{ وَرَبُّكَ الغفور } مبتدأ وخبر وقوله تعالى : { ذُو الرحمة } أي صاحبها والموصوف بها خبر بعد خبر ، قال الإمام : وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار والرحمة إيصال النفع وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول لأنه ترك مضار لا نهاية لها ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال .
وتعقبه النيسابوري بأنه فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله تعالى : { ذُو الرحمة } لا يخلو عن مبالغة وفي القرآن { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ البقرة : 173 ] بالمبالغة في الجانبين كثيراً ؛ وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي نظر لأن مقدراته تعالى متناهية لا فرق بين المتروك وغيره اه ، وقيل عليه إنهم فسروا الغفار بمريد إزالة العقوبة عن مستحقها والرحيم بمريد الانعام على الخلق وقصد المبالغة من جهة في مقام لا ينافي تركها في آخر لعدم اقتضائه لها ، وقد صرحوا بأن مقدوراته تعالى غير متناهية وما دخل منها في الوجود متناه ببرهان التطبيق اه ، وهو كلام حسن اندفع به ما أورد على الإمام . وزعمت الفلاسفة أن ما دخل في الوجود من المقدورات غير متناه أيضاً ولا يجري فيه برهان التطبيق عندهم لاشتراطهم الاجتماع والترتب ، ولعمري لقد قف شعري من ظاهر قول النيسابوري أن مقدوراته تعالى متناهية فإن ظاهره التعجيز تعالى الله سبحانه عما يقوله الظالمون علواً كبيراً ولكن يدفع بالعناية فتدبر ، ثم إن تحرير نكتة التفرقة بين الخبرين ههنا على ما قاله الخفاجي أن المذكور بعد عدم مؤاخذتهم بما كسبوا من الجرم العظيم وهو مغفرة عظيمة وترك التعجيل رحمة منه تعالى سابقة على غضبه لكنه لم يرد سبحانه إتمام رحمته عليهم وبلوغها الغاية إذ لو أراد جل شأنه ذلك لهداهم وسلمهم من العذاب رأساً ، وهذه النكتة لا تتوقف على حديث التناهي وعدم التناهي الذي ذكره الإمام وإن كان صحيحاً في نفسه كما قيل ، والاعتراض عليه بأنه يقتضي عدم تناهي المتعلقات في كل ما نسب إليه تعالى بصيغ المبالغة وليس بلازم إذ يمكن أن تعتبر المبالغة في المتناهي بزيادة الكمية وقوة الكيفية ولو سلم ما ذكر لزم عدم صحة صيغ المبالغة في الأمور الثبوتية كرحيم ورحمن ولا وجه له مدفوع بأن ما ذكره نكتة لوقوع التفرقة بين الأمرين هنا بأنه اعتبرت المبالغة في جانب الترك دون مقابلة لأن الترك عدمي يجوز فيه عدم التناهي بخلاف الآخر ألا ترى أن ترك عذابهم دال على ترك جميع أنواع العقوبات في العاجل وإن كانت غير متناهية كذا قيل وفيه نظر .
وربما يقال في توجيه ما قاله النيسابوري من أن ذو الرحمة يخلو عن المبالغة : إن ذلك إما لاقتران الرحمة بأل فتفيد الرحمة الكاملة أو الرحمة المعهودة التي وسعت كل شيء وإما لذو فإن دلالته على الاتصاف في مثل هذا التركيب فوق دلالة المشتقات عليه ولا يكاد يدل سبحانه على اتصافه تعالى بصفة بهذه الدلالة إلا وتلك الصفة مرادة على الوجه الأبلغ وإلا فما الفائدة في العدول عن المشتق الأخصر الدال على أصل الاتصاف كالراحم مثلاً إلى ذلك ، ولا يعكر على هذا أن المبالغة لو كانت مرادة فلم عدل عن الأخصر أيضاً المفيد لها كالرحيم أو الرحمن إلى ما ذكر لجواز أن يقال : إن أريد أن لا تقيد الرحمة المبالغ فيها بكونها في الدنيا أو في الآخرة وهذان الإسمان يفيدان التقييد على المشهور ولذا عدل عنهما إلى ذو الرحمة ، وإذا قلت : هما مثله في عدم التقييد قيل : إن دلالته على المبالغة أقوى من دلالتهما عليها بأن يدعى أن تلك الدلالة بواسطة أمرين لا يعدلهما في قوة الدلالة ما يتوسط في دلالة الإسمين الجليلين عليها ، وعلى هذا يكون ذو الرحمة أبلغ من كل واحد من الرحمن والرحيم وإن كانا معاً أبلغ منه ولذا جيء بهما في البسملة دونه ، ومن أنصف لم يشك في أن قولك فلان ذو العلم أبلغ من قولك فلان عليم بل ومن قولك فلان العليم من حيث أن الأول يفيد أنه صاحب ماهية العلم ومالكها ولا كذلك الأخيران ، وحينئذ يكون التفاوت بين الخبرين في الآية بأبلغية الثاني ووجه ذلك ظاهر فإن الرحمة أوسع دائرة من المغفرة كما لا يخفي ، والنكتة فيه ههنا مزيد إيناسه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبره سبحانه بالطبع على قلوب بعض المرسل إليهم وآيسه من اهتدائهم مع علمه جل شأنه بمزيد حرصه عليه الصلاة والسلام على ذلك ؛ وهو السر في إيثار عنوان الربوبية مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم انتهى .
وهو كلام واقف في أعراف الرد والقبول في النظر الجليل ، ومن دقق علم ما فيه من الأمرين ، وإنما قدم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية أو لأنه أهم بحسب الحال والمقام إذ المقام على ما قاله المحققون مقام بيان تأخير العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يعرب عنه قوله تعالى : { لَوْ يُؤَاخِذُهُم } أي لو يريد مؤاخذتهم { بِمَا كَسَبُواْ } أي فعلوا ، وكسب الأشعري لا تفهمه العرب ، وما إما مصدرية أي بكسبهم وإما موصولة أي بالذي كسبوه من المعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن آيات ربهم وعدم المبالاة بما اجترحوا من الموبقات { لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } لاستيجاب أعمالهم لذلك ، قيل وإيثار المؤاخذة المنبئة عن شدة الأخذ بسرعة على التعذيب والعقوبة ونحوهما للإيذان بأن النفي المستفاد من مقدم الشرطية متعلق بوصف السرعة كما ينبى عنه تاليها ، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن انتفاء تعجيل العذاب لهم بسبب استمرار عدم إرادة المؤاخذة فإن المضارع الواقع موقع الماضي يفيد استمرار الفعل فيما مضى { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهو يوم بدر أو يوم القيامة على أن الموعد اسم زمان ، وجوز أن يكون اسم مكان والمراد منه جهنم ، والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل لكنهم ليسوا مؤاخذين بغتة بل لهم موعد { لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } قال الفراء : أي منجا يقال وألت نفس فلان نجت وعليه قول الأعشى :
وقد أخالس رب الدار غفلته*** وقد يحاذر مني ثم ما يئل
وقال ابن قتيبة : هو الملجأ يقال وأل فلان إلى كذا يئل وألا ووؤولاً إذا لجأ والمعنى واحد والفرق إنما هو بالتعدي بإلى وعدمه ، وتفسيره بالملجأ مروي عن ابن عباس ، وفسره مجاهد بالمحرز ، والضحاك بالمخلص والأمر في ذلك سهل ، وهو على ما قاله أبو البقاء : يحتمل أن يكون اسم زمان وأن يكون اسم مكان ، والضمير المجرور عائد على الموعد كما هو الظاهر ، وقيل : على العذاب وفيه من المبالغة ما فيه لدلالته على أنهم لا خلاص لهم أصلاً فإن من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة .
وأنت تعلم أن أمر المبالغة موجود في الظاهر أيضاً ؛ وقيل : يعود على الله تعالى وهو مخالف للظاهر مع الخلو عن المبالغة ، وقرأ الزهري { مولاً } بتشديد الواو من غير همز ولا ياء ، وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه { مولاً } بكسر الواو خفيفة من غير همز ولا ياء أيضاً .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وربك الغفور}، يعني: إذا تجاوز عنهم في تأخير العذاب عنهم،
{ذو الرحمة}، يعني: ذا النعمة حين لا يعجل بالعقوبة،
{لو يؤاخذهم بما كسبوا} من الذنوب،
{بل} العذاب {لهم موعد}، يعني: ميقاتا يعذبون فيه،
{لن يجدوا من دونه موئلا}، يعني: ملجأ يلجؤون إليه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منها "ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا "هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام، "لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ" ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم، "بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ" يقول: لكن لهم موعد، وذلك ميقات محلّ عذابهم...
"لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا" يقول تعالى ذكره: لن يجد هؤلاء المشركون، وإن لم يعجل لهم العذاب في الدنيا من دون الموعد الذي جعلته ميقاتا لعذابهم، ملجأ يلجؤون إليه، ومنجى ينجون معه، يعني أنهم لا يجدون معقلا يعتقلون به من عذاب الله...عن مجاهد، قوله: "مَوْئِلا" قال: محرزا...
عن ابن عباس، قوله: "لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا": يقول: ملْجأً.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وربك الغفور ذو الرحمة} يحتمل أن يكون على وجهين:
أحدها: {الغفور} حين ستر عليهم، ولم يعاقبهم وقت عصيانهم. و {ذو الرحمة} يقبل توبتهم، إذا تابوا.
والثاني: {الغفور} إذا استغفروا، وتابوا {ذو الرحمة} يرحمهم، ويتجاوز عنهم ما سبق لهم من الذنوب.
{لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} في الدنيا.
{بل لهم موعد} قال الحسن: جعل الله لكل أمة، يهلكون هلاكهم، موعدا وأجلا كقوله: {إن موعدهم الصبح} (هود: 81) وقال في آية أخرى: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك غير مكذوب} (هود: 65). وجعل موعد هذه الأمة الساعة، وهو قوله: {بل الساعة موعدهم} (القمر: 47). وقال بعض أهل العلم: أهلك الله كل أمة كذبت رسولها لتتعظ الأمة التي تأتي بعدها. وجعل هلاك أمة محمد بالساعة لأنه ليس بعدها أمة تتعظ به.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{الغَفُورُ} لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أوجَبَتْ المغفرة لهم. ويقال {الغَفُورُ}: للعاصين من عباده، و {ذُو الرَّحْمَةِ} بجميعهم فَيُصلح أحوالَ كافتهم. {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا}: لعجَّل لهم العذابَ؛ أي عَامَلَهم بما استوجبوه من عصيانهم، فعجَّلَ لهم العقوبة، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته، ثم في العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{الغفور} البليغُ المغفرةِ {ذُو الرحمة} الموصوفُ بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهالٍ مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
لمّا أخبر تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم، أنهم لا يهتدون أبداً، عَقَّب ذلك بأنه للمؤمنين، {الغفور ذو الرحمة}، ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران والرحمة، ترك المعاجلة، ولو أخذوا بحسب ما يستحقونه لبادرهم بالعذاب المبيد لهم، ولكنه تعالى أخرهم إلى موعد لا يجدون عنه مَنْجىً، قالت فرقة هو أجَل الموت...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان هذا مقتضياً لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قولَه تعالى: {وربك} مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال: {الغفور} أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت {ذو الرحمة} أي الذي يعامل -وهو قادر- مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: {لو يؤاخذهم} أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ {بما كسبوا} حين كسبهم {لعجل لهم العذاب} واحداً بعد واحد، ولكنه لا يعجل لهم ذلك {بل لهم موعد} يحله بهم فيه، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالاً على كمال قدرته: {لن يجدوا من دونه} أي الموعد {موئلاً} أي ملجأ ينجيهم منه، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جرى القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكسِ، فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريضَ بالتذكير بالمغفرة لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم إمهالاً للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون، موجهاً الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفتتحاً باستحضار الجلالة بعنوان الربوبية للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماءً إلى أن مضمون الخبر تكريم له، كقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33]...
والمعنى: أنهم فيما كسبوه من الشرك والعناد أحرياء بتعجيل العقوبة لكن الله يمهلهم إلى أمد معلوم مقدر. وفي ذلك التأجيل رحمة بالناس بتمكين بعضهم من مهلة التدارك وإعادة النظر، وفيه استبْقاؤهم على حالهم زمناً...
فوصف {ذو الرحمة} يساوي وصف (الرحيم) لأن (ذو) تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه. وإنما عدل عن وصف (الرحيم) إلى {ذو الرحمة} للتنبيه على أنه خبر لا نعت تنبيهاً بطريقة تغيير الأسلوب، فإن اسم (الرحيم) صار شبيهاً بالأسماء الجامدة، لأنه صيغ بصيغة الصفة المشبهة فبعُد عن ملاحظة الاشتقاق فيه واقترب من صنف الصفة الذاتية...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وربُّك الغفورُ ذو الرحمة.. {وربُّكَ} عبّر بربّك للإشارة إلى أنه الخالق المُرَبِّي القائمُ على عباده، القَيُّومُ على أمورهم {الغفورُ} الذي من شأنه المغفرةُ لعباده يعفو عن كثيرٍ ولا يأخذ بكل ما فَعلوا، وقُدِّمَت المغفرة على الرحمة، لأن... التطهير مُقدَّمٌ على التجميل،... وقوله تعالى: {ذو الرحمة} و (ذو) بمعنى صاحب، فالمعنى صاحب الرحمة، أي أن الرحمة تلازم ذاتَه العَلِيّةَ وتختص بها، فلا رحمةَ إلا منه، وغيرُه لا رحمة عنده فالله وحده هو الذي يملك الرحمة وما عند غيرِ الله لا يُعَدُّ رحمةً بالنسبة لما عنده، إنما يكون أمرا نسبيا، والرحمة الحقُّ لا تكون إلا من عند الله، فهو خالق الوجود وخالق الرُّحَماء،فكُلُّ رحمةٍ هي منه...
وإنّ من رحمته مغفرتَه، ومن رحمته أنه يُمهل حتى تكون التوبةُ النَّصوحُ، وتوبةُ العبدِ أَحَب ُّإليه، ومغفرتُه أقرب عنده...، ولذا قال سبحانه: {لو يؤاخِذهم بما كَسَبوا لَعَجَّلَ لهم العذابَ} هذه الجملة السامية كالنتيجة لكون الله تعالى غفورا ذا رحمة،... ولأنها نتيجةٌ لِما قبْلها كانت غير متّصِلة بها بالعطف، وعبر سبحانه وتعالى بالماضي في قوله تعالى: {بما كسبوا} للإشارة إلى أنه كثير يكفي لأشد العقاب... {لَعَجَّلَ لهم العذابَ}... وهذا يشير إلى أن أهل مكة ارتكبوا من الشر بالكفر، والإيذاء والفتنة في الدين والاستهزاء بآيات الله وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ما يستحقون به أشد العذاب، وأن ينزل بهم ما نزل، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون محمد خاتِم النبيين، وأن تكون رسالته دائمة بمن يؤمنون، فلا يُنْزِل سبحانه وتعالى عقابا بهم، ولا يصيب الذين كفروا خاصة، ولذا قال تعالى: {بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه مَوْئِلاً}... {لن يجدوا من دونه مَوْئِلاً}... فهو نازلٌ بهم في ميقاته،لا خلاصَ لهم منه...
فمِن رحمة الله بالكفار أنه لم يُعاجِلْهم بعذابٍ يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛ ... ولاشك أن في إمهالهم في الدنيا حكمةً لله بالغةً، ولعل الله يُخرج من ظُهور هؤلاء من يؤمن به، ومن يَحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيراً في تاريخ الإسلام، فمِن ظَهْر أبي جهل جاء عكرمة، وأَمْهَل الله خالد بن الوليد، فكان أعظم قائد في الإسلام...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
فغفرانه تعالى يقضي أن يرحم التوابين، ورحمته تقضي أن لا يعجّل عذاب غيرهم، إِذ مِن المحتمل أن يلتحق بعضهم بصفوف التوابين، إِلاَّ أن عدالته تعالى تقتضي مجازاة المذنبين العاصين الظالمين عندما يصل طُغيانهم وتمردهم إلى أقصى درجاته، وعندما يكون بقاء مثل هؤلاء الأفراد الفاسدين المفسدين الذين لا يوجد أمل في إصلاحهم، عبثاً وبدون فائدة، لذا ينبغي تطهير الأرض منهم، ومِن لوث وجودهم.