{ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السموات والارض } فهو مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل بالآيات التكوينية إثر مانعي عليهم مانعي ، والهمزة هنا كالهمزة فيما قبل ، والواو للعطف على مقدر كما تقدم أو على الجملة المنفية بلم ، والملكوت الملك العظيم ، أي أكذبوا أو لم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فيما يدل على كمال قدرة الصانع ووحدة المبدع وعظيم شأن المالك ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ذاك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكأن التعبير بالنظر هنا دون التفكر الذي عبر به فيما قبل للإشارة إلى أن الدليل هنا أوضح منه فيما تقدم . وقوله سبحانه وتعالى : { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } يحتمل أن يكون عطفاً على ملكوت وتخصيصه بالسموات والأرض لكما لظهور عظم الملك فيهما ، وأن يكون عطفاً على المضاف هو إليه فيكون منسحباً على الجميع ، والتعميم لاشتراك الكل في عظم الملك في الحقيقة ، و { مِن شَىْء } بيان { لَّمّاً } ، وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء . نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوث وهو الذي عليه معظم المتكلمين ، ومنهم من جعل وجهها الإمكان وهو الذي عليه الفلاسفة واختاره بعض المتكلمين ، ورجح الأول قطب عصره الشيخ خالد المجددي قدس سره في تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي فارجع إليها ، وقوله تعالى : { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } عطف على ملكوت فهو معمول لينظروا لكن لا يعتبر فيه بالنظر إليه أنه للاستدلال بناء على ما قالوا : إن قيد المعطوف عليه لا يلزم ملاحظته في المعطوف ، وقد تقدم الكلام في ذلك ، وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو { أَن يَكُونَ } ، وخبر ضمير الشأن لا يشترط فيه الخبرية ولا يحتاج إلى التأويل كما نص عليه المحققون فلا معنى للمناقشة في ذلك ، واسم يكون أيضاً ضمير الشأن والخبر { قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } ، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع لأن تنازع كان وخبرها مما لم يعهد لا لأن ذلك خلاف الأصل لما فيه من الإضمار قبل الذكر لأن ذلك لازم على جعل الاسم ضمير الشأن ولا ضير في كل ، وأمر التكرار فيما ذكرنا سهل فلا يرتكب له خلاف المعهود خلافاً للقطب الرازي ، وجوز أبو البقاء أن تكون مصدرية ، وتعقب بأنها لا توصل إلا بالفعل المتصرف وعسى ليست كذلك ، والمعنى أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ومفاجأته ونزول العذاب ، فالمراد بأجلهم أجل موتهم ، وجوز أن يكون عبارة عن الساعة ، والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها ، وقوله جل وعلا : { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } قطع لاحتمال إيمانهم رأساً ونفي له بالكلية بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر ، والباء متعلقة بيؤمنون ، وضمير بعده للقرآن على ما ذهب إليه غالب المفسرين وهو معلوم من السياق ، والحديث بمعنى الكلام فلا دليل في الآية لمن يزعم حدوث القرآن ، وقيل : ولئن سلمنا كونه دليلاً يراد من القرآن الألفاظ وهي محدثة على المشور ، والمعنى إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو النهاية في البيان فبأي كلام يؤمنون بعده ، وقيل : الضمير للآيات على حذف المضاف المفهوم من
{ كَذَّبُوا } والتذكير باعتبار كونها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور أو إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة .
والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال المصنوعات فبأي حديث بعد تكذيبها يؤمنون ، وفيه بعد ، وقيل : إنه يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير مضاف أيضاً أي بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس ، وقيل : المراد بعد هذا الحديث ، وقيل : بعد الأجل أي كيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم ؟ ، وجعل الزمخشري ذلك مرتبطاً بقوله تعالى : { وَأَنْ عسى } الخ ارتباط التسبب عنه ، والضمير للقرآن كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الموت وماذا ينظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يئمنوا ، وتقدير ما قدر عند «صاحب الكشف » ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم الكلام بل للتنبيه على معنى الاستبطاء الذي في ضمن أي ، وأنه ليس بعد هذا البيان الواضح أمر ينتظر
( ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ في مَلَكُوتِ السموات والأرض وَمَا مّنَ الله مِن شيء } [ الأعراف : 185 ] وهي الآيات التكوينية ، وقد تقدم معنى الملكوت وهو في مصطلح الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم عبارة عن عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس وفسروا الملك بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية كالعرش والكرسي وغيرهما وكل جسم يتركب من الاستقصاآت
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
...ثم وعظهم ليعتبروا في صنيعه فيوحدوه، فقال: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض و} إلى {وما خلق الله من شيء} من الآيات التي فيها، فيعتبروا أن الذي خلق ما ترون لرب واحد لا شريك له، {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم}، يعني يكون قد دنا هلاكهم... {فبأي حديث بعده}، أي بعد هذا القرآن {يؤمنون}، يعني يصدقون...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء المكذّبون بآيات الله في مُلك الله وسلطانه في السموات وفي الأرض وفيما خلق جلّ ثناؤه من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به ويعلموا أن ذلك ممن لا نظير له ولا شبيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلاّ له، فيؤمنوا به ويصدّقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته ويخلعوا الأنداد والأوثان ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فيهلكوا على كفرهم ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.
وقوله:"فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ" يقول: فبأيّ تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد صلى الله عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدّقون، إن لم يصدّقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} هذا يتوجه وجهين: أحدهما: أنكم ممن تقبلون الأخبار والحديث. فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره، ولم تصدّقوه، فبأي حديث بعده تقبلون؟ وتصدّقون؟ ومعه حجج وبراهين، والله أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} بعد القرآن، وهو كما وصفه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} الآية: [فصلت: 42] وقال {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] فإذا لم تقبلوا هذا، ولم تصدّقوه وهو بالوصف الذي ذكر، وأنتم ممن تقبلون الحديث {فبأي حديث بعده يؤمنون} تقبلون؟...
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ} فيه حَثٌّ على النظر والاستدلال والتفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره، فإنه يدل عليه وعلى حكمته وجُودُه وعدلُه، وأخبر أن في جميع ما خلقه دليلاً عليه وداع إليه، وحذّرهم التفريط بترك النظر إلى وقت حلول الموت وفوات ما كان يمكنه الاستدلال به على معرفة الله تعالى وتوحيده، وذلك قوله تعالى: {وأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فبأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{أَوَلَمْ يَنظُرُواْ} نظر استدلال {فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض} فيما تدلاّن عليه من عظم الملك. والملكوت: الملك العظيم، {وَمَا خَلَقَ الله مِن شيء} وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء ومن أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف، {وَأَنْ عسى} أن مخففة من الثقيلة، والأصل: أنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن. والمعنى: أو لم ينظروا في أنّ الشأن والحديث عسى {أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ} ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب ويجوز أن يراد باقتراب الأجل: اقتراب الساعة...
فإن قلت: بم يتعلق قوله: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؟ قلت: بقوله: {عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ} كأنه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ، وبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
...هذا أيضاً توبيخ للكفار وتقرير، والنظر هنا بالقلب عبرة وفكراً، و {ملكوت} بناء عظمة ومبالغة، وقوله: {وما خلق الله من شيء} لفظ يعم جميع ما ينظر فيه ويستدل به من الصنعة الدالة على الصانع ومن نفس الإنس وحواسه ومواضع رزقه، و «الشيء» واقع على الموجودات.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي آيَاتِهِ، وَالِاعْتِبَارِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ من آيِ الْقُرْآنِ؛ أَرَادَ بِذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْيَقِينِ، وَقَوْلًا فِي الْإِيمَانِ، وَتَثْبِيتًا لِلْقُلُوبِ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ؛ قَالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ. قِيلَ لَهُ: أَفَتَرَى الْفِكْرَ عَمَلًا من الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. هُوَ الْيَقِينُ.
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَادَةً؛ إنَّمَا الْعِبَادَةُ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَالْفِكْرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ من قِيَامِ لَيْلَةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ: حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ هُنَا تَرْدِيدُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ بِالْخَبَرِ عَنْهُ.
وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً هُوَ مَا يَجْرِي فِي النَّفْسِ، وَالْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَأَقَلُّ مَا يَحْضُرُ فِي الْقَلْبِ من الْعِلْمِ عِلْمَانِ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا نَسَقُ الْآخَرِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَطْلُوبَةٌ، وَأَنَّ الْمُوَصِّلَ إلَيْهَا آكَدُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ؛ وَآكَدُ من هَذَا أَنْ تَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَلَكُوتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ؛ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَهِيَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً؛ وَأُمَّهَاتُهَا السَّمَاوَاتُ، فَتَرَى كَيْفَ بُنِيَتْ وَزُيِّنَتْ من غَيْرِ فُطُورٍ وَرُفِعَتْ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَخُولِفَ مِقْدَارُ كَوَاكِبِهَا، وَنُصِبَتْ سَائِرَةً شَارِقَةً وَغَارِبَةً نَيِّرَةً، وَمَمْحُوَّةً؛ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ.
وَالْأَرْضَ؛ فَانْظُرْ إلَيْهَا كَيْفَ وُضِعَتْ فِرَاشًا، وَوُطِئَتْ مِهَادًا، وَجُعِلَتْ كِفَاتًا، وَأَنْبَتَتْ مَعَاشًا، وَأُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ، وَزُيِّنَتْ بِالنَّبَاتِ، وَكُرِّمَتْ بِالْأَقْوَاتِ، وَأُرْصِدَتْ لِتَصَرُّفِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَعَاشِهَا؛ وَكُلُّ جُزْءٍ من ذَلِكَ فِيهِ عِبْرَةٌ تَسْتَغْرِقُ الْفِكْرَةَ.
وَالْحَيَوَانُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالثَّانِي الْجَمَادَاتُ؛ فَانْظُرْ فِي أَصْنَافِهَا، وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَانْقِيَادِهَا وَشَرَسِهَا، وَتَسْخِيرِهَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا، زِينَةً وَقُوتًا، وَتَقَلُّبًا فِي الْأَرْضِ.
وَالْبِحَارُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ عِبْرَةً، وَأَدَلُّهَا عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ فِي سَعَتِهَا، وَاخْتِلَافِ خَلْقِهَا، وَتَسْيِيرِ الْفُلْكِ فِيهَا، وَخُرُوجِ الرِّزْقِ مِنْهَا، وَالِانْتِفَاعِ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ بِالْأَثْقَالِ الْوَئِيدَةِ بِهَا.
وَالْهَوَاءُ؛ فَإِنَّهُ خَلْقٌ مَحْسُوسٌ بِهِ قِوَامُ الرُّوحِ فِي الْآدَمِيِّ وَحَيَوَانِ الْبَرِّ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ قِوَامٌ لِرُوحِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، فَإِذَا فَارَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِوَامَهُ هَلَكَ، وَانْظُرْ إلَى رُكُودِهِ ثُمَّ اضْطِرَابِهِ، وَهُوَ بِالرِّيحِ.
وَالْإِنْسَانُ أَقْرَبُهَا إلَيْهَا نَظَرًا، وَأَكْثَرُهَا إنْ بَحَثَ عِبْرًا، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَفْسِهِ من حِينِ كَوْنِهَا مَاءً دَافِقًا إلَى كَوْنِهِ خَلْقًا سَوِيًّا، يُعَانُ بِالْأَغْذِيَةِ، وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ، وَيُحْفَظُ بِاللَّبَنِ حَتَّى يَكْتَسِبَ الْقُوَى، وَيَبْلُغَ الْأَشُدَّ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ قَالَ أَنَا وَأَنَا، وَنَسِيَ حِينَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا. وَهَذَا زَمَانٌ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا، فَيَا وَيْحَه إنْ كَانَ مَحْسُورًا فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، مُكَلَّفٌ مَخُوفٌ بِالْعَذَابِ إنْ قَصَّرَ، مُرْجًى بِالثَّوَابِ إنْ ائْتَمَرَ، فَيُقْبِلُ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ يَرَاهُ، وَلَا يَخْشَى النَّاسَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ من عِبَادِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ مُؤَلَّفٌ من أَقْذَارٍ، مَشْحُونٌ من أَوْضَارٍ، صَائِرٌ إلَى جَنَّةٍ إنْ أَطَاعَ، أَوْ إلَى نَارٍ..
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على تقرير أدلة التوحيد، وكان المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد، قال منكراً عليهم عدم النظر في دلائل التوحيد الراد عن كل حال سيئ: {أولم} ولما كان الأمر واضحاً قال: {ينظروا} أي نظر تأمل واعتبار، ودل على أنه بالبصيرة لا البصر بالصلة، فقال إشارة إلى كل ذرة فيها دلائل جمة {في ملكوت} وعظم الأمر بقوله: {السماوات والأرض} أي ملكهما البالغ من حد العظمة أمراً باهراً بظاهره الذي يعرفونه وباطنه الذي يلوح لهم ولا يدركونه. ولما كانت أدلة التوحيد تفوت الحصر، ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع باهر، قال؛ {وما} أي وفيما {خلق الله} أي على ما له من الجلال والجمال {من شيء} أي غيرهما، ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلاً عن ذلك غيره، ويتحققوا أن كتابه سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه صفته سبحانه وكلامه، فلا يلحدوا في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ظهر لهم من تمام قدرته وتمام عجز غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي جهل غيره بكل شيء إلى غير ذلك حتى يعلموا بعظمة هذا الكون أنه سبحانه عظيم، وبقهره لكل شيء أنه قهار شديد، وبعجزه كل شيء عن كل شيء من أمره أنه عزيز، وبإسباغه النعمة أنه رحيم كريم إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تنطق الأشياء بها بألسنة الأحوال وتتحدث بها صدور الكائنات وإن لم يكن لها مقال، ويشرحها كلام التدبير بما له من الكمال {وأن عسى} أي وينظروا في الإشفاق والخوف من أنه ممكن وخليق وجدير {أن يكون قد اقترب} أي دنا دنوّاً عظيماً {أجلهم} أي الذي لا شك عندهم في كونه بموتة من موتات هذه الأمم التي أسلفنا أخبارها كنفس واحدة أو بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل للنجاة من أعظم الوجل، فإن كل عاقل إذا جوز خطراً ينبغي له أن ينظر في عاقبته ويجتهد في الخلاص منه. ولما كان قد تقدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا الكتاب، وبان بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بالإنذار به حق الاتصاف...تسبب عن ذلك الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به، والتخويف من إحلال أجله قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه، وذلك في أسلوب دال على أن الإيمان بعد هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا لانتظار كلام آخر فقال: {فبأي حديث} أي كلام يتجدد له في كل واقعة بيان المخلص منها {بعده} أي بعد هذه الرتبة العظيمة {يؤمنون*}...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم إنه دعاهم بعد هذا إلى النظر والاستدلال العقلي فقال:
{أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} الملكوت الملك العظيم كما تدل عليه صيغة (فعلوت) والمراد بملكوت السماوات والأرض مجموع العالم لأن الاستدلال به على قدرة الله تعالى وصفاته ووحدانيته أظهر، فإن العالم في جملته لا يمكن أن يكون قديما أزليا ولا نزاع بين علماء الكون في إمكانه ولا في حدوث كل شيء منه وإنما يختلفون في مصدره ومم وجد. وهو لا يمكن أن يكون من عدم محض لأن العدم المحض لا حقيقة له في الخارج بل هو أمر فرضي فلا يعقل أن يصدر عنه وجود- ولا يمكن أن يكون بعضه قد أوجد البعض الآخر وهذا بديهي ولذلك لم يقل به أحد، فلا بد إذا من أن يكون صادرا عن وجود آخر غيره وهو الله واجب الوجود. ثم إن هذا النظام العام في الملكوت الأعظم يدل على أن مصدره واحد وتدبيره راجع إلى علم عليم واحد وحكمة حكيم واحد، سبحانه وتعالى {أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون} [الطور: 35، 36].
ومعنى الآية أكذبوا الرسول المشهور بالأمانة والصدق، وقالوا: إنه لمجنون وهو المعروف عندهم بالروية والعقل، وحتى جعلوا تحكيمه في تنازعهم على رفع الحجر الأسود هو الحكم الفصل – ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال في مجموع ملكوت السماوات والأرض على عظمته، والنظام العام الذي قام بجملته، وما خلق الله من شيء في كل منهما وإن دق وصغر، وخفي واستتر، ففي كل شيء من خلقه له آية تدل على علمه وقدرته، ومشيئته وحكمته، وفضله ورحمته، وكونه لم يخلق شيئا عبثا، ولا يترك الناس سدى، تدل على ذلك بوجود ذلك الشيء بعد أن لم يكن، وبترجيح كل وصف من أوصافه على ما يقابله، وبما فيها من فائدة ومنفعة، فكيف بالملكوت الأعظم في جملته، والنظام البديع الذي قام هو به؟ أكذبوا وقالوا ما قالوا ولم ينظروا في العالم الأكبر، ولا في ذرات العالم الأصغر، نظر تأمل واعتبار، وتفكر واستدلال، ولا فيما عسى أن يكون عليه الشأن من اقتراب أجلهم، وقدومهم على الله تعالى بسوء عملهم، فأجل الأفراد مهما يطل قصير، ومهما يبعد أملهم فيه فهو في الحق والواقع قريب، ولو نظروا في الملكوت أو في شيء ما منه، واعتبروا بخلق الله تعالى إياه، لاهتدوا بدلائله إلى تصديق الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولو نظروا في توقع قرب أجلهم لاحتاطوا لأنفسهم ورأوا أن من العقل والروية أن يقبلوا إنذاره صلى الله عليه وسلم لهم، لأن خيريته لهم في الدنيا ظاهرة لم يكونوا ينكرونها، وأما خيريته في الآخرة فهي أعظم إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء وهو صدق وحق، وإن صح إنكارهم له- وما هو بصحيح- فلا ضرر عليهم من الاحتياط له...فالمجنون إذا من يترك ما فيه سعادة الدنيا باعترافه، وسعادة الآخرة ولو على احتمال لا ضرر في تخلفه، لا من يدعو إلى السعادتين، أو إلى شيئين يجزمون بأن أحدهما نافع قطعا والآخر إما نافع وإما غير ضار. هذا ما دعاهم إليه صاحبهم بكتاب ربهم مؤيدا بالبراهين العقلية والعلمية، لعلهم يعقلون ويعلمون.
{فبأي حديث بعده يؤمنون} وردت هذه الآية بنصها في آخر سورة المرسلات (77) التي أقيمت فيها الدلائل على البعث والجزاء وتهديد المكذبين بالويل والهلاك بعد تقرير كل نوع منها. وورد في الآية الخامسة من سورة الجاثية (45) بعد التذكير بآيات الله للمؤمنين وآياته لقوم يوقنون وآياته لقوم يعقلون قوله: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية: 6]؟ والحديث في الجميع كلام الله الذي هو القرآن، يدل عليه هنا قوله تعالى في رسوله {إن هو إلا نذير مبين} [الأعراف: 184] وفي آية المرسلات القرينة في تهديد المكذبين له. وفي آية الجاثية افتتاح السورة بذكر الكتاب فيكون معناها فبأي حديث بعد كتاب الله المذكور في الآية الأولى وآياته المشار إليها بعدها يؤمنون؟
والمراد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير مبين عن الله تعالى وإنما أنذر الناس بهذا الحديث أي القرآن كما أمره أن يقول: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وهو أكمل كتب الله بيانا، وأقواها برهانا، وأقهرها سلطانا، فمن لم يؤمن به فلا مطمع في إيمانه بغيره، ومن لم يرو ظمأه الماء النقاح المبرد فأي شيء يرويه؟ ومن لم يبصر في نور النهار ففي أي نور يبصر؟
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء؟).. وهي هزة أخرى أمام هذا الكون العجيب.. والنظر بالقلب المفتوح والعين المبصرة في هذا الملكوت الواسع الهائل العظيم، يكفي وحده لانتفاض الفطرة من تحت الركام؛ وتفتح الكينونة البشرية لإدراك الحق الكامن فيه، والإبداع الذي يشهد به، والإعجاز الذي يدل على البارئ الواحد القدير.. والنظر إلى ما خلق الله من شيء -وكم في ملكوت السماوات والأرض من شيء- يدهش القلب ويحير الفكر، ويلجئ العقل إلى البحث عن مصدر هذا كله، وعن الإرادة التي أوجدت هذا الخلق على هذا النظام المقصود المشهور.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وبعد أن دعاهم الله تعالى إلى التفكير في أمر النبي الصادق الأمين، دعاهم إلى النظر في الكون ليؤمنوا بالله وحده، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}.
عقيدة الإيمان الإسلامية شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الصادق الأمين، وقد بين سبحانه في الآية السابقة أن صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثابت عند المشركين لصحبته لهم قبل أن ينادي بأنه رسول رب العالمين، ولم تتغير حاله بعد الدعوة وليس به جنون كما ادعيتم ولكنه حمل الرسالة بالإنذار والتبشير لكم فلا مسوغ لكم في تكذيبه؛ وقد علمتم من ماضيه فيكم أنه الصادق، وتأيد صدقه بالمعجزة الباهرة القاهرة فيكون كل ما جاء به حق.
وإنه إذا ثبتت المعجزة، وإنها ثابتة لا محالة، فقد ثبت كل ما جاء به ودعا إليه من التوحيد، وألا يشركوا بالله شيئا.
وقد أخذ – سبحانه وتعالى – يثبته بالأدلة الكونية، وقد دعاهم – سبحانه – إلى النظر في الكون، وما خلق من شيء فقال تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} الملكوت صيغة مبالغة في الملك، وهي تدل على كمال السلطان وقوة الملك، وأن كل شيء في هذا الملكوت لا يسير إلا بأمر الله تعالى ونهيه – سبحانه وتعالى – والاستفهام للتعجب من أمر المشركين الذين هبط حالهم إلى عبادة حجر لا ينفع ولا يضر، وهو ملقى ككل الحجارة الملقاة ولا ينظرون إلى الكون العظيم وخالقه، لا ينظرون إلى السماء وأبراجها والشمس وضوئها، والقمر ونوره، وتعاقب الليل والنهار، ولا إلى الأرض وسهولها وأوتادها {وما خلق الله من شيء}، والأشياء التي خلقها الله تعالى من حيوان، وجماد وفلزات في باطن الأرض، لا ينظرون إلى ذلك ويسجدون للصنم، ويجعلونه إلها كخالق هذا الكون، وخالق الوجود كله! إن هذا قصور في الفكر والعقل، وضلال في القول والعمل، وخبط في العبادة من غير إدراك.
وقوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} الفعل فيها عطف على فعل محذوف تقديره أيشركون بالله أصناما، ويجعلونها أندادا له – سبحانه – وتعالى – ولم ينظروا إلى خلق الله وعظم هذا الخلق، والأثر يدل على المؤثر، والمخلوق يدل على الخالق، سبحانه، وهذا الكلام فيه دعوة إلى النظر في الكون، {وما خلق الله من شيء} في السماء والأرض، فقد قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض...} (يونس 101)، وقال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20)} (الغاشية)، وقال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22)} (الذاريات).
وهكذا يجب ابتداء النظر إلى الكون وما فيه، وإلى النفس الإنسانية وما هي، ومم تكونت، ولقد أمر الله تعالى في الآية بالنظر إلى مآل الإنسان، وأنه داع إلى الاعتبار، ولا يمكن أن يكون قد خلق عبثا، فقال تعالى: {عسى أن يكون قد اقترب أجلهم}، و (أن) هنا مخففة من (أن) الثقيلة، وإنها ضمير الشأن، أي: وأنه الحال والشأن أن يكون قد اقترب أجلهم.
والله – سبحانه وتعالى – يذكرهم بضرورة النظر إلى الموت، وإلى أن الأجل الذي أقت لحياتهم انتهى، وهذا التذكير فيه فوائد:
أولاها – أن غرور الحياة يدفع إلى الطغيان فيها، فينهوي إلى ضلالها، فإذا ذكر بالموت علم أنها فانية فيقل طغيانه وغروره بها وتلك نافذة الإيمان.
ثانيها – أن تذكر الموت يدفع إلى التفكير في قيمة الحياة فإذا عرف قيمتها عرف قيمة الدنيا؛ ولذلك كان بعض الصالحين إذا عزى في وفاة قال: اللهم انفعنا بالموت، لأنه عبرة وفيه إنذار بالنهاية فإن لم يؤمن باليوم الآخر، فالحياة تكون لغير غاية.
ثالثها – أن التفكير في الموت والنظر فيه يدفع إلى الإيمان باليوم الآخر، وأن حياته ليست عبثا كما قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ترجعون (115)} (المؤمنون).
إنها آيات الله البينات، فيها عبرة وعظة لقوم يؤمنون.
ولقد قال تعالى من بعد ذلك في استفهام تعجبي: {فبأي حديث بعده يؤمنون} الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذ لم يؤمنوا بالله الخالق المنشئ المدبر، وآياته الدالة عليه ولا في الموت النازل بهم لا محالة، إذ لم يؤمنوا بذلك، فبأي حديث يحدثون به يؤمنون.
والاستفهام إنكاري توبيخي، هو نفي لإيمانهم بأي حديث مهما يكن، وذلك فيه توبيخ، وفيه إثبات أن أمثال هؤلاء لا يؤمنون بشيء وفقدت قوة الإيمان بأي أمر، ومن فقد أصل الإيمان بالأشياء فهو حائر ضال لا يهتدي؛ ولذا قال الله تعالى بعد ذلك: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لينطلقوا من هذا النظر القائم على التفكير إلى الشعور بالمسؤولية في ما يستوحونه من إيمانٍ بالله وبشرائعه، وليعيشوا الحياة من خلال ذلك، فيفكروا بالحساب على أساس الثواب والعقاب. {وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} فيدفعهم ذلك إلى الإحساس بالخوف من ضياع الفرصة من أيديهم، فقد لا يستطيعون إصلاح ما فسد إذا لم يبادروا اليوم قبل الغد، لا سيما أن عناصر الإيمان متوفرة لهم. فإذا لم يؤمنوا بها فبِمَ يؤمنون؟ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} إذ ليس هناك أيّة قاعدةٍ للإيمان بأيّ شيءٍ آخر ...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وفي الآية التّالية استكمالا للموضوع آنف الذكر دعاهم القرآن إلى النظر في عالم الملكوت، عالم السموات والأرض، إذ تقول الآية: (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء).
ليعلموا أنّ هذا العالم الواسع، عالم الخلق، عالم السموات والأرض، بنظامه الدقيق المحيّر المذهل لم يخلق عبثاً، وإنّما هناك هدف وراء خلقه. ودعوة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحقيقة، هي من أجل ذلك الهدف، وهو تكامل الإنسان وتربيته وارتقاؤه.
و«الملكوت» في الأصل مأخوذ من «الملك» ويعني الحكومة والمالكية، والواو والتاء المزيدتان المردفتان به هما للتأكيد والمبالغة. ويُطلق هذا الاستعمال على حكومة الله المطلقة التي لا حدّ لها ولا نهاية..
فالنظر إلى عالم الملكوت ونظامه الكبير الواسع المملوك لله سبحانه يقوّي الإِيمان بالله والإِيمان بالحق، كما أنّه يكشف عن وجود هدف مهم في هذا العالم الكبير المنتظم أيضاً. وفي الحالين يدعو الإنسان إلى البحث عن ممثل الله ورَسول رحمته الذي يستطيع أن يطبق الهدف من الخلق في الأرض.
ثمّ تقول الآية معقبة... لتنّبههم من نومة الغافلين (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون).
أي: أوّلا: ليس الأمر كما يتصورون، فأعمارهم لا تخلد والفرص تمر مرّ السحاب، ولا يدري أحد أهو باق إلى غد أم لا؟! فمع هذه الحال ليس من العقل التسويف وتأجيل عمل اليوم إلى غد.
ثانياً: إذ لم يكونوا ليؤمنوا بهذا القرآن العظيم الذي فيه ما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة الهادية إلى الإيمان بالله، فأي كتاب ينتظرونه خير من القرآن ليؤمنوا به؟ وهل يمكن أن يؤمنوا بكلام آخر ودعوة أُخرى غير هذه؟!
وكما نلاحظ فإنّ الآيات محل البحث تُوصد جميع سبل الفرار بوجه المشركين، فمن ناحية تدعوهم إلى أن يتفكروا في شخصيّة النّبي وعقله وسابق أعماله فيهم لئلا يتملّصوا من دعوته باتهامهم إيّاه بالجنون.
ومن ناحية أُخرى تدعوهم إلى أن ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، والهدف من خلقهما، وأنّهما لم يخلقا عبثاً.
ومن ناحية ثالثة تقول: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) لئلا يسوّفوا قائلين اليوم وغداً وبعد غد الخ...
ومن ناحية رابعة تقول: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنّهم لن يؤمنوا بأي حديث آخر وأي كتاب آخر، إذ ليس فوق القرآن كتاب أبداً...