روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (132)

{ ووصى إبراهيم بَنِيهِ } مدح له عليه السلام بتكميله غيره إثر مدحه بكماله في نفسه ، وفيه توكيد لوجود الرغبة في ملته ، والتوصية التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة سواء كان حالة الاحتضار أولاً وسواء كان ذلك التقدم بالقول أو الدلالة وإن كان الشائع في العرف استعمالها في القول المخصوص حالة الاحتضار وأصلها الوصل من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات ، ويقال : وصاه إذا وصله ، وفصاه إذا فصله كأن الموصي يصل فعله بفعل الوصي ، والضمير في { بِهَا } إما للملة أو لقوله { أَسْلَمْتُ } [ البقرة : 131 ] على تأويل الكلمة أو الجملة ، ويرجح الأول كون المرجع مذكوراً صريحاً وكذا ترك المضمر إلى المظهر ، وعطف ( يعقوب ) عليه فإن ذلك يدل على أنه شروع في كلام آخر لبيان تواصي الأنبياء باستمساك الدين الحق الجامع لجميع أحكام الأصول والفروع ليتوارثوا الملة القويمة والشرع المستقيم نسلاً بعد نسل ، وذكر يعقوبُ الدينَ في توصيته لبنيه وهو والملة أخوان ولو كان الضمير للثاني لكان الإسلام بدله ، ويؤيد الثاني كون الموصى به مطابقاً في اللفظ ل { أَسْلَمْتُ } [ البقرة : 131 ] وقرب المعطوف عليه لأنه حينئذٍ يكون معطوفاً على { قَالَ أَسْلَمْتُ } أي ما اكتفى بالامتثال بل ضم توصية بنيه بالإسلام بخلاف التقدير الأول فإنه معطوف على { مِنْ يَرْغَبُ } [ البقرة : 031 ] لأنه كما أشرنا إليه في معنى النفي ، وخص البنين لأنه عليهم أشفق وهم بقبول وصيته أجدر ولأن النفع بهم أكثر ، وقرأ نافع وابن عامر ( أوصى ) ولا دلالة فيها على التكثير كالأولى الدالة عليه لصيغة التفعيل .

{ وَيَعْقُوبَ } عطف على ( إبراهيم ) ، ورفعه على الابتداء وحذف الخبر أي يعقوب كذلك ، والجملة معطوفة على الجملة الفعلية ، وجعله فاعلاً لوصى مضمراً بعيد ، وقرئ بالنصب فيكون عطفاً على { بَنِيهِ } والمراد بهم أبناء الصلب وهو عليه الصلاة والسلام كان نافلة ، وإنما سمي يعقوب لأنه وعيصاً كانا توأمين فتقدم عيص ، وخرج يعقوب على أثره آخذاً بعقبه كذا روي عن ابن عباس ولا أظن صحته .

{ يبَنِي } على إضمار القول عند البصريين ، ويقدر بصيغة الإفراد على تقدير نصب يعقوب أي قال ، أو قائلاً . وبصيغة التثنية على تقدير الرفع ؛ ووقوع الجملة بعد القول مشروط بأن يكون المقصود مجرد الحكاية ، والكلام المحكي مشترك بين إبراهيم ويعقوب ، وإن كان المخاطبون في الحالين متغايرين ، وذهب الكوفيون إلى عدم الإضمار لأن التوصية لاشتمالها على معنى القول بل هي القول المخصوص كان حكمها حكمه . فيجوز وقوع الجملة في حيز مفعولها ، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( أن يا بني ) ولا حاجة حينئذٍ إلى تقدير القول عند البصريين بل لا يجوز ذلك عندهم على ما يشير إليه كلام بعض المحققين ، وبنو إبراهيم على ما في «الإتقان » اثنا عشر وهم : إسماعيل وإسحق ومدين وزمزان وسرح ونقش ونقشان وأميم وكيسان وسورج ولوطان ونافس وبنو يعقوب أيضاً كذلك وهم : يوسف وروبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وداني وتفتاني وكاد واسبر وإيساجر ورايكون وبنيامين .

{ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين } أي جعل لكم الدين الذي هو صفوة الأديان بأن شرعه لكم ووفقكم للأخذ به ، والمراد به دين الإسلام الذي به الإخلاص لله تعالى والانقياد له ، وليس المراد ما يتراءى من أن الله تعالى جعله صفوة الأديان لكم لأن هذا الدين صفوة في نفسه لا اختصاص له بأحد ، وليس عند الله تعالى غيره ، ومن هنا يعلم أن الإسلام يطلق على غير ديننا لكن العرف خصصه به ، وزعم بعضهم عدم الإطلاق وألف في ذلك رسالة تكلف بها غاية التكلف .

{ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } نهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت ، والمفهومن الآية ظاهراً النهي عن الموت على خلاف تلك الحال ، وليس بمقصود لأنه غير مقدور وإنما المقدور قيده فيعود النهي إليه كما سمعت لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يستتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال ، فأما أن يقال استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني فيكون مجازاً ، أو يقال استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه فيكون كناية ، وقال الفاضل اليمني : إن هذا كناية بنفي الذات عن نفي الحال على عكس ما قيل في قوله تعالى : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } [ البقرة : 8 2 ] من أنه كناية بنفي الحال عن نفي الذات ، وفيه أن نفي الذات إنما يصير كناية عن نفي جميع الصفات لا عن صفة معينة فافهم ، والمراد من الأمر الذي يشير إليه ذلك النهي الثبات على الإسلام لأنه اللازم له ، والمقصود من التوصية ، ولأن أصل الإسلام كان حاصلاً لهم ، وإنما أدخل حرف النفي على الفعل مع أنه ليس منهياً عنه للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه ، وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه غاية الحذر ، وذكر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما يكون بالقلب دون العمل بالجوارح لأن ذلك مما لا يكاد يمكن عند الموت ولهذا ورد في الحديث : «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتفوه على الإيمان » ولا يخفى ما فيه .

( ومن باب الإشارة ) :{ ووصى } بكلمة التوحيد { إبراهيم بَنِيهِ } السالكين على يده وكذلك يعقوب { وَيَعْقُوبُ يا بني إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ } دينه الذي لا دين غيره عنده { فَلاَ تَمُوتُنَّ } [ البقرة : 132 ] بالموت الطبيعي وموت الجهل ، بل كونوا ميتين بأنفسكم ، أحياء بالله أبداً ، فيدرككم موت البدن على هذه الحالة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} (132)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ووصى بها}: بالإخلاص {إبراهيم بنيه}...: إسماعيل، وإسحاق... ثم وصى بها يعقوب بنيه يوسف وإخوته... {ويعقوب يا بني}: أي فقال يعقوب لبنيه...: {إن الله} عز وجل {اصطفى} يعني: اختار {لكم الدين}: دين الإسلام، {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}: مخلصون بالتوحيد...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَوَصّى بِهَا}: ووصى بهذه الكلمة أعني بالكلمة قوله:"أسْلَمْتُ لِرَبّ العالَمِينَ" وهي الإسلام الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له.

{وَوَصّى بها إبْرَاهِيم بَنِيه}: عهد إليهم بذلك وأمرهم به.

وأما قوله: "وَيَعْقُوبُ":فإنه يعني: ووصى بذلك أيضا يعقوبُ بنيه...

"يا بَنِيّ إِنّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُم الدّينَ": إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه واجتباه لكم. وإنما أدخل الألف واللام في «الدين»، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به وعهدهما إليهم فيه، ثم قالا لهم بعد أن عَرّفَاهُموه: إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه.

{فَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

إن قال لنا قائل: أَوَ إلى بني آدم الموت والحياة فينهى أحدهم أن يموت إلا على حالة دون حالة؟ قيل له: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت، وإنما معناه: {فَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أي فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإسلام أيام حياتكم وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قالا لهم: {فَلاَ تَمُوتُنّ إِلاّ وأنْتُمْ مُسلِمُونَ} لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ووصى بها} يعني بالملة، والملة تحتمل ما ذكرنا. وقوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} وهو الإسلام ردا على قول أولئك الكفرة: (إن إبراهيم كان على دينه؛ لأن اليهود زعمت أنه كان على دينهم يهوديا)، وقالت النصارى: (بل كان على النصرانية). وعلى ذلك [كانوا لغيرهم يقولون]: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135]. فلما ادعى كل واحد من الفريقين أنه كان على دينهم أكذبهم الله عز وجل في قولهم، ورد عليهم ذلك، فقال: [قل] يا محمد: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران: 67]. فعلى ذلك قوله: {اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}: أخبر عز وجل أن دينه كان دين الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، والدين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية لقوله تعالى: {أم للإنسان ما تمنى} [النجم: 24] {فلله الآخرة والأولى} [النجم: 25]: أي ليس له...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

ووصّى أبلغ من أوصى، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً.

{فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ}: الزموا الإسلام ولا تفارقوه إلى الموت...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{إن الله اصطفى لكم الدين}: بِشارة بما تقوي به دواعيهم على الرغبة فيما يكلفهم من الإسلام، لأنهم إذا تحققوا أن الله سبحانه اصطفى لهم ذلك علموا أنه لا محالة يعينهم فيسهل عليهم القيام بحق الإسلام...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{اصطفى لَكُمُ الدين} أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام. ووفقكم للأخذ به.

{فَلاَ تَمُوتُنَّ} معناه فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، كقولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} إيجاز بليغ، وذلك أن المقصود منه أمرهم بالإسلام والدوام عليه، فأتى ذلك بلفظ موجز يقتضي المقصود ويتضمن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى؟ فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه من وقت الأمر دائباً لازماً...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم...

[و] هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين.

(أحدها): أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه، كان القول إلى قبوله أقرب.

(وثانيها): أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره.

(وثالثها): أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحدا منهم بهذه الوصية، وذلك أيضا يدل على شدة الاهتمام.

(ورابعها): أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر.

(وخامسها): أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين...

أما قوله: {اصطفى لكم الدين} فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره...

[و] أما قوله: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} فالمراد بعثهم على الإسلام، وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأمورا به في كل حال، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلا نفسه في الخطر والغرور...

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{ووصى بها إبراهيم بنيه} التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل يقال: وصاه إذا وصله، وفصاه: إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى... وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وُفّق له ويسر عليه. ومن نوى صالحًا ثبت عليه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{يا بنيّ إن الله} بعظمته وكماله {اصطفى لكم الدين} وهو الإسلام، فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة منه لكم {فلا} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا {تموتن} على حالة من الحالات {إلا وأنتم} أي والحال أنكم {مسلمون} أي ملقون بأيديكم وجميع ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلاً ولا التفات إلى غير مولاكم، فإن من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك...

وقرر سبحانه بالآيات الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرّأ خليله والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ} شروعٌ في بيان تكميلِه عليه السلام لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه، وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته عليه السلام...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه واعتصام بحبله لئلا يموت على غيره. وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة الأولى في خطاب العرب والثانية في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف. وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائهما معا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ثم ورَّثه في ذريته، ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه. فأنتم -يا بني يعقوب- قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحسانا إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه هي ملة إبراهيم.. الإسلام الخالص الصريح.. ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه، وجعلها وصيته في ذريته، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه. ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه، ثم لا يلبون وصيته، ووصية جده وجدهم إبراهيم!...

ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة الله عليهم في اختياره الدين لهم: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين).. فهو من اختيار الله. فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه. وأقل ما توجبه رعاية الله لهم، وفضل الله عليهم، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه، والحرص على ما اختاره لهم، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).. وها هي ذي الفرصة سانحة، فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام، وهو ثمرة الدعوة التي دعاها أبوهم إبراهيم...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما كان من شأن أهل الحق والحكمةِ أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح أمتهم، كان من مكملات ذلك أن يحرِصوا على دوام الحق في الناس متَّبَعاً مشهوراً فكان من سننهم التوصية لمن يظنونهم خلفاً عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه، فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور أزمان فكان لذلك أمراً نفيساً يجدر أن يحتفظ به.

والإيصاء أمر أو نهي يتعلق بصلاح المخاطب خصوصاً أو عموماً، وفي فوته ضر، فالوصية أبلغ من مطلق أمر ونهي، فلا تطلق إلا في حيث يخاف الفوات إِما بالنسبة للموصى ولذلك كثر الإيصاء عند توقع الموت كما سيأتي عند قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إِذ حضر يعقوب الموت إِذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي} [البقرة: 133]، وفي حديث العرباض:"وعظنا رسول الله موعظة وَجِلَتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّععٍ فأَوْصنا" الحديث.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وكانت الوصية "يا بني إن الله اصطفى لكم الدين "إذن فالوصية لم تكن أمرا من عند إبراهيم ولا أمرا من عند يعقوب ولكن كانت أمرا اختاره الله للناس فلم يجد إبراهيم ولا يعقوب أن يوصيا أولادهما إلا بما اختاره الله.. فكأن إبراهيم ائتمن الله على نفسه فنفذ التكاليف وائتمنه على أولاده فأراد منهم أن يتمسكوا بما اختاره لهم الله.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

ولم يقتصر على نفسه في إسلامه هذا، بل وصَّى بها بنيه، لأنَّ الإسلام هو الذي اصطفاه اللّه للنّاس، فلا بُدَّ لهم من أن يحيوا بالإسلام ويموتوا وهم يحملون كلمته.. وحملها يعقوب حفيد إبراهيم وصيّةً يختم بها حياته، فلم يقف في اللحظات الأخيرة منها ليتحدّث عن شؤونه الحياتية في ما يخلّفه لهم من إرثٍ مالي، كما يتحدّث النّاس إلى وَرَثَتِهم في ذلك عندما يفكرون بالوصية إليهم، بل وقف ليطمئنّ على انسجامهم مع الخطّ العبادي المتمثّل في هذا الإسلام للّه...

{وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} فقد انطلقت هذه التجربة في حياة الجد في حديثه مع بنيه وفي حياة الحفيد في وصيته لأولاده، في دلالة على أنَّ الرسالة كانت كلّ اهتماماتهما الروحية، فلم يكتفيا بالجهاد في سبيلها في حياتهما، بل انطلقا ليدفعا بها للاستمرار في الجيل الجديد بعد وفاتهما، لأنَّ الوصية تعبّر في مضمونها عن القلق النفسي الذي يشعر به الإنسان تجاه ما أوصى به ومن أوصى له...

{يَا بَنيَّ إِنَّ اللّه اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} واختاره منهجاً للنجاة في الحياة ووسيلةً للسعادة في الآخرة من خلال برامجه التي تكفل لكم العيش الرغيد والسلامة المريحة، وانفتاحه على معرفة اللّه وطاعته للوصول إلى رضوانه، وذلك من قاعدة واحدة؛ وهي إسلام القلب والوجه والحياة كلّها للّه، ليلتقي الإسلام بمعنى العبودية الحقّة الخاضعة للألوهية المطلقة، فليكن هذا الدِّين الإسلام هو الخطّ المستقيم الذي تتحرّكون فيه في كلّ حياتكم، فلا تنحرفوا عنه، أو تتركوه إلى غيره، مهما اشتدت الضغوط واهتزت الأرض من تحت أقدامكم وتنوّعت الإغراءات حتى نهاية حياتكم.

{فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} لتلتقوا باللّه على خطّ الإسلام عندما يقوم النّاس لربّ العالمين...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لعلّ القرآن الكريم، بنقله وصية إبراهيم، يريد أن يقول للإنسان إنه مسؤول عن مستقبل أبنائه، عليه أن يهتم بمستقبلهم المعنوي قبل أن يهتم بمستقبلهم المادي [و] يعقوب كإبراهيم وصّى أيضاً أبناءه، بنفس هذه الوصايا، وأكد لأبنائه أن رمز نجاحهم يتلخص في جملة واحدة، هي التسليم لربّ العالمين...

[و] ربّما يعود ذكر اسم يعقوب هنا من بين سائر الأنبياء، إلى أن اليهود والنصارى كانوا يعتقدون بانتسابهم إلى يعقوب بشكل من الأشكال، فأرادت الآية أن توضح لهم أن خط الشرك الذي يسلكونه لا يتناسب مع منهج يعقوب، وهو منهج التسليم المحض لربّ العالمين...