{ وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } أي لا أنزهها عن السوء قال ذلك عليه السلام : هضما لنفسه البرية عن كل سوء وتواضعاً لله تعالى وتحاشياً عن التزكية والإعجاب بحالها على أسلوب قوله صلى الله عليه وسلم : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر »( {[403]} ) أو تحديثاً بنعمة الله تعالى وإبرازاً لسره المكنون في شأن أفعال العباد أي لا أنزهها من حيث هي هي ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله سبحانه بل إنما ذلك بتوفيقه جل شأنه ورحمته ، وقيل : إنه أشار بذلك إلى أن عدم التعرض لم يكن لعدم الميل الطبيعي بل لخوف الله تعالى : { إنَّ النفس } البشرية التي من جملتها نفسي في حد ذاتها { لامَّارَةٌ } لكثيرة الأمر { بالسوء } أي بجنسه ، والمراد أنها كثيرة الميل إلى الشهوات مستعملة في تحصيلها القوى والآلات . وفي كثير من التفاسير أنه عليه السلام حين قال : { لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف : 52 ] قال له جبريل عليه السلام : ولا حين هممت ؟ فقال : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } الخ ، وقد أخرجه الحاكم في تاريخه . وابن مردويه بلفظ قريب من هذا عن أنس مرفوعاً ، وروي ذلك عن ابن عباس . وحكيم بن جابر . والحسن . وغيرهم ، وهو إن صح يحمل الهم فيه على الميل الصادر عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق العزم والقصد ، وقيل : لا مانع من أن يحمل على الثاني ويقال : إنه صغيرة وهي تجوز على الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة ، ويلتزم أنه عليه السلام لم يكن إذا ذاك نبياً .
والزمخشري جعل ذلك وما أشبهه من تلفيق المبطلة وبهتهم على الله تعالى ورسوله ، وارتضاه وهو الحرى بذلك ابن المنير وعرض بالمعتزلة بقوله : وذلك شأن المبطلة من كل طائفة { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } قال ابن عطية : الجمهور على أن الاستثناء منقطع و { مَا } مصدرية أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف عنها السوء على حد ما جوز في قوله سبحانه : { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ * إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } [ يس : 43 ، 44 ] وجوز أن يكون استثناء من أعم الأوقات و { مَا } مصدرية ظرفية زمانية أي هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت رحمة ربي وعصمته ، والنصب على الظرفية لا على الاستثناء كما توهم ، لكن فيه التفريغ في الإثبات والجمهور على أنه لا يجوز إلا بعد النفي أو شبهه . نعم أجازه بعضهم في الإثبات إن استقام المعنى كقرأت إلا يوم الجمعة . وأورد على هذا بأنه يلزم عليه كون نفس يوسف وغيره من الأنبياء عليهم السلام مائلة إلى الشهوات في أكثر الأوقات إلا أن يحمل ذلك على ما قبل النبوة بناءاً على جواز ما ذكر قبلها أو يراد جنس النفس لا كل واحدة .
وتعقب بأن الأخير غير ظاهر لأن الاستثناء معيار العموم ولا يرد ما ذكر رأساً لأن المراد هضم النوع البشري اعترافاً بالعجز لولا العصمة على أن وقت الرحمة قد يعم العمر كله لبعضهم اه ، ولعل الأولى الاقتصار على ما في حيز العلاوة فتأمل ، وأن يكون استثناءً من النفس أو من الضمير المستتر في أمارة الراجع إليها أي كل نفس أمارة بالسوء إلا التي رحمها الله تعالى وعصمها عن ذلك كنفسي أو من مفعول أمارة المحذوف أي أمارة صاحبها إلا ما رحمه الله تعالى ، وفيه وقوع { مَا } على من يعقل وهو خلاف الظاهر ، ولينظر الفرق في ذلك بينه وبين انقطاع الاستثناء { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } عظيم المغفرة فيغفر ما يعتري النفس بمقتضى طباعها ومبالغ في الرحمة فيعصمها من الجريان على موجب ذلك ، والإظهار في مقام الإضمار مع التعرض لعنوان الربوبية لتربية مبادىء المغفرة والرحمة ، ولعل تقديم ما يفيد الأولى على ما يفيد الثانية لأن التخلية مقدمة على التحلية ، وذهب الجبائي واستظهره أبو حيان إلى أن { ذلك لِيَعْلَمَ } [ يوسف : 52 ] إلى هنا من كلام امرأة العزيز ، والمعنى ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ليعلم يوسف إني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس أمارة بالسوء إلا نفساً رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف عليه السلام إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيم له . وتعقب ذلك صاحب الكشف بأنه ليس موجبه إلا ما توهم من الاتصال الصوري وليس بذاك ، ومن أين لها أن تقول : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } بعد ما وضح ولا كشية الأبلق أنها أمها يرجع إليها طمها ورمها .
ومن الناس من انتصر له بأن أمر التعليل ظاهر عليه ، وهو على تقدير جعله من كلامه عليه السلام غير ظاهر لأن علم العزيز بأنه لم يكن منه ما قرف به إنما يستدعي التفتيش مطلقاً لا خصوص تقديمه على الخروج حين طلبه الملك والظاهر على ذلك التقدير جعله له . وأجيب بأن المراد ليظهر علمه على أتم وجه وهو يستدعي الخصوص ، ويساعد على إرادة ظهور العلم أن أصل العلم كان حاصلاً للعزيز قبل حين شهد شاهد من أهلها وفيه نظر ، ويمكن أن يقال : إن في التثبت وتقديم التفتيش على الخروج من مراعاة حقوق العزيز ما فيه حيث لم يخرج من جنسه قبل ظهور بطلان ما جعله سبباً له مع أن الملك دعاه إليه ، ويترتب على ذلك علمه بأنه لم يخنه في شيء من الأشياء أصلاً فضلاً عن خيانته في أهله لظهور أنه عليه السلام إذا لم يقدم على ما عسى أن يتوهم أنه نقض لما أبرمه مع قوة الداعي وتوفر الدواعي فهو بعدم الإقدام على غيره أجدر وأحرى ، فالعلة للتثبت مع ما تلاه من القصة هي قصد حصول العلم بأنه عليه السلام لم يكن منه ما يخون به كائناً ما كان مع ما عطف عليه ، وذلك العلم إنما يترتب على ما ذكر لا على التفتيش ولو بعد الخروج كما لا يخفى ، أو يقال : إن المراد ليجري على موجب العلم بما ذكر بناءً على التزام أنه كان قبل ذلك عالماً به لكنه لم يجر على موجب علمه وإلا لما حبسه عليه السلام فيتلافى تقصيره بالإعراض عن تقبيح أمره أو بالثناء عليه ليحظى عند الملك ويعظمه الناس فتينع من دعوته أشجارها وتجري في أودية القلوب أنهارها ، ولا شك أن هذا مما يترتب على تقديم التفتيش كما فعل ، وليس ذلك مما لا يليق بشأنه عليه السلام بل الأنبياء عليهم السلام كثيراً ما يفعلون مثل ذلك في مبادىء أمرهم ؛ وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعطي الكافر إذا كان سيد قومه ما يعطيه ترويجاً لأمره ، وإذا حمل قوله عليه السلام لصاحبه الناجي
{ اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف : 42 ] على مثل هذا كما فعل أبو حيان تناسب طرفا الكلام أشد تناسب ، وكذا لو حمل ذاك على ما اقتضاه ظاهر الكلام وتظافرت عليه الأخبار .
وقيل : هنا : إن ذلك لئلا يقبح العزيز أمره عند الملك تمحلاً لإمضاء ما قضاه ، ويكون ذلك من قبيل السعي في تحقيق المقتضى لخلاصه وهذا من قبيل التشمير لرفع المانع لكنه مما لا يليق بجلالة شأنه عليه السلام .
/ ولعل الدعاء بالمغفرة في الخبر السالف على هذا إشارة إلى ما ذكر ، ويقال : إنه عليه السلام إنما لم يعاتب عليه كما عوتب على الأول لكونه دونه مع أنه قد بلغ السيل الزبى ، ولا يخفى أن عوده عليه السلام لما يستدعي أدنى عتاب بالنسبة إلى منصبه بعد أن جرى ما جرى في غاية البعد ، ومن هنا قيل : الأولى أن يجعل ما تقدم كما تقدم ويحمل هذا على أنه عليه السلام أراد به تمهيد أمر الدعوة إلى الله تعالى جبراً لما فعل قبل واتباعاً لخلاف الأولى بالنظر إلى مقامه بالأولى ، وقيل : في وجه التعليل غير ذلك ، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أن هذا من تقديم القرآن وتأخيره وذهب إلى أنه متصل بقوله : { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة التى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يوسف : 50 ] الخ ويرد على ظاهره ما لا يخفى فتأمل جميع ما ذكرناه لتكون على بصيرة من أمرك . وفي رواية البزي عن ابن كثير . وقالون عن نافع أنهما قرآ { *بالسو } على قلب الهمزة واواً والإدغام .
( ومن باب الإشارة { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } [ يوسف : 53 ] إشارة إلى أن النفس بطبعها كثيرة الميل إلى الشهوات ؛ قال أبو حفص : النفس ظلمة كلها وسراجها التوفيق فمن لم يصحبه التوفيق كان في ظلمة ، وقد تخفى دسائس النفس إلى حيث تأمر بخير وتضمر فيه شراً ولا يفطن لدسائسها إلا لوذعي :
فخالف النفس والشيطان واعصمها *** وإن هما محضاك النصح فاتهم
وذكر بعض السادة أن النفس تترقى بواسطة المجاهدة والرياضة من مرتبة كونها أمارة إلى مرتبة أخرى من كونها لوامة وراضية ومرضية ومطمئنة وغير ذلك وجعلوا لها في كل مرتبة ذكراً مخصوصاً وأطنبوا في ذلك فيرجع إليه
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول يوسف صلوات الله عليه:"وَما أُبَرّئ نَفْسِي" من الخطأ والزلل فأزكيَها. "إنّ النّفْسَ لأمّارَةٌ بالسّوءِ "يقول: إن النفوس نفوس العباد تأمرهم بما تهواه وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله "إلاّ ما رَحِمَ رَبّي" يقول: إلا أن يرحم ربي من شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواها وطاعته فيما تأمره به من السوء. "إنّ رَبّي غَفُورٌ رَحِيمٌ".ويعني بقوله: "إنّ رَبّي غَفُورٌ رَحيمٌ": أن الله ذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، بتركه عقوبته عليها وفضيحته بها، "رحيم" به بعد توبته أن يعذّبه عليها...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) أي عصم ربي، والله أعلم أنه إنما قال: (ذلك أني لم أخنه بالغيب) لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت خنته (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) أي ما عصم ربي؛ لأن النفس جبلت، وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات والهوي فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد...
{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}؛ يعني أن النفس كثيرة النزاع إلى السوء، فلا يبرئ نفسه وإن كان لا يطاوعها. وقد اختلف الناس في قائل هذا القول، فقال قائلون: هو من قول يوسف، وقال آخرون: هو من قول المرأة. الأمَّارةُ: الكثيرة الأمر بالشيء، والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه مما يقع الفعل من أجله؛ وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازاً في أول استعماله ثم كثر حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة، فيقال: نفسي تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له؛ وإنما لم يصحَّ أن يأمر الإنسان نفسه في الحقيقة لأن في الأمر ترغيباً للمأمور بتمليك ما لا يملك، ومحال أن يملك الإنسان نفسه ما لا يملكه لأن من ملك شيئاً فإنما يملك ما هو مالكه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكياً وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. « أنا سيد ولد آدم ولا فخر» وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال {وَمَا أُبَرّئ نَفْسِي} من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم. وإمّا أن يريد به عموم الأحوال. {إِنَّ النفس لأمَّارَةٌ بالسوء} أراد الجنس، أي إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات، {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّي} إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة. ويجوز أن يكون {مَا رَحِمَ} في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: {وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً} [يس: 43]...
المسألة الأولى: اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} كلام يوسف كان هذا أيضا من كلام يوسف، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضا كذلك. ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين؛ أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام... قال يوسف: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} أي بالزنا {إلا ما رحم ربي} أي عصم ربي {إن ربى غفور} للهم الذي هممت به {رحيم} أي لو فعلته لتاب علي. واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال: فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان:
الوجه الأول: أنه عليه السلام لما قال: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} كان ذلك جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها، وقال تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} فاستدرك ذلك على نفسه بقوله: {وما أبرئ نفسي} والمعنى: وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية.
والوجه الثاني: في الجواب أن الآية لا تدل البتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال: {أني لم أخنه بالغيب} بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة، بل لقيام الخوف من الله تعالى. أما إذا قلنا: إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان:
الأول:"وما أبرئ نفسي" عن مراودته، ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله: {هي راودتني عن نفسي}.
الثاني: أنها لما قالت: {ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب} قالت وما أبرئ نفسي عن الخيانة مطلقا فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان.
فإن قيل جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة؟ قلنا: جعله كلاما ليوسف مشكل، لأن قوله: {قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق} كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد، وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا، لأن قوله: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية...
التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :
فإن قيل: فكيف قال وقت ظهور براءته: {وما أبرئ نفسي}؟. قيل: هذا قد قاله جماعة من المفسرين، وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم. وقالوا: إن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف عليه السلام. والصواب معهم من وجوه: أحدها: أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها: {الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * وما أبرئ نفسي} [يوسف: 51. 53] ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما. والقول في مثل هذا لا يحذف، لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته: أن يحتمل الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعا. والثاني: أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن لما تكلمت بقولها: {الآن حصحص الحق} والسياق صحيح صريح في ذلك. فإنه لما أرسل إليه الملك يدعوه قال للرسول: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} [يوسف: 50]. فأرسل إليهم الملك وأحضرهن، وسألهن، وفيهن امرأته، فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته، ولم يمكنهن إلا قول الحق، فقال النسوة: {حاش لله ما علمنا عليه من سوء} [يوسف: 51]، وقالت امرأة العزيز: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين}. فإن قيل: لكن قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، ثم إنه قال: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} وهذا من تمام معرفته صلى الله عليه وسلم بربه ونفسه؛ فإنه لما أظهر براءته ونزاهته مما قذف به أخبر عن حال نفسه، وأنه لا يزكيها ولا يبرئها، فإنها أمارة بالسوء، لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه، فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر براءته. قيل: هذا وإن كان قد قاله طائفة فالصواب أنه من تمام كلامها، فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه، وهو قول النسوة: {ما علمنا عليه من سوء} وقول امرأة العزيز: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} هذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فهذا هو المذكور أولا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه، ويضمر فيه قول لا دليل عليه. فإن قيل: فما معنى قولها: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب}؟ قيل: هذا من تمام الاعتذار، قرنت الاعتذار بالاعتراف، فقالت ذلك، أي قولي هذا وإقراري ببراءته، ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته، وإن خنته في وجهه في أول الأمر، فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته، ثم اعتذرت عن نفسها بقولها: {وما أبرئ نفسي}، ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرئ نفسها، وهي أن النفس أمارة بالسوء...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان ذلك ربما جر إلى الإعجاب، قال: {وما أبرئ} أي تبرئة عظيمة {نفسي} عن مطلق الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة، أي لم أقصد بالبراءة عما تقدم مجرد التزكية للنفس، وعلل عدم التبرئة بقوله -مؤكداً لما لأكثر الناس من الإنكار، أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة -: {إن النفس} أي هذا النوع {لأمارة} أي شديدة الأمر {بالسوء} أي هذا الجنس دائماً لطبعها على ذلك في كل وقت {إلا ما} أي وقت أن {رحم ربي} بكفها عن الأمر به أو بستره بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به، أو إلا ما رحمه ربي من النفوس فلا يأمر بسوء؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً دفعاً لظن من يظن أنه لا توبة له: {إن ربي} أي المحسن إليّ {غفور} أي بليغ الستر للذنوب {رحيم} أي بليغ الإكرام لمن يريد...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة: (وما أبريء نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم).. إنها امرأة أحبت. امرأة تكبر الرجل الذي تعلقت به في جاهليتها وإسلامها، فهي لا تملك إلا أن تظل معلقة بكلمة منه، أو خاطرة ارتياح تحس أنها صدرت عنه! وهكذا يتجلى العنصر الإنساني في القصة، التي لم تسق لمجرد الفن، إنما سيقت للعبرة والعظة. وسيقت لتعالج قضية العقيدة والدعوة. ويرسم التعبير الفني فيها خفقات المشاعر وانتفاضات الوجدان رسما رشيقا رفيقا شفيفا. في واقعة كاملة تتناسق فيها جميع المؤثرات وجميع الواقعيات في مثل هذه النفوس، في ظل بيئتها ومؤثرات هذه البيئة كذلك. وإلى هنا تنتهي محنة السجن ومحنة الاتهام، وتسير الحياة بيوسف رخاء، الاختبار فيه بالنعمة لا بالشدة. وإلى هنا نقف في هذا الجزء من الظلال، وتتابع القصة سيرها في الجزء التالي إن شاء الله. انتهى الجزء الثاني عشر و يليه الجزء الثالث عشر مبدوءاً بقوله تعالى: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز، مضت في بقية إقرارها فقالت: {وما أبرئ نفسي}. وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها: {ذلك لِيَعْلَم أني لم أخنْه بالغيب} [سورة يوسف: 52] من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاءٌ بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت: {وما أبرئ نفسي}، أي ما أبرئ نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمّارة بالسوء وقد أمرتني بالسوء ولكنه لم يقع. فالواو التي في الجملة استئنافية، والجملة ابتدائية. وجلمة {إن النفس لأمارة بالسوء} تعليل لجملة {وما أبرئ نفسي}، أي لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب، لأن النفوس كثيرة الأمر بالسوء. والاستثناء في {إلا ما رحم ربي} استثناء من عموم الأزمان، أي أزمان وقوع السوء، بناءً على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كلّ الأوقات إلاّ وقت رحمة الله عبده، أي رحمته بأن يقيّض له ما يصرفه عن فعل السوء، أو يقيض حائلاً بينه وبين فعل السوء، كما جعل إباية يوسف عليه السلام من إجابتها إلى ما دعتْه إليه حائلاً بينها وبين التورط في هذا الإثم، وذلك لطف من الله بهما. ولذلك ذيلته بجملة {إن ربي غفور رحيم} ثناءً على الله بأنه شديد المغفرة لمن أذنب، وشديد الرحمة لعبده إذا أراد صرفه عن الذنب. وهذا يقتضي أن قومها يؤمنون بالله ويحرمون الحرام، وذلك لا ينافي أنهم كانوا مشركين فإن المشركين من العرب كانوا يؤمنون بالله أيضاً، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولُن الله} [سورة العنكبوت: 61] وكانوا يعرفون البر والذنب. وفي اعتراف امرأة العزيز بحضرة الملك عبرة بفضيلة الاعتراف بالحق، وتبرئة البريء مما ألصق به، ومن خشية عقاب الله الخائنين. وقيل: هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام متصل بقوله: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} الآية [سورة يوسف: 50]. وقوله: {قال ما خَطْبُكُنّ إذ رَاوَدْتُنّ يوسف} إلى قوله {وأن الله لا يهدي كَيْد الخائنين}...
هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم تحضر لتبرئ نفسها: {إن النفس لأمارة بالسوء} ومجيء قول الحق سبحانه المؤكد أن النفس على إطلاقها أمارة بالسوء؛ يجعلنا نقول: إن يوسف أيضا نفس بشرية. وقد قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كرد عليها حين قالت: {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهد كيد الخائنين} وكان من المناسب أن يرد يوسف عليه السلام بالقول: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} ويمكن أن ينسب هذا القول إلى يوسف كلون من الحرص على ألا يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهن عنه. وهذا لون من رحمة الله به؛ فهو كبشر مجرد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزلل. ومن لطف الله أن قال عن النفس: إنها أمارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كاف لطبيعة عمل النفس؛ فهي ليست آمرة بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي الأمر. لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائما أمارة بالسوء... وتستمر الآية: {إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53)} [يوسف] ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يحصن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى. والحق سبحانه هو القائل: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} فساعة تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسيا ويقوي قدرتك على مقاومة الداء؛ ويفجر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجا، وتطبقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طب علاجي وطب وقائي في آن واحد.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
يوسف (عليه السلام) يُخضع المجتمع لإيمانه القوي:
وهكذا وقفت هذه المرأة المتمرّدة المتعالية، خاشعةً أمام الله، في موقف نقدٍ ذاتيٍّ يدفعها إلى الجهر بالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها وإلصاق التهمة بيوسف، مرتكزةً في ذلك على القيم الفاسدة للمجتمع التي تعطي للقويّ الحقّ في إلصاق التهمة بالضعيف، وإدخاله السجن على ذنبٍ لم يرتكبه، ويبقى القوي خارج دائرة الإدانة، لأنه فوق مستوى الاتهام، على أساس التقاليد الطبقيّة، التي تجعل العدالة خاضعةً للتمييز العنصري، وقد كان لثبات يوسف بإيمانه القويّ، وشعوره بالقوّة الكبيرة داخل ذاته، وإصراره على تحمل أقسى الآلام مستقيماً على خط الرسالة أكبر الأثر في إخضاع المجتمع، الذي تمثل امرأة العزيز القمّة فيه، كما أضاف حاجة الملك إليه، عنصر قوة جديدة إلى رصيده قرّبه من مستوى الطبقة التي أدانته إن لم ترفعه فوقها، مما أحدث هزّةً عنيفةً في داخل الشعور، وحركةً يَقظَةً في أعماق الضمير، وهذا ما ساهم بإيضاح الحقيقة وإعلانها أمام الملأ، لا سَيّما أن الملك يريد ذلك. ولم تقف القضية عند حاجة الملك، بل امتدّت إلى داخل الروح، لتتحوّل إلى حالة مناجاةٍ ذاتيةٍ، تضع الظاهرة المنحرفة في موقعها الطبيعيّ من حركة الغرائز في داخل الجسد وحركة الانحراف في واقع النفس، لأن الغرائز عندما تستيقظ في الجسد وتلتهب، توحي للنفس بمختلف الأفكار والأهواء، وتدفعها إلى التمرد والعصيان والانحراف، ولكنها لا تقف أمام ذلك، في دائرة القضاء الحتميّ الذي لا فكاك منه، بل يمكن لها أن تتحرر منه في آفاق رحمة الله التي توحي للنفس بالهداية، وللخطوات بالاستقامة، وللإرادة المنحرفة بالتراجع نحو الإرادة المستقيمة، وهذا ما يعيشه الإنسان بين يدي الله في وقفته الخاشعة في حالة التوبة التي تتعلق بمغفرة الله ورحمته ليفسح لها المجال في رضوانه، ويقبلها في خطّ هداه. وقد نستوحي من موقف يوسف المتعالي على السجن، الواثق بنفسه، كيف يمكن للمؤمن العامل في سبيل الله، الداعي إلى دينه، أن يملك الإصرار على موقفه، في مواقع التحدي، ويتحمل الألم والحرمان، ليعطي الصورة الواضحة عن قوّة الموقف الإيماني المرتكز على العقيدة الحقّة، وليدفع الآخرين إلى التراجع عن مواقفهم المهزوزة، والانتقال إلى الخط الصحيح الذي يؤديّ بهم إلى الخير والرحمة والفلاح...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
والحال أنّه لا يبعد أنّ الإنسان حين يرتطم في حياته بصخرة صمّاء، تظهر في نفسه حالة من التيقّظ المقرون بالإحساس بالذنب والخجل، خاصّة أنّه لوحظ أنّ الهزيمة في العشق المجازي يجرّ الإنسان إلى طريق العشق الحقيقي «عشق الله». وبتعبير علم النفس المعاصر: إنّ تلك الميول النفسية المكبوتة يحصل فيها حالة ال«تصعيد» وبدلا من تلاشيها وزوالها فإنّها تتجلّى بشكل عال. ثمّ إنّ قسماً من الرّوايات التي تشرح حال امرأة العزيز في السنين الأخيرة من حياتها دليل على هذا التيقّظ والانتباه أيضاً. وبعد هذا كلّه فربط هاتين الآيتين بيوسف إلى درجة ما بعيدٌ، وهو خلاف الظاهر بحيث لا ينسجم مع أي من المعايير الأدبية للأسباب الآتية:
أوّلا: كلمة «ذلك» التي ذكرت في بداية الآية هي بعنوان ذكر العلّة، أي علّة الكلام المتقدّم الذي لم يكن سوى كلام امرأة العزيز فحسب، وربط هذا التذييل بكلام يوسف الوارد في الآيات السابقة أمر عجيب.
ثانياً: إذا كانت هاتان الآيتان بياناً لكلام يوسف فسيبدو بينهما نوع من التناقض والتضادّ، فمن جهة يقول: إنّي لم أخنه بالغيب، ومرّة يقول: وما اُبرئ نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسوء. وهذا الكلام لا يقوله إلاّ من يعثر أو يزل ولو يسيراً، في حين أنّ يوسف لم يصدر منه أي زلل.
وثالثاً: إذا كان مقصوده أن يعرف عزيز مصر أنّه بريء فهو من البداية «بعد شهادة الشاهد» عرف الواقع، ولذلك قال لامرأته: {استغفري لذنبك} وإذا كان مقصوده أنّه لم يخن الملك، فلا علاقة للملك بهذا الأمر، والتوسّل إلى تفسيرهم هذا بحجّة أنّ الخيانة لامرأة العزيز خيانة للملك الجبّار، فهو حجّة واهية كما يبدو خاصّة أنّ حاشية القصر لا يكترثون بمثل هذه المسائل. وخلاصة القول: إنّ هذا الارتباط في الآيات يدلّ على أنّ جميع ما ورد في السياق من كلام امرأة العزيز التي انتبهت وتيقّظت واعترفت بهذه الحقائق. ملاحظات:
ـ هذه عاقبة التقوى: رأينا في هذا القسم من قصّة يوسف أنّ عدوّته المعاندة «زليخا» اعترفت أخيراً بطهارته، كما اعترفت بذنبها وخطئها.. وببراءته.. وهذه عاقبة التقوى وطهارة الثوب، وهذا معنى قوله تعالى: (ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب). فكن طاهراً واستقم في طريق «الطهارة» فالله حاميك ولا يسمح للملوّثين أن يسيؤوا إليك.
ـ الهزائم التي تكون سبباً للتيقّظ لا تكون الهزائم هزائم دائماً، بل ـ في كثير من الأحيان ـ تعدّ الهزيمة هزيمةً في الظاهر إلاّ أنّها في الباطن نوع من الانتصار المعنوي، وهذه هي الهزائم التي تكون سبباً لتيقّظ الإنسان، وتشقّ حجب الغفلة والغرور عنه، وتعدّ نقطة انعطاف جديدة في حياته. فامرأة العزيز التي تدعى «زليخا» أو «راعيل» وإن ابتُليت في عملها بأشدّ الهزائم، لكن هذه الهزيمة في مسير الذنب كانت سبباً لأنّ تنتبه ويتيقّظ وجدانها النائم، وأن تندم على ما فات من عملها.. والتفتت إلى ساحة الله. وما ينقل من قصتها بعد لقائها ليوسف وهو عزيز مصر آنئذ شاهد على هذا المدّعى... السعداء هم أُولئك الذين يصنعون من الهزائم انتصاراً:
ومن سوء الحظّ حظّاً حسناً، ومن أخطائهم طريقاً صحيحاً للحياة. وبالطبع فليس ردّ الفعل من قِبل جميع الأفراد إزاء الهزائم هكذا... فالأشخاص الضعاف حين تصيبهم الهزيمة ييأسون ويكتنف القنوط جميع وجودهم، وقد يؤدّي بهم إلى الانتحار وهذه هي الهزيمة الحقيقيّة. لكن الذين يشعرون بكرامتهم وشخصيّتهم، يسعون لأنّ يجعلوا الهزائم سلّماً لصعودهم وترقّيهم وجسراً لانتصارهم.
ـ الحفاظ على الشرف خير من الحرية الظاهرية:
رأينا أنّ يوسف لم يدخل السجن لطهارة ثوبه فحسب، بل لم يكن مستعدّاً للخروج من السجن حتّى يعود مبعوث الملك ويجري التحقيقات حول النسوة اللائي قطّعن أيديهن لتثبت براءته ويخرج من السجن مرفوع الرأس... لا أن يخرج كأي مجرم ملوّث يشمله عفو الملك!! وذلك ذلّ وأي ذلّ! وهذا درس لكلّ الناس في الماضي والحاضر والمستقبل.