{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ } استئناف لبيان ما يقتضي التوحيد الذي هو المقصد الأعظم ، وإيقاع الموصول خبراً لتفخيم شأن المبتدأ أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعاً وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في ذلك أصلاً { مّن نَّفْسٍ واحدة } وهو آدم عليه السلام على ما نص عليه الجمهور { وَجَعَلَ مِنْهَا } / أَى من جنسها كما في قوله سبحانه : { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ الشورى : 11 ] فمن ابتدائية والمشهور أنها تبعيضية أي من جسدها لما يروى أنه سبحانه خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام اليسرى ، والكيفية مجهولة لنا ولا يعجز الله تعالى شيء ، والفعل معطوف على صلة الموصول داخل في حكمها ولا ضير في تقدم مضمونه على مضمون الأول وجوداً لما أن الواو لا تستدعي الترتيب فيه ، وهو إما بمعنى صير فقوله سبحانه : { زَوْجَهَا } مفعوله الأول والثاني هو الظرف المقدم واما بمعني انشأ والظرف متعلق به قدم على المفعول الصريح لما مر مراراً أو بمحذوف وقع حالا من المفعول { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } علة غائية للجعل أي ليستأنس بها ويطمئن إليها ، والضمير المستكن للنفس ، وكان الظاهر التأنيث لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها إلا أنه ذكر باعتبار أن المراد منها آدم ولو أنث على الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى والمقصود خلافه ، وذكر الزمخشري أن التذكير أحسن طباقاً للمعنى وبينه في الكشف بأنه لما كان السكون مفسراً بالميل وهو متناول للميل الشهواني الذي هو مقدمة التغشي لا سيما وقد أكد بالفاء في قوله تعالى : { *فَلَمصا تغشاها } والتغشي منسوب إلى الذكر لا محالة كان الطباق في نسبته أيضاً إليه وإن كان من الجانبين ، وفيه إيماء إلى أن تكثير النوع علة المؤانسة كما أن الوحدة علة الوحشة ، وأيضاً لما جعل المخلوق أولا الأصل كان المناسب أن يكون جعل الزوج لسكونه بعد الاستيحاش لا العكس فإنه غير ملائم لفظاً ومعنى ، لكن ذكر ابن الشحنة أن النفس إذا أريد به الإنسان بعينه فمذكر وإن كان لفظه مؤنث ، وجاء ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير وتصغيرها نفيسة فليفهم . والضمير المنصوب من تغشاها للزوج وهو بمعنى الزوجة مؤنث ، والتغشي كناية عن الجماع أي فلما جامعها { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } أي محمولاً خفيفاً وهو الجنين عند كونه نطفة أو علقة أو مضغة فإنه لا ثقل فيه بالنسبة إلى ما بعد ذلك من الأطوار ، فنصب حملا على أنه مفعول به وهو بفتح الحاء ما كان في بطن أو على شجر وبالكسر خلافه . وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح .
وجوز أن يكون هنا مصدراً منصوباً على أنه مفعول مطلق ، وأن يراد بالخفة عدم التأذي أي حملت حملاً خف عليها ولم تلق منه ما تلقي بعض الحوامل من حملهن من الكرب والأذية { فَمَرَّتْ بِهِ } أي استمرت به كما قرأ به ابن عباس . والضحاك . والمراد بقيت به كما كانت قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت وهو معنى لا غبار فيه . والقول بأنه من القلب أي فاستمر بها حملها من القلب عند النقاد ، وقرأ أبو العالية وغيره { *مرت } بالتخفيف فقيل : إنه مخفف مرت كما يقال : ظلت في ظللت ، وقيل : هو من المرية أي الشك أي شكت في أمر حملها .
وقرأ ابن عمر والجحدري { *فمارت } من ماريمور إذا جاء وذهب فهي بمعنى قراءة الجمهور أو هي من المرية كقراءة أبي العالية ووزنه فاعلت وحذفت لامه للساكنين { بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي صارت ذات ثقل بكبر الحمل في بطنها فالهمزة فيه للصيرورة كقولهم أتمر وألبن أي صار ذا تمر ولبن ، وقيل : إنها للدخول في زمان الفعل أي دخلت في زمان الثقل كاصبح دخل في الصباح والأول أظهر ، والمتبادر من الثقل معناه الحقيقي ، والتقابل بينه وبين المعنى الأول للخفة ظاهر ، وقد يراد به الكرب ليقابل الخفة بالمعنى الثاني لكن المتبادر في الموضعين المعنى الحقيق ، وقرىء { أَثْقَلَت } بالبناء للمفعول والهمزة للتعدية أي أثقلها حملها { دَّعَوَا الله } أي آدم وحواء عليهما السلام لما خاقا عاقبة الأمر فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل { رَبُّهُمَا } أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء .
وفي هذا إشارة إلى أنهما قد صدرا به دعاءهما وهو المعنود منهما في الدعاء ، ومتعلق الدعاء محذوف لإيذان الجملة القسمية به ، أي دعواه تعالى أن يؤتيهما صالحاً وعداً بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو قائلين { لَئِنْ * ءاتَيْنَا * صالحا } أي نسلاً من جنسنا سوياً ، وقيل : ولداً سليماً من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء ونحو ذلك وعليه جماعة . وعن الحسن غلاماً ذكراً وهو خلاف الظاهر { لَنَكُونَنَّ } نحن أو نحن ونسلنا { مِنَ الشاكرين } الراسخين في الشكر لك على إيتائك . وقيل : على نعمائك التي من جملتها هذه النعمة .
وجوز أن يكون ضمير آتيتنا لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما وليس بذلك .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } وهي الروح { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَهِىَ القلب لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } أي ليميل إليها ويطمئن فكانت الروح تشم من القلب نسائم نفحان الألطاف { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها وهو إشارة إلى النكاح الروحاني والصوفية يقولون : إنه سائر في جميع الموجودات ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } في البداية بظهور أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني { فَلَمَّا أَثْقَلَت } كبرت وكثرت آثار الصفات { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } لأنهما خافا من تبدل الصفات الروحانية النورانية بالصفات النفسانية الظلمانية { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا } للعبودية { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ الأعراف : 189 ]
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ". يعني بالنفس الواحدة: آدم... ويعني بقوله: "وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها": وجعل من النفس الواحدة، وهو آدم، زوجها حوّاء... ويعني بقوله: "لِيَسْكُنَ إلَيْها": ليأوي إليها لقضاء الحاجة ولذّته. ويعني بقوله: "فَلَمّا تَغَشّاها "فلما تدثرها لقضاء حاجته منها فقضى حاجته منها، "حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفا"... يعني بخفة الحمل: الماء الذي حملته حوّاء في رحمها من آدم أنه كان حملاً خفيفا، وكذلك هو حمل المرأة ماء الرجل خفيف عليها. وأما قوله: "فَمَرّتْ بِهِ "فإنه يعني: استمرّت بالماء: قامت به وقعدت، وأتمت الحمل... [عن] الحسن..."فَمَرّتْ بِهِ": فاستمرّت به... عن قتادة:.."فَمَرّتْ بِهِ" استبان حملها...
وقال آخرون: معنى ذلك: فشكّت فيه...عن ابن عباس، في قوله: "فَمَرّتْ بِهِ" قال: فشكت أحملت أم لا.
ويعني بقوله: "فَلَمّا أثْقَلَتْ": فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفا ثقيلاً ودنت ولادتها... "دَعَوَا اللّهَ رَبّهُما"، يقول: نادى آدم وحوّاء ربهما وقالا: يا ربنا "لئن آتيتنا صالحا لنكوننّ من الشاكرين".
واختلف أهل التأويل في معنى الصلاح الذي أقسم آدم وحوّاء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحا في حمل حوّاء لنكوننّ من الشاكرين. فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلاما...
وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرا سويّا مثلهما... والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحوّاء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حَوّاء، وأقسما لئن أعطاهما في بطن حوّاء صالحا ليكونان لله من الشاكرين. والصلاح قد يشمل معاني كثيرة: منها الصلاح في استواء الخلق، ومنها الصلاح في الدين، والصلاح في العقل والتدبير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني الصلاح دون بعض، ولا فيه من العقل دليل وجب أن يَعُمّ كما عمه الله، فيقال إنهما قالا لئن آتيتنا صالحا بجميع معاني الصلاح.
وأما معنى قوله: "لَنَكُونَنّ مِنَ الشاكِرِينَ" فإنه لنكوننّ ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحا.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْمَعْنِيِّ بِهَا: وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ (حَوَّاءُ الْأُمُّ الْأُولَى، حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا، فَلَمْ تَجِدْ لَهُ ثِقَلًا، وَلَا قَطَعَ بِهَا عَنْ عَمَلٍ، فَكُلَّمَا اسْتَمَرَّ بِهَا ثَقُلَ عَلَيْهَا، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهَا: إنْ كُنْت تَعْلَمِينَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِك من أَيْنَ يَخْرُجُ من جِسْمِك؛ إنَّهُ لَيَخْرُجُ من أَنْفِك، أَوْ من عَيْنِك، أَوْ من فَمِك، وَرُبَّمَا كَانَ بَهِيمَةً؛ فَإِنْ خَرَجَ سَلِيمًا يُشْبِهُك تُطِيعِينَنِي فِيهِ؟ قَالَتْ لَهُ: نَعَمْ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ، فَقَالَ لَهَا: هُوَ صَاحِبُك الَّذِي أَخْرَجَك من الْجَنَّةِ. فَلَمَّا وَلَدَتْ -فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ- سَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ بِإِشَارَةِ إبْلِيسَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ الْحَارِثَ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}. وَذَلِكَ مَذْكُورٌ وَنَحْوُهُ فِي ضَعِيفِ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ كَثِيرٌ لَيْسَ لَهَا ثَبَاتٌ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْبٌ؛ فَإِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِنْ كَانَ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُورُ فَلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ من جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَمَا كَانَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقْبَلَا لَهُ نُصْحًا وَلَا يَسْمَعَا مِنْهُ قَوْلًا.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا جِنْسُ الْآدَمِيِّينَ؛ فَإِنَّ حَالَهُمْ فِي الْحَمْلِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ إلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذَا خَفَّ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ اسْتَمَرُّوا بِهِ؛ فَإِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ نَذَرُوا كُلَّ نَذْرٍ فِيهِ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُمْ ذَلِكَ الْوَلَدُ جَعَلُوا فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ شُرَكَاءَ فِي تَسْمِيَتِهِ وَعَمَلِهِ، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى الْأَصْنَامِ، وَيَجْعَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ، وَأَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَعُمُومُهَا الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مُتَنَاوَلَاتِهَا، وَيَسْلَمُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ عَنْ النَّقْصِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجُهَّالِ الْبَشَرِ، فَكَيْفَ بِسَادَتِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{هو الذي خلقكم من نفس واحدة} أي خلقكم من جنس واحد أو حقيقة واحدة صورها بشرا سويا، {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} سكونا زوجيا...
عبر التنزيل عن ميل الزوج الجنسي إلى زوجه هنا وفي سورة الروم بالسكون وذلك أن المرء إذا بلغ سن الحياة الزوجية يجد في نفسه اضطرابا خاصا لا يسكن إلا إذا اقترن بزوج من جنسه واتحدا ذلك الاقتران والاتحاد الذي لا تكمل حياتهما الجنسية المنتجة إلا به، ولذلك قال بعده {فلما تغشّاها...} الغشاء: غطاء الشيء الذي يستره من فوقه، والغاشية: الظلة تظله من سحابة وغيرها {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] أي يحجب الأشياء ويسترها بظلامه، وتغشاها أتاها كغشيها ويزيد ما تعطيه صيغة التفعل من جهد، وهو كناية نزيهة عن أداء وظيفة الزوجية تشير إلى أن مقتضى الفطرة وأدب الشريعة فيها الستر، ولفظ النفس مؤنث فأنث في أول الآية، ولفظ الزوج يطلق على الذكر والأنثى ولهذا ذكّر هنا فاعل التغشي وأنث مفعوله.
أي فلما تغشى الزوج الذي هو الذكر الزوج التي هي الأنثى {حملت حملا خفيفا} أي علقت منه وهو الحبل، والحمل بالفتح يطلق على المصدر وعلى المحمول والمشهور أنه خاص بما كان في بطن أو على شجرة وأن ما حمل على ظهر ونحوه يسمى حملا بكسر الحاء. والحمل هاهنا يحتمل المعنيين وهو يكون في أول العهد خفيفا لا تكاد المرأة تشعر به، وقد تستدل عليه بارتفاع حيضتها {فمرت به} أي فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق كما قاله الزمخشري أو استمرت في أعمالها وقضاء حاجتها من غير مشقة ولا استئصال.
{فلما أثقلت} أي حان وقت ثقل حملها وقرب وضعها {دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} أي توجها إلى الله تعالى ربهما يدعوانه فيما انحصر همها فيه بعد تمام الحمل على سلامة بأن يعطيهما ولدا صالحا أي سويا تام الخلق يصلح للقيام بالأعمال البشرية النافعة- ولا ينبغي أن يدعو العبد غير ربه، فيما لا يملك هو ولا غيره من العبيد أسبابه، دعواه مخلصين مقسمين له على ما وطنا عليه أنفسهما من الشكر له على هذه النعمة قائلين لئن أعطيتنا ولدا صالحا لنكونن من القائمين لك بحق الشكر قولا وعملا واعتقادا وإخلاصا، كما يدل عليه الوصف المعرّف.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها. فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين).. إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. أن يتوجهوا إلى الله ربهم، معترفين له بالربوبية الخالصة، عند الخوف وعند الطمع.. والمثل المضروب هنا للفطرة يبدأ من أصل الخليقة، وتركيب الزوجية وطبيعتها: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها).. فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها، وإن اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى. وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجه ويستريح إليها... الأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار. ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما أنه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً، وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف، أو تكراراً للاختصاصات والوظائف؛ كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء وبعد ذلك تبدأ القصة.. تبدأ من المرحلة الأولى.. فلما تغشاها حملت حملاً خفيفا فمرت به.. والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين.. (فلما تغشاها).. تنسيقاً لصورة المباشرة مع جو السكن؛ وترقيقاً لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين. إيحاء "للإنسان "بالصورة "الإنسانية" في المباشرة. وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة!.. كذلك تصوير الحمل في أول أمره (خفيفاً).. تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه. ثم تأتي المرحلة الثانية: (فلما أثقلت دعوا الله ربهما: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين).. لقد تبين الحمل، وتعلقت به قلوب الزوجين، وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليماً صحيحاً صبوحاً.. إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم، وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب.. وعند الطمع تستيقظ الفطرة، فتتوجه إلى الله، تعترف له بالربوبية وحده، وتطمع في فضله وحده، لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود. لذلك (دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وظاهر قوله: {دَعَوَا الله ربهما} أن كل أبوين يَدعوان بذلك، فإن حمل على ظاهره قلنا لا يخلو أبوان مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود صالح، سواء نطقاً بذلك أم أضمراه في نفوسهما، فإن مدة الحمل طويلة، لا تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها، وإنما يكون التمني منهم على الله، فإن المشركين يعترفون لله بالربوبية، وبأنه هو خالق المخلوقات ومُكونها، ولا حظ للآلهة إلاّ في التصرفات في أحوال المخلوقات، كما دلت عليه محاجات القرآن لهم نحو قوله تعالى: {قل هل من شركائكم من يَبْدَؤا الخلق ثم يعيده} [يونس: 34] وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} في الأنعام (1)...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
وانتقل كتاب الله إلى وصف حالة يختلط فيها الإيمان بالشرك عند كثير من الناس، ذلك أن الله تعالى طبع الإنسان، ذكرا وأنثى، على حب الذرية والرغبة في إنجاب الأولاد، ومن أجل تحقيق هذه الرغبة يستعمل بعض الناس لجهلهم كل الوسائل الممكنة، حتى الوسائل غير المشروعة، لاسيما إذا طال على بعضهم الانتظار وامتد به الأمد، وهكذا يصبح الزوج والزوجة في قلق واضطراب، تارة يستجيبان لفطرة الله فيتوجهان بدعائهما ورجائهما في إنجاب الولد إلى الله، وتارة ينحرفان عن الفطرة فيعقدان الأمل والرجاء على غير الله، ويظهر أثر ذلك فيما يقدمه الأب أو الأم من نذر إلى غير الله، ومن اعتقاد بأن ذلك الغير كان له تأثير مباشر في تحقيق مناه، أيا كان ذلك الغير، صنما أو إنسانا، حيا أو ميتا...