{ وَمَا مَنَعَ الناس } قال ابن عطية . وغيره : المراد بهم كفار قريش الذين حكيت أباطيلهم ، وما نافية .
وزعم بعضهم وهو من الغرابة بمكان أنها استفهامية أي أي شيء منعهم { أَن يُؤْمِنُواْ } أي من إيمانهم بالله تعالى وترك ما هم فيه من الإشراك { إِذْ جَاءهُمُ الهدى } أي القررن العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبة له أو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإطلاق الهدى على كل للمبالغة { وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } بالتوبة عما فرط منهم من أنواع الذنوب التي من جملتها مجادلتهم الحق بالباطل ، وفائدة ذكر هذا بعد الإيمان التعميم على ما قيل .
واستدل به من زعم أن الإيمان إذا لم ينضم إليه الاستغفار لا يجب ما قبله وهو خلاف ما اقتضته الظواهر .
وقال بعضهم : لا شك أن الإيمان مع الاستغفار أكمل من الإيمان وحده فذكر معه لتفيد الآية ما منعهم من الاتصاف بأكمل ما يراد منهم ، ولا يخفي أنه ليس بشيء ، وقيل ذكر الاستغفار بعد الإيمان لتأكيد أن المراد منه الإيمان الذي لا يشوبه نفاق فكأنه قيل ما منعهم أن يؤمنوا إيماناً حقيقياً { إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاولين } وهم من أهلك من الأمم السالفة ، وإضافة السنة إليهم قيل لكونها جارية عليهم وهي في الحقيقة سنة الله تعالى فيهم ، والمراد بها الإهلاك بعذاب الاستئصال ، وإذا فسرت السنة بالهلاك لم تحتج لما ذكر ، وأن وما بعدها في تأويل المصدر وهو فاعل { مَنَعَ } والكلام بتقدير مضاف أي ما منعهم من ذلك إلا طلب الهلاك في الدنيا قاله الزجاج ، وجوز صاحب الفينان تقدير انتظار أي ما منعهم إلا انتظار الهلاك ، وقدر الواحدي تقدير أي ما منعهم إلا تقدير الله تعالى إتيان الهلاك عليهم ، وقال : إن الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين ، ويأباه بحسب الظاهر كون السورة مكية إلا ما استثنى ، والداعي لتقدير المضاف أنه لو كان المانع من إيمانهم واستغفارهم نفس إتيان الهلاك كانوا معذورين وأن عذاب الآخرة المعد للكفار المراد من قوله تعالى : { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً } منتظر قطعاً ، وقيل لأن زمان إتيان العذاب متأخر عن الزمان الذي اعتبر لإيمانهم واستغفارهم فلا يتأتى ما نعيته منهما .
واعترض تقدير الطلب بأن طلبهم سنة الأولين لعدم إيمانهم وهو لمنعهم عن الإيمان فلو كان منعهم للطلب لزم الدور . ودفع بأن المراد بالطلب سببه وهو تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم طالبين للعذاب بمثل قولهم : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 23 ] الخ . وتعقب بأن فيهم من ينكر حقية الإسلام كما أن فيهم المعاند ، ولا يظهر وجه كون الطلب ناشئاً عن إنكار الحقية وكذا لا يظهر كونه ناشئاً عن العناد .
واعترض أيضاً بأن عدم الإيمان متقدم على الطلب مستمر فلا يكون الطلب مانعاً .
وأجيب بأن المتقدم على الطلب هو عدم الإيمان السابق وليس الطلب بمانع منه بل هو مانع مما تحقق بعد وهو كما ترى ، وقيل المراد من الطلب الطلب الصوري اللساني لا الحقيقي القلبي فإن من له أدنى عقل لا يطلب الهلاك والعذاب طلباً حقيقياً قلبياً ومن الطلب الصوري منشؤه وما هو دليل عليه وهو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم بما أوعد به من العذاب والهلاك من لم يؤمن بالله عز وجل فكأنه قيل ما منعهم من الإيمان بالله تعالى الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام إلا تكذيبهم إياه بما أوعد على تركه ، ولا يخلو عن دغدغة .
وقيل الحق أن الآية على تقدير الطلب من قولك لمن يعصيك أنت تريد أن أضربك وهو على تنزيل الاستحقاق منزلة الطلب فكأنه قيل ما منعهم من ذلك إلا استحقاق الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي . وتعقب بأن عدم الإيمان والاتصاف بالكفر سبب للاستحقاق المذكور فيكون متقدماً عليه ومتى كان الاستحقاق مانعاً منه انعكس أمر التقدم والتأخر فيلزم اتصاف الواحد بالشخص بالتقدم والتأخر وأنه باطل . وأجيب بمنع كون عدم الإيمان سبباً للاستحقاق في الحقيقة وإنما هو سبب صوري والسبب الحقيقي سوء استعداداتهم وخباثة ماهياتهم في نفس الأمر ، وهذا كما أنه سبب للاستحقاق كذلك هو سبب للاتصاف بالكفر ، وإن شئت فقل : هو مانع من الإيمان ، ومن هنا قيل ءن المراد من الطلب الطلب بلسان الاستعداد وإن مآل الآية ما منعهم من ذلك إلا استعداداتهم وطلب ماهياتهم لضده ، وذلك لأن طلب استعداداتهم للهلاك أو العذاب المترتب على الضد استعداد للضد وطلب له ، وربما يقال بناءً على هذا أن المفهوم من الآيات أن الكفار لو لم يأتهم رسول ينبههم من سنة الغفلة يحتجون لو عذبوا بعدم إتيانه فيقولون منعنا من الإيمان أنه لم يأتنا رسول ومآله منعنا من ذلك الغفلة ولا يجدون حجة أبلغ من ذلك وأنفع في الخلاص ، وأما سوء الاستعداد وخباثة الذات فبمراحل من أن يحتجوا به ويجعلوه مانعاً فلا بعد في أن يقدر الطلب ويراد منه ظاهره وتكون الآية من قبيل قوله
ولا عيب فيهم*** البيت . والمراد نفي أن يكون لهم مانع من الإيمان والاستغفار بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم يصلح أن يكون حجة لهم أصلاً كأنه قيل لا مانع لهم من أن يؤمنوا أو يستغفروا ربهم ولا حجة بعد مجيء الرسول الذي بلغ ما بلغ من الهدى إلا طلب ما أوعدوا به من إتيان الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي وحيث أن ذلك على فرض تحققه منهم لا يصلح للمانعية والحجية لم يبق مانع وحجة عندهم أصلاً انتهى .
ولا يخفي أنه بعد الإغضاء عما يرد عليه بعيد وإنكار ذلك مكابرة ، والأولى تقدير التقدير وهو مانع بلا شبهة إلا أن القائلين بالاستعداد حسبما تعلم يجعلون منشأه الاستعداد ، وفي معناه تقدير الإرادة أي إرادته تعالى وعليه اقتصر العز بن عبد السلام ، ودفع التنافي بين الحصر المستفاد من هذه الآية والحصر المستفاد من قوله تعالى { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ] بأن الحصر الأول في المانع الحقيقي فإن إرادة الله تعالى هي المانعة على الحقيقة والثاني في المانع العادي وهو استغراب بعث رسول لأن المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب ذلك ، وقد تقدم في الإسراء ما ينفعك في الجمع بين الحصرين فتذكر فما في العهد من قدم . وادعى الإمام تعدد الموانع وأن المراد من الآية فقدان نوع منها فقال : قال الأصحاب إن العلم بعدم إيمانهم مضاد لوجود إيمانهم فإذا كان ذلك العلم قائماً كان المانع قائماً ، وأيضاً حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما حصل لأن حصول الفعل الاختياري بدون الداعي محال ووجود الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان فلا بد أن يقال : المراد فقدان الموانع لمحسوسة انتهى فليتأمل فيه .
والقبل بضمتين جمع قبيل وهو النوع أي أو يأتيهم العذاب أنواعاً وألواناً أو هو بمعنى قبلاً بكسر القاف وفتح الباء كما قرأ به غير واحد أي عياناً فإن أبا عبيدة حكاهما معاً بهذا المعنى ؛ وأصله بمعنى المقابلة فإذاً دل على المعاينة ، ونصبه على الحال فإن كان حالاً من الضمير المفعول فمعناه معاينين بكسر الياء أو بفتحها أو معاينين للناس ليفتضحوا ، وإن كان من العذاب فمعناه معايناً لهم أو للناس . وقرأت طائفة { قُبُلاً } بكسر القاف وسكون الباء وهو كما في «البحر » تخفيف قبل على لغة تميم . وذكر ابن قتيبة . والزمخشري أنه قرئ { قُبُلاً } بفتحتين أي مستقبلاً . وقرأ أبي بن كعب . وابن غزوان عن طلحة { قَبِيلاً } بقاف مفتوحة وباء مكسورة بعدها ياء ساكنة أي عياناً ومقابلة .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ ذكره: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد الإيمان بالله إذ جاءهم الهدى بيان الله، وعلموا صحة ما تدعوهم إليه وحقيقته، والاستغفار مما هم عليه مقيمون من شركهم، إلا مجيئهم سنتنا في أمثالهم من الأمم المكذبة رسلها قبلهم، أو إتيانهم العذاب قُبُلا.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛
فقال بعضهم: معناه: أو يأتيهم العذاب فجأة...
وقال آخرون: معناه: أو يأتيهم العذاب عيانا...
وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة ذات عدد "أوْ يَأْتِيَهُمْ العَذَابُ قُبُلاً "بضمّ القاف والباء، بمعنى أنه يأتيهم من العذاب ألوان وضروب، ووجهوا القُبُل إلى جمع قبيل، كما يُجمع القتيل القُتُل، والجديد الجُدُد. وقرأ جماعة أخرى: "أوْ يَأْتِيَهُمْ العَذَابُ قِبَلاً" بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى أو يأتيهم العذاب عيانا من قولهم: كلمته قِبَلاً...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وما مَنَعَ الناسَ أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} أي لم يمنع الناسَ أن يؤمنوا إلا التعنُّتُ والعِنادُ لأنه قد أكثر عليهم من الحجج والآيات ما لو لم يُعاندوا، ولا كابَروا، لالتَزَموا الإيمانَ بها والتصديقَ. لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم {إلا أن تأتيَهم سُنَّةُ الأوَّلِين} الاستئصالُ والإهلاكُ. فيقول: لا يؤمنون إلا في ذلك الوقت... وقُبْلًا: مقابلة...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
معناه ما منعهم من الإيمان بعد مجيئ الدلالة وأن يستغفروا ربهم على سبق من معاصيهم إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين، من مجيئ العذاب من حيث لا يشعرون، أو مقابلة من حيث يرون. وإنما هم بامتناعهم من الإيمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرها، لأنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، كما يقول القائل لغيره: ما منعك أن تقبل قولي إلا أن تضرب، إلا أنك لم تضرب، لان مشركي العرب طلبوا مثل ذلك، فقالوا "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... {وَمَا مَنَعَ الناس} الإيمان والاستغفار {إِلا} انتظار {أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين} وهي الإهلاك {أَوْ} انتظار أن {يَأْتِيهِمُ العذاب} يعني عذاب الآخرة {قُبُلاً} عياناً. وقرىء: «قِبَلا» أنواعاً: جمع قبيل. و «قَبَلا»، بفتحتين: مستقبلاً...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه آيةُ تأُّسٍف عليهم وتنبيهٍ على فساد حالهم، لأن هذا المنع لم يكن بقصْدٍ منهم أن َيمتنعوا ليجيئهم العذابُ، وإنما امتنعوا هم مع اعتقادهم أنهم مُصيبون، لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا، فكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم، و {الناس} يراد به كفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تَوَلَّوْا دَفْعَ الشريعةِ وتكذيبَها... و «الاستغفار» هنا طلب المغفرة على فارِطِ الذّنْبِ كُفراً وغيرَه، و {سنة الأولين} هي عذاب الأمم المذكورة من الغرق والصيحة والظُّلَّة والريح وغير ذلك...، {أو يأتيهم العذاب قبلاً}... والمعنى عذاباً غيرَ المعهودِ...
... والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين، لأن العاقل لا يرضى بحصول هذين الأمرين، إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين الشرطين...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات [والآثار] والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء: 187]، وآخرون قالوا: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت: 29]، وقالت قريش: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الحجر: 7، 6] إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: {وما منع} ولما كان الناس تبعاً لقريش قال: {الناس} أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان -هكذا كان الأصل، ولكنه عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى: {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على الترك {إذ} أي حين {جاءهم الهدى} بالكتاب على لسان الرسول، وعطف على المفعول الثاني- معبراً بمثل ما مضى لما مضى -قولَه تعالى: {ويستغفروا ربهم} أي المحسن إليهم. ولما كان الاستثناء مفرغاً، أتى بالفاعل فقال تعالى: {إلا أن} أي طلب أن {تأتيهم سنة الأولين} في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكاً، وذلك نقمة في صورة نعمة و إتيان بالعذاب دبراً، أي مستوراً {أو} طلب أن {يأتيهم العذاب قبلاً} أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلاناً قبلاً، أي معاينة، وكذا في قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلاً لا دبراً، أي مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى: إن كان قميصه قدَّ من قبل} [يوسف: 26]، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاً صنفا ونوعاً نوعاً، وقد مضى في الأنعام بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، فمعناه: من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك} [الإسراء:89-90]- إلى قوله تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} [الإسراء: 92] الآية وهذه الآية من الاحتباك: ذكر {سنة الأولين} أولاً يدل على ضدها ثانياً، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساترة أولاً...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
والمعنى أنّ ما تضَمَّنه القرآنُ الكريم من الأمور المستوجبةِ للإيمان بحيث لو لم يكن مثلَ هذه الحكمةِ القوية لَمَا امتنع الناسُ من الإيمان وإن كانوا مَجْبولين على الجدَل المفْرِط...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء. ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم من هلاك -استبعادا لوقوعه واستهزاء- أو أن يأتيهم العذاب مواجهة يرون أنه سيقع بهم. وعندئذ فقط يوقنون فيؤمنون!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عُدِلَ في هذه الجملة عن الإضمار إلى الإظهار بقوله: وما مَنَعَ الناسَ} وبقوله: {إذ جاءهم الهدى} دون أن يقول: وما منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى قَصْداً لاستقلال الجملة بذاتها غيرَ مستعانةٍ بغيرها، فتكون فائدةً مستقِلّةً تسْتأهِل توجُّهَ العقولِ إلى وعيها لذاتها لا لأنها فرعٌ على غيرها... على أن عموم {الناس} هنا أشملُ من عموم لفظ {الناس} في قوله: {ولقد صَرّفْنا في هذا القرآن للناس} [الكهف: 54] فإن ذلك يَعُمُّ الناسَ الذين يسمعون القرآنَ في أزمانِ ما بعدَ نزولِ تلك الآية، وهذا يَعُمُّ الناسَ كلَّهم الذين امتنعوا من الإيمان بالله. وكذلك عموم لفظ {الهدى} يشمل هدى القرآن وما قبله من الكتب الإلهية وأقوال الأنبياء كلها... {الأوَّلِين}... يجوز... أن يُراد بهم الآباء، أي سنّة آبائهم، أي طريقتهم ودينهم، ولكل أُمّةٍ أُمَّةٌ سبقتها...
ومعنى {تأتيَهم سُنّةُ الأوَّلِين} تَحُلُّ فيهم وتَعتريهم، أي تُلقى في نفوسهم وتُسَوَّلُ إليهم...
وسُنّة الأولين: طريقتهم في الكفر. وإضافة (سُنّة) إليهم تشبه إضافة المصدر إلى فاعله، أي السُّنَّةُ التي سَنَّها الأولون...
و (أو) هي التي بمعنى (إلى)، وانتصابُ فِعْلِ "يأتيَهم "العذابُ} (بأنْ) مُضمَرةً بعد (أو). و (أو) متصلةُ المعنى بفعل {مَنَعَ}، أي مَنَعَهم تقليدُ سُنَّةِ الأوّلِين من الإيمان إلى أنْ يأتيَهم العذابُ كما أتَى الأوَّلين...
والإتيان: مجاز في الحصول في المستقبل، لوجود (أن) المصدرية التي تُخَلِّصُ المضارعَ للاستقبال، وهو استقبالٌ نسبيٌّ فلكل أمّةٍ استقبالُ سُنَّةِ مَنْ قَبْلَها...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
إن هذا تصويرٌ محكَمٌ لحالهم في طغيانهم وغُلَوائهم كأنهم ينتظرون العذاب ولا ينتظرون الهداية فشَبَّه سبحانه وتعالى حالَهم في الشر، واستمكانَه في نفوسهم واسترسالَهم في الطغيان بحالِ مَنْ يَمنعهم الهدايةَ مجرّدُ انتظارِ العذاب، وهذا تصويرٌ لإمعانهم في الطغيان والظلم والعدوان مجاوزة حدود العقل والفكر...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
حواجز بين الدعوة والإيمان بها:
وتبقى مشاكل الدعوة هي التي تلحّ على الأجواء القرآنية، لأنها تمثل الحواجز التي تحول بين الناس وبين الإيمان، من خلال خضوع مجتمع الكفر لبعض الذهنيات المتخلّفة، أو العقليات المتحجرة، أو العُقد المتنوعة، أو الخلفيات الفكرية التي تجعل الإنسان يعيش في حصار دائم في دائرة الفكرة... وهذا ما يريد القرآن في هذه الآيات، أن يحرّك الحديث حوله مع النبي (صلى الله عليهوسلم)، ليثير أمامه الواقع لئلا يشعر بالضعف أمام حالة التمرُّد، وليعتبر المسألة طبيعية في نطاق هذا الواقع. العصبية تمنع من الإيمان {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} ويتراجعوا عما هُم فيه من الكفر والضلال، فينفتحوا على آفاق الهدى، ويرجعوا إلى الله، ويستغفروه عما أجرموا في حقه في التنكر لعقيدة التوحيد، أو لخط الرسالة... {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِين} الذين كانوا يتمرّدون على الله وعلى الرسل، بالكفر والضلال والعصيان، لأنهم لا يريدون الإيمان، ولا يستعدون للدخول في حوارٍ مع الرسل، ولا يركنون إلى فكرٍ يوجههم، ولا إلى علمٍ يهديهم، بل ينطلقون في مواقفهم من موقع العصبية الذاتية أو القبلية أو التاريخية التي تربطهم بعقيدة الآباء والأجداد، أو غير ذلك، فيبادرون إلى إطلاق التحدي في وجه النبي، أن يأتيهم بعذاب الله الذي يهلكهم إن كان من الصادقين. ويحاول النبيُّ بكل الوسائل أن يقرّب إليهم الفكرة، ويحذِّرهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، فلا يستجيبون له، فينزل الله العذاب عليهم ويهلكهم بالصاعقة، أو بالصيحة، أو بالزلزال، أو بالطوفان، أو بغير ذلك من ألوان العذاب، فيستأصلهم، فلا يبقى منهم أحد إلا المؤمنون. وهذا ما عاشه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في بعض مواقف قومه منه، فقد أبوا أن يؤمنوا لأنهم لا يلتزمون إرادة الإيمان، ولا يعيشونها، ولم يجدوا أمامهم إلا أن يهربوا من دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لهم إلى الحوار، وذلك بإطلاق التحدي في وجهه، أن تأتيهم سنة الأولين، فيستريح منهم، {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً} أي مواجهةً وعياناً ومقابلةً، بحيث يرونه ويشاهدونه عند إقباله عليهم، ليؤمنوا بعد ذلك. أما تفسير العلاقات بين طلبهم هذا، وبين عدم الإيمان، لتكون سنّة الأوّلين إو إتيان العذاب مانعاً لهم عن الإيمان، فقد يكون معناه، أنهم كانوا يظنون أو يعتقدون أن المسألة أعني العذاب ليست بهذه الجدية، وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس قادراً على الاستجابة لهم، لأنهم لا يعتقدون بنبوّته، لعدم تقديمه لهم المعاجز التي اقترحوها عليه، وبذلك يعتبرون الطلب الذي يقدمونه خروجاً من مأزق الدعوة النبوية إلى الفكر والتأمل والحوار الذي لا يريدونه... وبذلك لا يكون هذا مانعاً حقيقياً، ولكنه مانعٌ افتراضيٌّ باعتبار أنهم يتخذونه حجةً على عدم الإيمان، لأن النبي لم يستجب لهم في ذلك، مما يعتبرونه دليلاً على عدم صدقه بادعاء النبوة، ولكنهم ليسوا جادين بذلك، لأن النبي أراد لهم أن يناقشوا الإيمان معه من موقع العقل والفكر، ليهتدوا على هذا الأساس، بعيداً عن مسألة المعاجز، أو التهديد بالعذاب المباشر، لأن أمره بيد الله، وقد اقتضت حكمته أن لا