{ وَإِن تَجْهَرْ بالقول } الخ بيان لإحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء إثر بيان شمول قدرته تعالى لجميع الكائنات ، والخطاب على ما قاله في «البحر » : للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته عليه الصلاة والسلام ، وجوز أن يكون عاماً أي وإن ترفع صوتك أيها الإنسان بالقول { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر } أي ما أسررته إلى غيرك ولم ترفع صوتك به { وَأَخْفَى } أي وشيئاً أخفى منه وهو ما أخطرته ببالك من غير أن تتفوه به أصلاً ، وروى ذلك عن الحسن . وعكرمة أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها وروى ذلك عن سعيد بن جبير . وروى عن السيدين الباقر . والصادق السر ما أخفيته في نفسك والأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته .
وقيل : { أُخْفِىَ } فعل ماض عطف على { يَعْلَمْ } يعني أنه تعالى يعلم أسرار العباد وأخفى ما يعلمه سبحانه ، عنهم وهو كقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [ طه : 110 ] ، وروى ذلك أبو الشيخ في «العظمة » عن زيد بنأسلم وهو خلاف الظاهر جداً ؛ فالمعول عليه أنه أفعل تفضيل والتنكير للمبالغة في الخفاء ، والمتبادر من القول ما يمل ذكر الله تعالى وغيره وإليه ذهب بعضهم ، وخصه جماعة بذكره سبحانه ودعائه على أن التعريف للعهد لأن استواء الجهر والسر عنده سبحانه المدلول عليه في الكلام يقتضي أن الجهر المذكور في خطابه عز وجل ، وعلى القولين قوله تعالى : { فَإِنَّهُ } قائم مقام جواب الشرط وليس الجواب في الحقيقة لأن علمه تعالى السر وأخفى ثابت قبل الجهل بالقول وبعده وبدونه .
والأصل عند البعض وإن يجهر بالقول فاعلم أن الله تعالى يعلمه فإنه يعلم السر وأخفى فضلاً عنه . وعند الجماعة وإن تجهر فاعلم أن الله سبحانه غني عن جهرك فإنه الخ ، وهذا على ما قيل إرشاد للعباد إلى التحري والاحتياط حين الجهر فإن من علم أن الله تعالى يعلم جهره لم يجهر بسوء ، وخص الجهر بذلك لأن أكثر المحاورات ومخاطبات الناس به ، وقيل : إرشاد للعباد إلى أن الجهر بذكر الله تعالى ودعائه ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخر من تصوير النفس بالذكر وتثنيته فيها ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة وغير ذلك ، وقيل : نهى عن الجهر بالذكر والدعاء كقوله تعالى : { تُرْحَمُونَ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول } [ الأعراف : 205 ] . وأنت تعلم أن القول بأن الجهر بالذكر والدعاء منهي لا ينبغي أن يكون على إطلاقه .
والذي نص عليه الإمام النووي في «فتاويه » أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعياً مشروع مندوب إليه بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي و ظاهر مذهب الإمام أحمد وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو قول لقاضيخان في «فتاويه » في ترجمة مسائل كيفية القراءة وقوله في باب غسل الميت : ويكره رفع الصوت بالذكر ، فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية لا مطلقاً كما تفهمه عبارة البحر الرائق وغيره وهو قول الإمامين في تكبير عيد الفطر كالأضحى ، ورواية عن الإمام أبي حنيفة نفسه رضي الله تعالى عنه بل في مسنده ما ظاهره استحباب الجهر بالذكر مطلقاً ، نعم قال ابن نجيم في «البحر » نقلاً عن المحقق ابن الهمام في «فتح القدير » ما نصه قال أبو حنيفة : رفع الصوت بالذكر بدعة مخالفة للأمر من قوله تعالى : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } [ الأعراف : 205 ] الآية فيقتصر على مورد الشرع ، وقد ورد به في الأضحى وهو قوله سبحانه : { واذكروا الله في أَيَّامٍ معدودات } [ البقرة : 203 ] .
وأجاب السيوطي في نتيجة الذكر عن الاستدلال بالآية السابقة بثلاثة أوجه ، الأول : أنها مكية ولما هاجر صلى الله عليه وسلم سقط ذلك ، الثاني : أن جماعة من المفسرين منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وابن جرير حملوا الآية على الذكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن وأنه أمر له عليه الصلاة والسلام بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات ، ويقويه اتصالها بقوله تعالى : { وَإِذَا قرئ القرءان } [ الأعراف : 204 ] الآية ، الثالث : ما ذكره بعض الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل وأما غيره عليه الصلاة والسلام ممن هو محل الوساوس فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيراً في دفعها وفيه ما فيه .
واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر الحاجة فيكون الجهر المعتدل ، والجهر بقدر الحاجة داخلاً في المأمور به ، فقد صح ما يزيد على عشرين حديثاً في أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يجهر بالذكر . وصح عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " وهو محمول على اقتضاء حاجة التعليم ونحوه لذلك ، وما في «الصحيحين » من حديث أبي موسى الأشعري قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنه معكم إنه سميع قريب "
محمول على أن النهي المستفاد التزاماً من أمر اربعوا الذي بمعنى ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم مراد به النهي عن المبالغة في رفع الصوت ، وبتقسيم الجهر واختلاف أقسامه في الحكم يجمع بين الروايتين المختلفتين عن الإمام أبي حنيفة ، وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال : ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين ، وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل عليه ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ ، وخبر خير الذكر الخفي وخير الرزق أو العيش ما يكفي صحيح .
وعزاه الإمام السيوطي إلى الإمام أحمد . وابن حبان . والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص ، وعزاه أبو الفتح في سلاح المؤمن إلى أبي عوانة في مسنده الصحيح أيضاً ، وهو محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء أو الإعجاب أو نحوهما ، وقد صح أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام جهر بالدعاء وبالمواعظ لكن قال غير واحد من الأجلة : إن إخفاء الدعاء أفضل . وحد الجهر على ما ذكره ابن حجر الهيتمي في المنهج القويم أن يكون بحيث يسمع غيره والإسرار بحيث يسمع نفسه . وعند الحنفية في رواية أدنى الجهر إسماع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف وهو قول الكرخي .
وفي كتاب الإمام محمد إشارة إليه ، والأصح كما في المحيط قول الشيخين الهندواني والفضلي وهو الذي عليه الأكثر أن أدنى الجهر إسماع غيره وأدنى المخافتة إسماع نفسه . ومن هنا قال في «فتح القدير » : إن تصحيح الحروف بلا صوت إيماءاً إلى الحروف بعضلات المخارج لا حروف إذ الحروف كيفية تعرض للصوت فإذا انتفى الصوت المعروف انتفى الحرف العارض وحيث لا حرف فلا كلام بمعنى المتكلم به فلا قراءة بمعنى التكلم الذي هو فعل اللسان فلا مخافتة عند انتفاء الصوت كما لا جهر انتهى محرراً ، وقد ألف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق هذه المسألة رسالتين جليلتين سمي أولاهما : نشر الزهر في الذكر بالجهر وثانيتهما : بإتحاف المنيب الأواه بفضل الجهر بذكر الله رد فيها على بعض أهل القرن التاسع من علماء الحنفية من أعيان دولة ميرزا أبلغ بيك بن شاه دخ الكوركاني حيث أطلق القول بكون الجهر بالذكر بدعة محرمة وألف في ذلك رسالة ، ولعله يأتي إن شاء الله تعالى زيادة بسط لتحقيق هذه المسألة والله تعالى الموفق .
من باب الإشارة : { وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } [ طه : 7 ] قيل : السر أمر كامن في القلب كمون النار في السجر الرطب حتى تثيره الإرادة لا يطلع عليه الملك ولا الشيطان ولا تحس به النفس ولا يشعر به العقل وإلا خفي ما في باطن ذلك .
وعند بعض الصوفية السر لطيفة بين القلب والروح وهو معدن الأسرار الروحانية والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية وهو مهبط الأنوار الربانية وتفصيل ذلك في محله . وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على عدم مشروعية الجهر بالذكر والحق أنه مشروع بشرطه ، واختلفوا في أنه هل هو أفضل من الذكر الخفي أو الذكر الخفي أفضل منه والحق فيما لم يرد نص على طلب الجهر فيه وما لم يرد نص على طلب الإخفاء فيه أنه يختلف الأفضل فيه باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان فيكون الجهر أفضل من الإخفاء تارة والإخفاء أفضل أخرى
قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن الله عز وجل حكم على عباده حكمين: حكما فيما بينهم وبينه: أن أثابهم وعاقبهم على ما أسروا، كما فعل بهم فيما أعلنوا، وأعلمهم إقامة للحجة عليهم وبينها لهم أنه علم سرائرهم وعلم علانيتهم فقال:
{يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَأَخْفَى} وقال: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ اَلاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى اِلصُّدُورُ}. وخلقه لا يعلمون إلا ما شاء عز وجل. وحجب علم السرائر عن عباده. وبعث فيهم رسلا فقاموا بأحكامه على خلقه، وأبان لرسله وخلقه أحكام خلقه ـ في الدنيا ـ على ما أظهروا. (الأم: 7/303-304.)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وإن تجهر يا محمد بالقول، أو تخف به، فسواء عند ربك الذي له ما في السموات وما في الأرض "فإنّهُ يَعْلَمُ السّرّ "يقول: فإنه لا يخفى عليه ما استسررته في نفسك، فلم تبده بجوارحك ولم تتكلم بلسانك، ولم تنطق به "وأخفى"...
ثم اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله "وأخْفَى"؛ فقال بعضهم: معناه: وأخفى من السرّ، قال: والذي هو أخفى من السرّ ما حدّث به المرء نفسه ولم يعمله... عن مجاهد، في قول الله: "يَعْلَمُ السّرّ وأخْفَى" قال: أخفى: الوسوسة...
وقال آخرون: بل معناه: وأخفى من السرّ ما لم تحدّث به نفسك...
وكأن الذين وجّهوا ذلك إلى أن السرّ هو ما حدّث به الإنسان غيره سرّا، وأن أخفى: معناه: ما حدّث به نفسه، وجهوا تأويل أخفى إلى الخفيّ... والصواب من القول في ذلك، قول من قال: معناه: يعلم السرّ وأخفى من السرّ، لأن ذلك هو الظاهر من الكلام... وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السرّ وأخفى منه. فإذ كان ذلك تأويله، فالصواب من القول في معنى أخفى من السرّ أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن، لأن ما ظهر وكان فغير سرّ، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السرّ، لأن ذلك لا يعلمه إلاّ الله، ثم من أعلمه ذلك من عباده.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعا ليكونوا أبدا على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأول ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
أي يعلم ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك {وَأَخْفَى} منه وهو ما ستسره فيها... فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت: معناه وإن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غنيّ عن جهرك، فإما أن يكون نهياً عن الجهر كقوله تعالى: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول} [الأعراف: 205] وإما تعليماً للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {وإن تجهر بالقول} معناه وإن كنتم أيها الناس إذ أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته {يعلم السر وأخفى} فالمخاطبة ب {تجهر} لمحمد عليه السلام وهي مراد جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب {السر} وما هو {أخفى} منه، فقالت فرقة {السر} هو الكلام الخفي كقراءة السر في الصلاة، و «الأخفى» هو ما في النفس، وقالت فرقة وهو ما في النفس متحصلاً، و «الأخفى» هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة {السر} هو ما في نفوس البشر، وكل ما يمكن أن يكون فيها في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و «الأخفى» هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة: فهذا كله معلوم لله عز وجل.
... إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: الجهر والسر والأخفى. فيحتمل أن يكون المراد من الجهر: القول الذي يجهر به، وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم. ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول وهذا أظهر، فكأنه تعالى بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر، والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة، والترغيب في الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعاً ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثاً على مراقبته والإخلاص له: {وإن تجهر بالقول} أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه عالم به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع {فإنه يعلم السر} وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة {وأخفى} من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم لطمأنة قلبه بأن ربه معه يسمعه، ولا يتركه وحده يشقى بهذا القرآن، ويواجه الكافرين بلا سند، فإذا كان يدعوه جهراً فإنه يعلم السر وأخفى. والقلب حين يستشعر قرب الله منه، وعلمه بسره ونجواه، يطمئن ويرضى؛ ويأنس بهذا القرب فلا يستوحش من العزلة بين المكذبين المناوئين؛ ولا يشعر بالغربة بين المخالفين له في العقيدة والشعور.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {له ما في السموات وما في الأرض} [طه: 6] لدلالة هذه الجملة على سعة علمه تعالى كما دلّت الجملة المعطوف عليها على عظيم سلطانه وقدرته. وأصل النظم: ويعلم السر وأخفى إن تجهر بالقول؛ فموقع قوله: {وإن تَجْهَر بالقَوْلِ} موقع الاعتراض بين جملة {يعلم السر وأخفى وجملة الله لا إله إلاّ هو. فصيغ النظم في قالب الشرط والجزاء زيادة في تحقيق حصوله على طريقة ما يسمى بالمذهب الكلامي، وهو سوق الخبر في صيغة الدليل على وقوعه تحقيقاً له.
والمعنى: إنه يعلم السر وأخفى من السرّ في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه، أي فهو لا يحتاج إلى الجهر لأنه يعلم السر وأخفى. وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة. وذلك في كل شرط لا يقصد به التعليق بل يقصد التحقيق...
فالخطاب في قوله {وإنْ تَجْهَر} يجوز أن يكون خطاباً للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يعم غيره. ويجوز أن يكون لغير معيّن ليعم كلّ مخاطب.
واختير في إثبات سعة علم الله تعالى خصوص علمه بالمسموعات لأنّ السر أخفى الأشياء عن علم الناس في العادة. ولمّا جاء القرآن مذكراً بعلم الله تعالى توجهت أنظار المشركين إلى معرفة مدى علم الله تعالى وتجادلوا في ذلك في مجامعهم. وفي « صحيح البخاري» عن عبدالله بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقهُ قلوبِهم فقال أحدهم: أترون أنّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جَهَرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر: إنْ كان يسمع إذا جهرنا (أي وهو بعيد عنا) فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله تعالى: {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا قلوبكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} [فصلت: 22]. وقد كثر في القرآن أنّ الله يعلم ما يسرّ الناس وما يعلنون ولا أحسب هذه الآية إلا ناظرة إلى مثل ما نظرتْ الآية الآنفة الذكر. وقال تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرّون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5].
يبقى النظر في توجيه الإتيان بهذا الشرط بطريقة الاعتراض، وتوجيه اختيار فرض الشرط بحالة الجهر دون حالة السر مع أن الذي يتراءى للناظر أنّ حالة السر أجدر بالذكر في مقام الإعلام بإحاطة علم الله تعالى بما لا يحيط به علم الناس، كما ذكر في الخبر المروي عن ابن مسعود في الآية الآنفة الذكر.
وأحسب لفرض الشرط بحالة الجهر بالقول خصوصية بهذا السياق اقتضاها اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بالقرآن في الصلاة أو غيرها، فيكون مورد هذه الآية كمورد قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] فيكون هذا مما نسخَه قوله تعالى: {فاصدَع بما تؤمر} [الحجر: 94]، وتعليم للمسلمين باستواء الجهر والسر في الدعاء، وإبطال لتوهم المشركين أن الجهر أقرب إلى علم الله من السر، كما دل عليه الخبر المروي عن أبي مسعود المذكور آنفاً.
والقول: مصدر، وهو تلفظ الإنسان بالكلام، فيشمل القراءة والدعاء والمحاورة، والمقصود هنا ما له مزيد مناسبة بقوله تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 2] الآيات.
وجواب شرط {وإن تجهر بالقول} محذوف يدل عليه قوله: {فإنه يعلم السر وأخفى. والتقدير: فلا تشقّ على نفسك فإنّ الله يعلم السر وأخفى، أي فلا مزية للجهر به.
وبهذا تعلم أن ليس مساق الآية لتعليم الناس كيفية الدعاء، فقد ثبت في السُّنّة الجهر بالدعاء والذكر، فليس من الصواب فرض تلك المسألة هنا إلاّ على معنى الإشارة.
وأخفى اسم تفضيل، وحذف المفضل عليه لدلالة المقام عليه، أي وأخفى من السر. والمراد بأخفى منه: ما يتكلم اللسان من حديث النفس ونحوه من الأصوات التي هي أخفى من كلام السر.
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
وأخفى: الكلمة هنا في مقام ذكر كون علم الله تعالى لا يخفى عليه أي شيء مهما خفي واستتر.
وإذا كان الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من السر، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضا لأمته: إياكم أن تقولوا كلاما ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم مستقرة عليه؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر. وتكلمنا عن الجهر، وهو أن تسمع من يريد أن يسمع، والسر: أن تخص واحدا بأن تضع في أذنه كلاما لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسيا حينما تلقي بسرك إلى من تثق فيه، وتأمن ألا يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا بد لك أن تنفس عن نفسك،...فأنت – إذن – في حاجة لمن يسمع منك ليريحك، وينفس عنك، ولا يفضحك بما أسررت إليه...
وقال أيضا: {ونعلم ما توسوس به نفسه.. (16)} (ق): فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأخفى من السر، فلدينا – إذن -جهر، وسر، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول: وهناك في علم الله ما هو أخفى من الأخفى، فما هو؟ يقول: إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون.