روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ} (44)

{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } عطف على { أَنشَأْنَا } [ المؤمنون : 42 ] لكن لا على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة جميعاً بل على معنى أن إرسال كل رسول متأخر عن إرسال قرن مخصوص بذلك الرسول كأنه قيل : ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولاً خاصاً به ، والفصل بين المعطوفين بالجملة المعترضة للمسارعة إلى بيان هلاك أولئك القرون على وجه إجمالي ، وتعليق الإرسال بالرسل نظير تعليق القتل بالقتيل في من قتل قتيلاً وللعلماء فيه توجيهات { *تَتْرَا } من المواترة وهو التتابع مع فصل ومهلة على ما قاله الأصمعي . واختاره الحريري في الدرة .

وفي «الصحاح المواترة » المتابعة ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة وإلا فهي مداركة ومثله في «القاموس » ، وعن أبي علي أنه قال : المواترة أن يتبع الخبر الخبر والكتاب الكتاب فلا يكون بينهما فصل كثير ، ونقل في «البحر » عن بعض أن المواترة التتابع بغير مهلة ، وقيل : هو التتابع مطلقاً ، والتاء الأولى يدل من الواو كما في تراث وتجاه ويدل على ذلك الاشتقاق ، وجمهور القراء . والعرب على عدم تنوينه فالفه للتأنيث كالف دعوى وذكرى وهو مصدر في موضع الحال والظاهر أنه حال من المفعول ، والمراد كما قال أبو حيان . والراغب . وغيرهما ثم أرسلنا رسلنا متواترين ، وقيل : حال من الفاعل والمراد أرسلنا متواترين .

وقيل هو صفة لمصدر مقدر أي إرسالاً متواتراً ، وقيل مفعول مطلق لأرسلنا لأنه بمعنى واترنا . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وقتادة . وأبو جعفر . وشعبة . وابن محيصن . والإمام الشافعي عليه الرحمة { رُسُلَنَا تَتْرَى } بالتنوين وهو لغة كنانة ، قال في «البحر » : وينبغي عند من ينون أن تكون الألف فيه للإلحاق كما في أرطى وعلقى لكن ألف الإلحاق في المصادر نادرة ، وقيل : إنها لا توجد فيها .

وقال الفراء : يقال تتر في الرفع وتتر في الجر وتتراً في النصب فهو مثل صبر ونصر ووزنه فعل لا فعلي ومتى قيل تترى بالألف فألفه بدل التنوين كما في صبرت صبراً عند الوقف . ورد بأنه لم يسمع فيه إجراء الحركات الثلاث على الراء وعلى مدعيه الإثبات . وأيضاً كتبه بالياء يأبى ذلك ، وما ذكرنا من مصدرية { تَتْرَى } هو المشهور ، وقيل : هو جمع ، وقيل : اسم جمع وعلى القولين هو حال أيضاً .

وقوله تعالى : { كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ } استئناف مبين لمجيء كل رسول لأمته ولما صدر عنهم عند تبليغ الرسالة ، والمراد بالمجيء إما التبليغ وإما حقيقة المجيء للإيذان بأنهم كذبوه في أول الملاقاة ، وإضافة الرسول إلى الأمة مع إضافة كلهم فيما سبق إلى نون العظمة لتحقيق أن كل رسول جاء أمته الخاصة به لا أن كلهم جاؤوا كل الأمم وللإشعار بكمال شناعة المكذبين وضلالهم حيث كذبوا الرسول المعين لهم ، وقيل : أضاف سبحانه الرسول مع الإرسال إليه عز وجل ومع المجيء إلى المرسل إليهم لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه تعالى والمجيء الذي هو منتهاه إليهم { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً } في الهلاك حسبما تبع بعضهم بعضاً في مباشرة سببه وهو تكذيب الرسول { وجعلناهم أَحَادِيثَ } جمع أحدوثه وهو ما يتحدث به تعجباً وتلهياً كأعاجيب جمع أعجوبة وهو ما يتعجب منه أي جعلناهم أحاديث يتحدث بها على سبيل التعجب والتلهي ، ولا تقال الأحدوثة عند الأخفش إلا في الشر .

وجوز أن يكون جمع حديث وهو جمع شاذ مخالف للقياس كقطيع وأقاطيع ويسميه الزمخشري اسم جمع ، والمراد إنا أهلكناهم ولم يبق إلا خبرهعم { فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } اقتصر ههنا على وصفهم بعدم الايمان حسبما اقتصر على حكاية تكذيبهم إجمالاً ، وأما القرون الأولون فحيث نقل عنهم ما مر من الغلو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان وصفوا بالظلم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ} (44)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ثم أرسلنا رسلنا تترا} يعني: الأنبياء، تترا: بعضهم على أثر بعض.

{كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} فلم يصدقوه.

{فأتبعنا بعضهم بعضا} في العقوبات {وجعلناهم أحاديث} لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

{فبعدا} في الهلاك {لقوم لا يؤمنون} يعني: لا يصدقون بتوحيد الله عز وجل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ثُمّ أرْسَلْنا إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود "رُسُلَنا تَتْرَا "يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض...

"كُلّما جاءَ أُمّةً رَسُولُهَا كَذّبُوهُ" يقول: كلما جاء أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسولها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحقّ من عندنا.

"فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضا" يقول: فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك فأهلكنا بعضهم في إثر بعض.

"وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ" للناس ومثلاً يُتَحدّث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث. وإنما قيل: "وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ" لأنهم جُعلوا حديثا ومثلاً يُتمثّل بهم في الشرّ، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا ولا أُحدوثة.

"فَبُعْدا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ" يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدّقون برسوله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال القتبي: {تترا} أي تتتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر... وقال أبو عوسجة: {تترا} بعضهم على إثر بعض وهو من المتابعة.

{ثم أرسلنا رسلنا تترا} دلالة على أن أهل الفترة ومن كان في ما بين بعث الرسل، لا عذر لهم في شيء لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم. أخبر أنه أرسل الرسل تباعا بعضا على إثر بعض وأنه كان بين بعثهم فترة لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وجعلناهم} أخباراً يسمر بها ويتعجب منها. الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث. ومنه: أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتكون جمعاً للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهي: مما يتحدّث به الناس تلهياً وتعجباً، وهو المراد ههنا.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترا} فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد...

أما قوله تعالى: {كلما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي بالهلاك.

[وقوله]: {وجعلناهم أحاديث} يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغا صاروا معه أحاديث، فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به.

ويمكن أيضا أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا.

ثم قال: {فبعدا لقوم لا يؤمنون} على وجه الدعاء والذم والتوبيخ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلا فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن، فلما لم يهدهم عقولهم لما نصب لهم من الأدلة، وأسبغ عليهم من النعم، وأحل بالمكذبين قبلهم من النقم، أرسل فيهم رسولاً، دل على ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم أرسلنا} أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له، ومن هنا يعلم أن بين كل رسولين فترة، وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام العظمة وزيادة في التسلية فقال: {رسلنا تترا} أي واحداً بعد واحد... فجاء كل رسول إلى أمته قائلاً: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.

ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: {كلما جاء أمة} ولما كان في بيان التكذيب، اضاف الرسول إليهم، ذماً لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد التسلية أيضاً فقال: {رسولها} أي بما أمرناه به من التوحيد.

ولما كان الأكثر من كل أمة مكذباً، أسند الفعل إلى الكل فقال: {كذبوه} أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك {فأتبعنا} القرون بسبب تكذيبهم {بعضهم بعضاً} في الإهلاك، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد، بعضهم بالصيحة، وبعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بغير ذلك، فدل أخذنا لهم على غير العادة -من إهلاكنا لهم جميعاً وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب- أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب.

ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم، جعلوا إياها، فقال: {وجعلناهم أحاديث} أي أخباراً يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون...

ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال: {فبعداً لقوم} أي أقوياء على ما يطلب منهم {لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة، لأنه لا مزاج لهم معتدل.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على أحقية ما جاءوا به.. {فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} ما أشقاهم "وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم".

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]

هكذا في إجمال، يلخص تاريخ الدعوة، ويقرر سنة الله الجارية، في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة، وموسى وعيسى في أواخرها. هكذا في إجمال، يلخص تاريخ الدعوة، ويقرر سنة الله الجارية، في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة، وموسى وعيسى في أواخرها.. كل قرن يستوفي أجله ويمضي: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون). وكلهم يكذبون: (كلما جاء أمة رسولها كذبوه). وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة الله: (فأتبعنا بعضهم بعضا). وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون: (وجعلناهم أحاديث) تتناقلها القرون.

ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب: (فبعدا لقوم لا يؤمنون).

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ومجيء الرسول لأمة هو مجيء دعوته ورسالته التي كلفه الله تعالى بتبليغها، فليس مجيء الرسول مجيء شخصي مجرد، إنما مجيئه بوصف كونه رسولا من الله تعالى، وبهذا الوصف يكون مجيء الرسالة، والتكذيب له في هذه الرسالة مع أنه في كل الأحوال معروف بالصدق بينهم، ولا يختار الرسول إلا من الصادقين أهل الأمانة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

فقد كان الرسل ينطلقون في مراحل متتابعة، باعتبار أن الأمم تتلو بعضها البعض، وأن الله جعل لكل واحدةٍ منها رسولاً، {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ}، لأنه يريد تغيير الواقع من حولهم، من خلال تغييره الفكر الذي أنتجه ذلك الواقع وحرّك خطواته وركز مواقعه.. ولم يكن ذلك ملائماً لما اعتادوه أو ألِفوه، ولم يكن منسجماً مع شهواتهم وملذّاتهم التي تمثّل القاعدة الثابتة التي يريدون إخضاع الحياة لها، ولم يكن الأمر مقتصراً على التكذيب، بل كان ينتهي تارة إلى الضرب والاضطهاد والإبعاد، وتارة إلى القتل، {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالعذاب والهلاك، {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} لمن بعدهم، كما تتحدث روايات التاريخ عن النتائج السلبية التي حصلت لهؤلاء نتيجة تكذيب رسلهم، ليكون ذلك عبرةً للأمم اللاحقة عند مواجهة خط الرسالات، {فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}، لأنهم لم ينطلقوا من موقع فكرٍ، بل من موقع الأهواء والشهوات.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... (فبعداً لقوم لا يؤمنون) أجل، إنّ هذا المصير نتيجة لعدم الإيمان بالله، فكلّ مجموعة لا إيمان لها، معاندة وظالمة، تبتلى بهذا المصير، فتمحق بشكل لا يبقى إلاّ ذكرها في التاريخ وأحاديث الناس. وهؤلاء لم يكونوا بعيدين عن رحمة الله في هذه الدنيا فحسب، بل بعيدون عن هذه الرحمة في الآخرة أيضاً، لأنّ تعبير الآية جاء عامّاً يشمل الجميع.