما أجرى المدامع { حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله } أي حتى تعطوني ما أوتوثق به من جهته ، فالموثق مصدر ميمي بمعنى المفعول ، وأراد عليه السلام أن يحلفوا له بالله تعالى وإنما جعل الحلف به سبحانه موثقاً منه لأنه مما تؤكد العهود به وتشدد وقد أذن الله تعالى بذلك فهو إذن منه تعالى بذلك فهوإذن منه تعالى شأنه { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب قسم مضمر إذ المعنى حتى تحلفوا بالله وتقولوا والله لنأتينك به .

وفي مجمع البيان نقلاً عن ابن عباس أنه عليه السلام طلب منهم أن يحلفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ، والظاهر عدم صحة الخبر . وذكر العمادي أنه عليه السلام قال لهم : قولوا بالله رب محمد صلى الله عليه وسلم لنأتينك به { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعاً وكلاهما مروي عن مجاهد ، وأصله من إحاطة العدو واستعماله في الهلاك لأن من أحاط به العدو فقد هلك غالباً ، والاستثناء قيل مفرغ من أعم الأحوال والتقدير لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم . ورد بأن المصدر من { ءانٍ } والفعل لا يقع موقع الحال كالمصدر الصريح فيجوز جئتك ركضاً أي راضاً دون جئتك أن تركض وإن كان في تأويله لما أن الحال عندهم نكرة و { ءانٍ } مع ما في حيزها معرفة في رتبة الضمير . وأجيب بأنه ليس المراد بالحال الحال المصطلح عليها بل الحال اللغوية ، ويؤل ذلك إلى نصب المصدر المؤول على الظرفية وفيه نظر . وفي «البحر » أنه لو قدر كون { ءانٍ } والفعل في موقع المصدر الواقع ظرف زمان أي لتأتنني به في كل وقت إلا إحاطة بكم أي إلا وقت إحاطة بكم لم يجز عند ابن الأنباري لأنه يمنع وقوع المصدر المؤول ظرفاً ويشترط المصدر الصريح فيجوز خرجنا صياح الديك دون خرجنا أن يصيح الديك أو ما يصيح الديك ، وجاز عند ابن جني المجوز لذاك كما في قول أبي ذؤيب الهذلي :

وتالله ما إن شهلة( {[407]} ) أم واحد *** بأوجد مني أن يهان صغيرها

وقيل : من أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتنني ولا تمتنعن من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم : أقسمت عليك إلا فعلت أي ما أطلب إلا فعلك ، والظاهر اعتبار التأويل على الوجه الأول أيضاً فإن الاستثناء فيه مفرغ كما علمت ، وهو لا يكون في الإثبات إلا إذا صح وظهر إرادة العموم فيه نحو قرأت إلا يوم الجمعة لإمكان القراءة في كل يوم غير الجمعة وهنا غير صحيح لأن لا يمكن لإخوة يوسف عليه السلام أن يأتوا بأخيهم في كل وقت وعلى كل حال سوى وقت الإحاطة بهم لظهور أنهم لا يأتون به له وهو في الطريق أو في مصر اللهم إلا أن يقال : إنه من ذلك القبيل وأن العموم والاستغراق فيه عرفي أي في كل حال يتصور الاتيان فيها ، وتعقب المولى أبو السعود تجويز الأول بلا تأويل بقوله : وأنت تدري أنه حيث لم يكن الاتيان من الأفعال الممتدة الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في قولك : لألزمنك إلا أن تقضيني حقي ولم يكن مراده عليه السلام مقارنته على سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة كما إذا قلت : صل إلا أن تكون محدثاً بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك : لأحجن العام إلا أن أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عن الحج لا الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادك في مثال الصلاة كان اعتبار الأحوال معه من حيث عدم منعها منه ، فآل المعنى إلى التويل المذكور اه .

وبحث فيه واحد من الفضلاء بثلاثة أوجه . الأول : أنه لو كان المراد من قوله : { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } الإخبار بمجرد تحقق الإتيان ووقوعه من غير إخلال به لم يحتج إلى التأويل المذكور أعني التأويل بالنفي كما لا يخفى على المتأمل فكلامه يفيد خلاف مراده . الثاني : أنا سلمنا أن ليس مراد القائل من قوله : لأحجن الخ الإخبار بمقارنة الحج لما عدا حال الإحصار على سبيل البدل لكن لا نسلم أن ليس مراده منه إلا الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عنه غايته أن بينهما ملازمة وذاك لا يستلزم الاحتياج إلى التأويل بالنفي . الثالث : أنه إن أراد من قوله : كان اعتبار الأحوال الخ أن الاتيان به لم يكن معه اعتبار الأحوال كما هو الظاهر فممنوع ، وإن أراد أن اعتبار الأحوال معه يستلزم حيثية عدم منعها منه فمسلم لكن لا يلزم منه الاحتياج إلى التأويل المذكور أيضاً وليس المدعي إلا ذاك اه وهو كما ترى فتبصر ، ثم إنهم أجابوه عليه السلام إلى ما أراد { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم من الله تعالى حسبما أراد عليه السلام { قَالَ } عرضاً لثقته بالله تعالى وحثاً لهم على مراعاة حلفهم به عز وجل { الله على مَا نَقُولُ } في أثناء طلب الموثق وإيتائه من الجانبين ، وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة المؤدى إلى تثبتهم ومحافظتهم على تذكره ومراقبته { وَكِيلٌ } أي مطلع رقيب ، فإن الموكل بالأمر يراقبه ويحفظه ، قيل : والمراد أنه سبحانه مجاز على ذلك .


[407]:- امرأة شهلة بالشين إذا كانت نصفا عاقلة اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (66)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} أبوهم: {لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله}، يعني تعطوني عهدا من الله، {لتأتنني به}، يعني بنيامين ولا تضيعوه كما ضيعتم أخاه يوسف، {إلا أن يحاط بكم}، يعني يحيط بكم الهلاك فتهلكوا جميعا، {فلما ءاتوه موثقهم} يعني عهدهم، {قال} يعقوب: {الله على ما نقول وكيل}، يعني شهيدا بيني وبينكم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم إلى ملك مصر "حتى تُؤتُون مَوْثِقا مِنَ اللّهِ "يقول: حتى تُعْطون موثقا من الله، بمعنى الميثاق، وهو ما يوثق به من يمين وعهد، "لَتَأتُنّنِي بِهِ" يقول لتأتنني: بأخيكم، "إلاّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ" يقول: إلا أن يحيط بجميعكم ما لا تقدرون معه على أن تأتوني به... عن مجاهد، قوله: "إلاّ أنْ يُحاطَ بِكُمْ": إلا أن تهلكوا جميعا...

وقوله: "فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ" يقول: فلما أعطوه عهودهم، قال يعقوب: "اللّهُ على ما نَقُولُ أنا وأنتم وَكِيلٌ" يقول: هو شهيد علينا بالوفاء بما نقول جميعا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(لتأتنني به) فيه دلالة أنه وإن قال: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين} واعتمد في الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من الله. وهذا أمر ظاهر بين الناس، وإن كان اعتمادهم على الله، وإليه يكلون جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون الحفظ، فإنه يأخذ بعضهم من بعض المواثيق والعهود، فعلى ذلك يعقوب؛ إنه أخبر أن اعتماده وتوكله في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعد ما أخذ منهم العهود والمواثيق بقوله: (لتأتنني به إلا أن يحاط بكم)...

{فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ} يعقوب {اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والموثق: العقد المؤكد بالقسم، وإنما قال موثقا من الله، وإنما هو موثق من أنفسهم لأن المعنى موثقا من جهة إشهاد الله أو القسم بالله، فأما على أنفسهم، فهو العقد عليها بما لا يجوز حله لها...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إنَّ الحَذَرَ لا يُغْني من القَدَر. وقد عَمِل يعقوب -عليه السلام- معهم في باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يُغْنِ عنه اجتهادُه، وحَصَلَ ما حكم به الله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} مناف لحالي وقد رأيت منكم ما رأيت -إرساله معكم {حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله} حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله، أراد أن يحلفوا له بالله: وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدّد. وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} جواب اليمين؛ لأن المعنى: حتى تحلفوا لتأتنني به {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا الإتيان به. أو إلا أن تهلكوا. فإن قلت: أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال؟ قلت: {أَن يُحَاطَ بِكُمْ} مفعول له، والكلام المثبت الذي هو قوله {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} في تأويل النفي. معناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أي: لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة واحدة: وهي أن يحاط بكم... {على مَا نَقُولُ} من طلب الموثق وإعطائه {وَكِيلٌ}: رقيب مطلع.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه: العهد الذي يوثق به، فهو مصدر بمعنى المفعول يقول: لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا موثوقا به وقوله: {من الله} أي عهدا موثوقا به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه...

{فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل} يريد شهيد، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قال} أي يعقوب عليه الصلاة والسلام {لن أرسله} أي بنيامين كائناً {معكم} أي في وقت من الأوقات {حتى تؤتون} من الإيتاء وهو الإعطاء، أي إيصال الشيء إلى الأخذ {موثقاً} وهو العقد المؤكد.

ولما كان مراده موثقاً ربانياً، وكان الموثق الرباني -وهو ما كان بأسمائه تعالى لكونه أذن سبحانه فيه وأمر بالوثوق به- كأنه منه، قال: {من الله} أي الملك الأعظم بأيمان عظيمة: والله {لتأتنَّني} كلكم {به} من الإتيان، وهو المجيء في كل حال {إلا} في حال {أن يحاط} أي تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب، لا طاقة لكم بها {بكم} فتهلكوا من عند آخركم، كل ذلك زيادة في التوثيق، لما حصل له من المصيبة بيوسف عليه الصلاة والسلام وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله، وهذا من باب "اعقلها وتوكل "فأجابوه إلى جميع ما سأل {فلما آتوه} أي أعطاه بنوه {موثقهم قال الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {على ما نقول وكيل} هو القادر على الوفاء به المرجو للتصرف فيه بالغبطة، لا أنتم.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ونلحظ هنا رقة قلب يعقوب وقرب موافقته على إرسال ابنه "بنيامين "معهم إلى مصر، هذه الرقة التي بدت من قبل في قوله: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين} وطلب منهم أن يحلفوا بيمين موثقة أن يعودوا من رحلتهم إلى مصر، ومعهم أخوهم "بنيامين" إذا ما ذهب معهم؛ ما لم يحط بهم أمر خارج عن الإرادة البشرية، كأن يحاصرهم أعداء يضيعونهم ويضيعون بنيامين معهم؛ وهذا من احتياط النبوة؛ لذلك قال: {إلا أن يحاط بكم} وأقسم أبناء يعقوب على ذلك، وأعطوا أباهم اليمين والعهد على رد بنيامين، وليكون الله شهيدا عليهم. قال يعقوب: {الله على ما نقول وكيل} أي: أنه سبحانه مطلع ورقيب، فإن خنتم فسبحانه المنتقم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

فقد كان القلق يفترس مشاعره، ويأكل قلبه، مما جعله يعيش الصراع بين الإذن لهم في اصطحابه معهم، وبين الامتناع عن ذلك، لأن تجربته السابقة معهم كانت حاضرة في ذهنه وقلبه وتوحي له بعدم الثقة بهم. إنه يبحث عن أساس للثقة، لا مجال لتحصيله إلا بالكشف عن المستقبل من خلال الغيب ليحصل على الاطمئنان، فطلب منهم أن يعطوه المواثيق على الالتزام بحمايته، بكل ما يملكون من إمكانات ووسائل، بحيث يستنفذون كل إمكاناتهم في هذا السبيل، ولا يبقى لهم مجال لاستخدام اية وسيلة ممكنة إلا إذا كان هناك جمع كبير يحيط بهم مما لا يستطيعون الثبات أمامه، وهذا ما يُعذر به الناس في مثل هذه الأمور. وهكذا طلب منهم أن يحلفوا، ويعطوا المواثيق والعهود على ذلك كله {فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} فهو الشاهد على ذلك، وهو الكفيل بإتمامه، لأنه المهيمن على الأمر كله...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وفي كلّ الأحوال رفض يعقوب إرسال ابنه بنيامين معهم، ولكنّه كان يواجه إصرار أولاده بمنطقهم القوي بحيث اضطرّ إلى التنازل على مطلبهم ولم يَر بدّاً من القبول، ولكنّه وافق بشرط: (قال لن أرسله معكم حتّى تؤتون موثقاً من الله لتأتنّني به إلاّ أن يحاط بكم)، والمقصود من قوله (موثقاً من الله) هو العهد واليمين المتضمّن لاسم الله سبحانه وتعالى، وأمّا جملة (إلاّ أن يحاط بكم) فهي في الواقع بمعنى إلاّ إذا أحاطت بكم وغلبتكم الحوادث، ولعلّها إشارة إلى حوادث الموت أو غيرها من الحوادث والمصائب التي تسلب قدرة الإنسان وتقصم ظهره وتجعله عاجزاً. وذكر هذا الاستثناء دليل بارز على ذكاء نبي الله يعقوب وفطنته، فإنّه برغم حبّه الشديد لولده بنيامين لكنّه لم يحمل أولاده بما لا يطيقوا وقال لهم: إنّكم مسؤولون عن سلامة ولدي العزيز وأنّي سوف أطلبه منكم إلاّ أن تغلبكم الحوادث القاهرة، فحينئذ لا حرج عليكم. وعلى كلّ حال فقد وافق اُخوة يوسف بدورهم على شرط أبيهم، وحينما أعطوه العهد والمواثيق المغلّظة قال يعقوب: (فلمّا أتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل).

بحوث:

بالنسبة للآيات السابقة فإنّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن، هو أنّه كيف وافق يعقوب على سفر بنيامين مع إخوته برغم ما أظهروه في المرّة السابقة من سوء المعاملة مع يوسف، إضافة إلى هذا فإنّنا نعلم أنّهم كانوا يبطنون الحقد والحسد لبنيامين وإن كان أخفّ من حقدهم وحسدهم على يوسف حيث وردت في الآيات الافتتاحية لهذه السورة قوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منّا ونحن عصبة) أي أنّ يوسف وأخاه أحبّ إلى أبينا برغم ما نملكه نحن من قوّة وكثرة. لكن تظهر الإجابة على هذا السؤال إذا لاحظنا أنّه قد مضى ثلاثون إلى أربعين سنة على حادثة يوسف، وقد صار إخوة يوسف الشبّان كهولا، ومن الطبيعي أنّهم نضجوا أكثر من السابق، كما وقفوا على الآثار السلبية والسيّئة لما فعلوه مع يوسف، سواء في داخل أُسرتهم أم في وجدانهم، حيث أثبتت لهم تجارب السنين السالفة أنّ فقد يوسف كان لا يزيد حبّ أبيهم لهم، بل ازداد نفوره منهم وخلق لهم مشاكل جديدة. إضافةً إلى هذه الأُمور فإنّ يعقوب لم يواجه طلباً للخروج إلى التنزّه والصيد، بل كان يواجه مشكلة مستعصية مستفحلة، وهي إعداد الطعام لعائلة كبيرة وفي سنوات القحط والمجاعة. فمجموع هذه الأُمور أجبرت يعقوب على الرضوخ لطلب أولاده والموافقة على سفر بنيامين ولكنّه أخذ منهم العهود والمواثيق على أن يرجعوه سالماً.

السؤال الآخر الذي نواجهه هنا هو أنّه هل الحلف وأخذ العهد والمواثيق منهم كان كافياً لكي يوافق يعقوب على سفر بنيامين معهم؟ الجواب: أنّه من الطبيعي أنّ مجرّد الحلف واليمين لم يكن كافياً لذلك، ولكن في هذه المرّة كانت الشواهد والقرائن تدلّ على أنّ هناك حقيقة واضحة قد برزت إلى الوجود، وهي خالية عن محاولات الخداع والتضليل (كما هو الحال في المرّة السابقة) ففي مثل هذه الصورة لا سبيل لتأكيد هذه الحقيقة وجعلها أقرب إلى التنفيذ سوى العهد واليمين...