روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } عطف على ما مر . والمراد أرسلنا إلى مدين الخ . ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة ، وقيل : هو عربي اسم لماء كانوا عليه ، وقيل : اسم بلد ومنع صرفه للعلمية والتأنيث فلا بد من تقدير مضاف حينئذٍ أي أهل مدين مثلاً أو المجاز . والياء على هذا عند بعض زائدة . وعن ابن بري الميم زائدة إذ ليس في كلامهم فعيل وفيه مفعل . وقال آخرون : إنه شاذ كمريم إذ القياس إعلاله كمقام . وعند المبرد ليس بشاذ قيل وهو الحق لجريانه على الفعل .

وشعيب قيل تصغير شعب بفتح فسكون اسم جبل أو شعب بكسر فسكون الطريق في الجبل . واختير أنه وضع مرتجلاً هكذا . والقول بأن القول بالتصغير باطل لأن أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز تصغيرها فيه نظر لأن الممنوع التصغير بعد الوضع لا المقارن له ومدعي ذلك قد يدعي هذا وهو على ما وجد بخط النووي في «تهذيبه » ( ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام ) ، وقيل : ابن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب ، وبعضهم يقول : ميكائيل بدل ميكيل ، ونقل ذلك عن خط الذهبي في «اختصار المستدرك » . وآخر يقول ملكاني بدله . وذكر أن أم ميكيل بنت لوط عليه السلام . وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة أن شعيباً هو يثروب بالعبرانية وهو ابن عيفاء بن يوبب بمثناة تحتية أوله وواو وموحدتين بوزن جعفر بن إبراهيم عليه السلام ، وقيل : في نسبه غير ذاك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا ذكر شعيب يقول : «ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه » أي محاورته لهم ، وكأنه كما قيل عنى عليه الصلاة والسلام ما ذكر في هذه السورة كما يعلم بالتأمل فيه .

وبعث رسولاً إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة ، قال السدي وعكرمة رضي الله تعالى عنهما : ما بعث الله تعالى نبياً مرتين إلا شعيباً مرة إلى مدين فأخذهم الله تعالى بالصيحة ، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة . وأخرج ابن عساكر في «تاريخه » من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً أن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيباً . وهو كما قال ابن كثير غريب وفي رفعه نظر واختار أنهما أمة واحدة ، واحتج له بأن كلاً منهما وعظ بوفاء الميزان والمكيال وهو يدل على أنهما واحدة وفيه ما لا يخفى .

ومن الناس من زعم أنه عليه السلام بعث إلى ثلاث أمم ، والثالثة أصحاب الرس . والقول بأنه عليه السلام كان أعمى لا عكاز له يعتمد عليه بل قد نص العلماء ذوو البصيرة على أن الرسول لا بد أن يكون سليماً من منفر ومثلوه بالعمى والبرص والجذام ، ولا يرد بلاء أيوب وعمى يعقوب بناء على أنه حقيقي لطروه بعد الإنباء والكلام فيما قارنه ، والفرق أن هذا منفر بخلافه فيمن استقرت نبوته . وقد يقال : إن صح ذلك فهو من هذا القبيل .

{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية إرساله إليهم كأنه قيل : فماذا قال لهم ؟ فقيل قال : { يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } مر تفسيره { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم . ولم تذكر معجزته عليه السلام في القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام فيه . والقول بأنه لم يكن له عليه السلام معجزة غلط لأن الفاء في قوله سبحانه : { فَأَوْفُواْ الكيل والميزان } لترتيب الأمر على مجىء البينة ، واحتمال كونها عاطفة على { اعبدوا } بعيد ، وإن كانت عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي التي معظمها بعد الكفر البخس فكأنه قيل : قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به فأوفوا الخ ؛ ولو ادعى مدع النبوة بغير معجزة لم تقبل منه لأنها دعوى أمر غير ظاهر وفيه إلزام للغير ومثل ذلك لا يقبل من غير بينة . ومن الناس من زعم أن البينة نفس شعيب . ومنهم من زعم أن المراد بالبينة الموعظة وأنها نفس { فَأَوْفُواْ } الخ وليس بشيء كما لا يخفى . وقال الزمخشري : ( إن من معجزاته عليه السلام ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها ووقوع عصا آدم عليه السلام على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام فكانت معجزات لشعيب ) اه . وفيه نظر لأن ذلك متأخر عن المقاولة فلا يصح تفريع الأمر عليه ، ولأنه يحتمل أن يكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصاً لنبوته بل في «الكشف » أن هذا متعين لأن موسى أدرك شعيباً عليه السلام بعد هلاك قومه ولأن ذلك لم يكن معرض التحدي . وزعم الإمام أن الإرهاص غير جائز عند المعتزلة ، ولهذا جعل ذلك معجزة لشعيب عليه السلام نظر فيه الطيبي بأن الزمخشري قال في آل عمران ( 54 ) في تكليم الملائكة عليهم السلام لمريم : إنه معجزة لزكريا أو إرهاص لنبوة عيسى عليهما السلام ، والمراد بالكيل ما يكال به مجازاً كالعيش بمعنى ما يعاش به .

ويؤيده أنه قد وقع في سورة هود ( 58 ) { المكيال } وكذا عطف { الميزان } عليه هنا ، فإن المتبادر منه الآلة وإن جاز كونه مصدراً بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد ، وقيل : إن الكيل وما عطف عليه مصدران والكلام على الإضمار أي أوفوا آلة الكيل والوزن .

{ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس } أي لا تنقصوهم يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه ومنه قيل للمكس البخس . وفي أمثالهم تحسبها حمقاء وهي باخس أي ذات بخس . وتعدى إلى مفعولين أولهما { الناس } والثاني { أَشْيَاءهُمْ } أي الكائنة في المبايعات من الثمن والمبيع ، وفائدة التصريح بالنهي عن النقص بعد الأمر بالإيفاء تأكيد ذلك الأمر وبيان قبح ضده ، وقد يراد بالأشياء الحقوق مطلقاً فإنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه . وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه الجياد ويقولون دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس . وروي أنهم يعطونه أيضاً بدلها زيوفاً فكأنه لما نهوا عن البخس في الكيل والوزن نهوا عن البخس والمكس في كل شيء . قيل : ويدخل في ذلك بخس الرجل حقه من حسن المعاملة والتوقير اللائق به وبيان فضله على ما هو عليه للسائل عنه . وكثير ممن انتسب إلى أهل العلم اليوم مبتلون بهذا البخس وليتهم قنعوا به بل جمعوا حشفاً وسوء كيلة فإنا لله وإنا إليه راجعون . وبدأ عليه السلام بذكر هذه الواقعة على ما قال الإمام ( لأن عادة الأنبياء عليهم السلام أنهم إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالاً أكثر من إقبالهم على سائر الأنواع بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع ، وكان قومه عليه السلام مشغوفين بالبخس والتطفيف ) أكثر من غيره ، والمراد من الناس ما يعمهم وغيرهم أي لا تبخسوا غيركم ولا يبخس بعضكم بعضاً .

{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } بالجور أو به وبالكفر { بَعْدَ إصلاحها } أي إصلاح أمرها أو أهلها بالشرائع ، فالإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله بحذف المضاف ، والفاعل الأنبياء وأتباعهم . وجوز أن لا يقدر مضاف ويعتبر التجوز في النسبة الإيقاعية لأن إصلاح من في الأرض إصلاح لها ، وأن تكون الإضافة من إضافة المصدر إلى الفاعل على الإسناد المجازي للمكان ، وأن تكون على معنى في أي بعد إصلاح الأنبياء فيها . ويأبى الحمل على الظاهر لأن الإصلاح يتعلق بالأرض نفسها كتعميرها وإصلاح طرقها لا تفسدوا في الأرض .

{ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ، وأياً ما كان فإفراد اسم الإشارة وتذكيره ظاهر .

ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقاً أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما يطلبونه من التكسب والتربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة رغبوا في معاملتهم ومتاجرتهم ، وقيل : ليس المراد من { خَيْرٌ } هنا معنى الزيادة لأنه ليس للتفضيل بل المعنى ذلكم نافع لكم .

{ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } قيل : المراد بالإيمان معناه اللغوي ، وتخص الخيرية بأمر الدنيا أي إن كنتم مصدقين لي في قولي ، ومثل هذا الشرط على ما قال الطيبي إنما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد ، ويعلم من هذا أن شعيباً عليه السلام كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم مشهوراً عند قومه بالأمين . وقال بعض الذاهبين إلى ما ذكر : إن تعليق الخيرية على هذا التصديق بتأويل العلم بها وإلا فهو خير مطلقاً . وقال القطب الرازي : إن ذلك ليس شرطاً للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل : فاتوا به إن كنتم مصدقين بي فلا يرد أنه لا توقف للخيرية في الإنسانية على تصديقهم به . وقيل : المراد به مقابل الكفر وبالخيرية ما يشمل أمر الدنيا والآخرة أي ذلك خير لكم في الدارين بشرط أن تؤمنوا ، وشرط الإيمان لأن الفائدة من حصول الثواب مع النجاة من العقاب ظاهرة مع الإيمان خفية مع فقده للانغماس في غمرات الكفر ، وبنى بعضهم نفع ترك البخس ونحوه في الآخرة على أن الكفار يعذبون على المعاصي كما يعذبون على الكفر فيكون الترك خيراً لهم بلا شبهة لكن لا يخفى أنه إذا فسر الإفساد في الأرض بالإفساد فيها بالكفر لا يكون لهذا التعليق على الإيمان معنى كما لا يخفى ، وإخراجه من حيز الإشارة بعيد جداً . وزعم الخيالي أن الأظهر أن { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } معترضة والشرط متعلق بما سبق من الأوامر والنواهي ، وكأنه التزم ذلك لخفاء أمر الشرطية عليه . وقد فر من هرة ووقع في أسد وهرب من القطر ووقف تحت الميزاب فاعتبروا يا أولي الألباب .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (85)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:... ولقد أرسلنا إلى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيل، يدعوهم إلى طاعة الله والانتهاء إلى أمره وترك السعي في الأرض بالفساد والصدّ عن سبيله، فقال لهم شعيب: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة غير الإله الذي خلقكم وبيده نفعكم وضرّكم. "قَدْ جاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ "يقول: قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إليه. "فَأَوْفُوا الكَيْلَ والمِيزَانَ" يقول: أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذي تكيلون به وبالوزن الذي تزنون به. "وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ" يقول ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها...

وقوله: "وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْض" يقول: ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله والإشراك به وبخس الناس في الكيل والوزن. "بَعْدَ إصْلاحِها" يقول: بعد أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبيّ عليه السلام فيكم، ينهاكم عما لا يحلّ لكم وما يكرهه الله لكم. "ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ" يقول: هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض، خير لكم في عاجل دنياكم وآجل آخرتكم عند الله يوم القيامة. "إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" يقول: إن كنتم مصدقيّ فيما أقول لكم وأودّي إليكم عن الله من أمره ونهيه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{قد جاءتكم بيّنة من ربكم} قال بعضهم: كانت نفس شعيب بينة وحجة لقومه، لكنا لا نعلم ذلك، غير أنه كانت معه آيات وبراهين، لكن الله تعالى لم يبين لنا ذلك...

{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي بعد أن جعلها لكم صالحة لمعاشكم ومقامكم فيها، وبعد ما أمر، وبيّن لكم ما به صلاحكم وصلاح دينكم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الإيفاء: إتمام الشيء إلى حد الحق فيه، ومنه إيفاء العهد وهو إتمامه بالعمل به.

" ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها "يعني بعد أن أصلحها الله بالأمر والنهي وبعثة الأنبياء وتعريف الخلق مصالحهم. والإفساد: إخراج الشيء إلى حد لا ينتفع به بدلا عن حال ينتفع بها، وضده الإصلاح.

والمعنى: لا تخرجوا إلى العمل في الأرض بالقبائح بعد أن أصلحها الله بالمحاسن.

وقوله "ذلكم "إشارة لقومه إلى ما أمرهم به ونهاهم عنه، بأن امتثاله والانتهاء إليه خير لهم وأعود عليهم إن كانوا مؤمنين مصدقين بالله، وإنما علق خيريته بالإيمان وإن كان هو خيرا على كل حال من حيث أن من لا يكون مؤمنا بالله وعارفا بنبيه، لم يمكنه أن يعلم أن ذلك خير له، وكأنه قال لهم: كونوا مؤمنين لتعلموا أن ذلك خير لكم. ويحتمل أن يكون المراد لا ينفعكم إيفاء الكيل والميزان إلا بعد أن تكوا مؤمنين.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ولا تفسدوا} لفظ عام؛ دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

. فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْبَخْسُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ وَالتَّزْهِيدِ، أَوْ الْمُخَادَعَةِ عَن الْقِيمَةِ، أَوْ الِاحْتِيَالِ فِي التَّزَيُّدِ فِي الْكَيْلِ أَو النُّقْصَانِ مِنْهُ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن عادة الأنبياء عليهم السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالا أكثر من إقبالهم على سائر أنواع المفاسد بدأوا بمنعهم عن ذلك النوع، وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف، فلهذا السبب بدأ بذكر هذه الواقعة فقال: {فأوفوا الكيل والميزان}.

{ولا تبخسوا الناس أشياءهم} والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن، منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة، وأخذ الرشوة، وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل...

{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وذلك لأنه لما كان أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة، وهما يوجبان الفساد، لا جرم قال بعده: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وقد سبق تفسير هذه الكلمة، وذكروا فيه وجوها فقيل: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}... أراد به المنع من كل ما كان فسادا حملا للفظ على عمومه. وقيل: قوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} منع من مفاسد الدنيا وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض} منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين... وحاصل هذه التكاليف يرجع إلى أصلين: التعظيم لأمر الله، ويدخل فيه الإقرار بالتوحيد والنبوة. والشفقة على خلق الله، ويدخل فيه ترك البخس، وترك الإفساد، وحاصلها يرجع إلى ترك الإيذاء، كأنه تعالى يقول: إيصال النفع إلى الكل متعذر. وأما كف الشر عن الكل فممكن.

{ذلكم خير لكم}: خير لكم في الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة، والمراد: أن ترك البخس وترك الإفساد خير لكم في طلب المال في المعنى، لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة، رغبوا في المعاملات معكم، فكثرت أموالكم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قد تقدم مثله من كل وجه في قصة صالح (ع. م) إلا أنه ذكر هنا أنه قد جاءتهم بينة من ربهم، وذكر هنالك آية، وقد عين الآية بعد الإعلام بمجيئها وهي الناقة. ولم يذكر هنا ولا في سورة أخرى آية كونية معينة لشعيب عليه السلام، وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم "ما من الانبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة "رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ومعناه أن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر بدلالة مثله، وقد يقال إن إنذار قومه بأن يصيبهم ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح إذا هم أصروا على شقاقه وعناده هو آية بينة على صدقه، وقد صدق إنذاره هذا وهو مبين في قصته من سورة هود. ولكن لا بد أن يكون له آية أخرى دالة على صدقه تقوم بها الحجة عليهم فإن ظهور صدق هذا الإنذار يكون بوقوع العذاب المانع من صحة الإيمان، فلا فائدة لهم من قيام الحجة به، على أن البينة كل ما يتبين به الحق فهي تشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والمعروف من أحوال الأمم القديمة أنها لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات، ولو لم تكن البينة التي أيد الله تعالى بها شعيبا (ع. م) ملزمة للحجة قاطعة لألسنة العذر ومكابرة الحق لما ترتب عليها قوله:

{فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُم} فإن عطف هذا الأمر بالفاء لا يصح إلا إذا كان مبنيا على ما هو سبب له وهو البينة على صدقه ووجوب طاعته ولو كان معطوفا على قوله (اعبدوا الله) لعطف بالواو.

بدأ الدعوة بالأمر بالتوحيد في العبادة لأنه أساس العقيدة وركن الدين الأعظم وقفى عليه بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا، لأن هذا كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي، فكان شأنه معهم كشأن لوط (ع. م) إذ بدأ بنهي قومه عن الفاحشة السوءى التي كانت فاشية فيهم. كان قوم شعيب من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم أو يزيدون عليه، وإذا كالوهم أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان أي ينقصونه، فيبخسونهم أشياءهم، وينقصونهم حقوقهم، والبخس أعم من نقص المكيل والموزون فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل...

وجملة "ولا تبخسوا الناس أشياءهم" تشعر بأنهم كانوا يتواطؤون على هضم الغريب وبخسه، وإن كانت تشمل بخس الأفراد بعضهم أشياء بعض، وهضم الشعب في جملته أشياء الغرباء الذين يعاملونهم، فقد روي أنهم كانوا إذ دخل الغريب يأخذون دراهمه ويقولون هذه زيوف، فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس يعني النقصان...

{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} تقدم نص هذه الجملة في آية (55) خطابا لأمتنا ففسرناها بما يناسب المقام. ونقول فيما يناسب المقام هنا إن الإفساد في الأرض يشمل إفساد نظم الاجتماع البشري بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل والبغي والعدوان على الأنفس والإعراض، وإفساد الأخلاق والآداب بالإثم والفواحش الظاهرة والباطنة وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام. وإصلاحها هو ما يصلح به أمرها وحال أهلها من العقائد الصحيحة المنافية لخرافات الشرك ومهانته، والأعمال الصالحة المزكية للأنفس من أدران الرذائل، والأعمال الفنية المرقية للعمران وحسن المعيشة فقد قال تعالى في أوائل هذه السورة {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون} (الأعراف 10) فقد أصلح الله تعالى حال البشر بنظام الفطرة وكمال الخلقة ومكنهم من إصلاح الأرض بما آتاهم من القوى العقلية والجوارح، وبما أودع في خلق الأرض من السنن الحكيمة، وبما بعث به الرسل من مكملات الفطرة، فالإفساد إزالة صلاح أو إصلاح، وقد كان قوم شعيب من المفسدين للدين والدنيا كما يعلم من هذه الآية وما بعدها، والإصلاح ما يكون بفعل فاعل، وهو إما الخالق الحكيم وحده، وإما من سخرهم للإصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، والحكام العادلين الذين يقيمون القسط وغيرهم من العاملين الذين ينفعون الناس في دينهم ودنياهم، كالزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة، وهذه الأعمال تتوقف في هذا العصر على علوم وفنون كثيرة فهي واجبة وفقا لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} الإشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي أي هو خير لكم في دينكم ودنياكم لا تكليف إعنات، فربكم لا يأمركم إلا بما هو نافع لكم ولا ينهاكم إلا عما هو ضار بكم، وهو على كل حال غني عنكم، ولو شاء لأعنتكم ولكنه رحيم لا يفعل ذلك، وإنما تتحقق لكم خبرية ما ذكر إن كنتم مؤمنين بوحدانيته وصفاته تعالى وبرسوله وما جاءكم به عنه سبحانه من الدين والشرع. وسيأتي تعليل ذلك بعد بيان ما قيل في هذا الإيمان.

وقد فسر بعضهم الإيمان هنا بالتصديق اللغوي أي اعتقاد صحة قوله عليه السلام لما هو معروف به عندهم من الصدق والأمانة والنصح. بناء على أن خيرية الأوامر والنواهي الدنيوية لا تتوقف على عبادة الله وحده والإيمان برسالة رسوله. وذهب بعض المفسرين إلى أن الإشارة إلى قوله: {فأوفوا الكيل} وما بعده دون ما قبله من الأمر بعبادة الله تعالى وحده. وقال الطيبي إن مثل هذا الشرط إنما يجاء به في آخر الكلام للتأكيد. وقال القطب الرازي إن ذلك ليس شرطا للخيرية نفسها بل لفعلهم كأنه قيل فائتوا به إن كنتم مصدقين بي. فلا يرد أنه لا تتوقف للخيرية في الإنسانية على تصديقهم به. وقد أطالوا الاحتمالات في الآية حتى زعم الخيالي أن قوله: {ذلكم خير لكم} جملة معترضة وهو من خيالاته الغريبة التي انفرد بها.

والصواب أن هذا التذييل كأمثاله في القرآن مقصود بالذات وأن المعنى ذلكم الذي أمرتكم به من عبادة الله وحده وعدم إشراك شيء من خلقه في عبادته لما ترون فيه من خير ترجونه أو ضر تخافونه ومن إيفاء الكيل والميزان بالقسط وما نهيتكم عنه من الإفساد في الأرض ذلكم كله خير لكم في معاشكم ومعادكم. وإنما تتحقق خيريته لكم إن كنتم مؤمنين بالله ورسوله وما جاءكم به من هذه الأوامر والنواهي وغيرها ذلك بأن الإيمان يقتضي الاتباع والامتثال والعمل بجميع ما جاء به الرسول من عند الله وإن خالف الهوى أو لم تظهر له فائدته ومنفعته بادي الرأي، بل يقتضيه حتى فيما يظن المؤمن أنه مناف لمصلحته، فتحصل له فوائده ومنافعه وإن لم يعلم أنه علة أو سبب لها بحسب حكمة الله وسننه التي أقام بها نظام العالم الإنساني. فكيف إذا علم ذلك بالتفقه في الدين والوقوف على حكمه وأسراره ككون التوحيد واجتناب نزغات الشرك ترفع قدر الإنسان، وتطهر عقله ونفسه من الخرافات والأوهام، وتعتق إرادته من العبودية والذلة لمخلوق مثله مساو له في كونه مخلوقا مسخرا لإرادة الخالق وسننه وإن فاقه في عظمة الخلق أو عظم المنفعة كالشمس، أو بعض الصفات أو الخصائص كالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما عبد من دون الله، أو في الملك والسلطان، فإن بعض الناس قد عبدوا الملوك الجبارين فاتخذوهم آلهة وأربابا، ومنهم من لا يزال يذل لهم ويطيعهم ولو في الباطل والجور، خوفا منهم، أو رجاء في رفدهم، وليس هذا من شأن الموحدين، قال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران 175) فالمؤمن الموحد لا يخضع لأحد لذاته إلا لربه وإلهه، وإنما يطيع رسوله لأنه مبلغ عنه...

هذا مثال لكون التوحيد في العبادة هو لمصلحة الناس وتكريمهم وإعلاء شأنهم. وكذلك سائر العبادات وأحكام الحظر والإباحة حتى ما يسمونه في عرف هذا العصر بالأحكام المدنية قد شرعت لدفع المفاسد وتقرير المصالح العامة والخاصة، وترى غير المؤمن المتدين لا يلتزم اجتناب كل مفسدة بل يستبيح ما يراه نافعا له وإن كان ضارا بغيره فردا كان أو جماعة أو أمة بأسرها، فإن مجرد العلم بكون الأمانة خيرا من الخيانة وكون القسط في البيع والشراء وسائر المعاملات خيرا من الغش والخيانة وبخس الحقوق لا يكفي لحمل الجمهور على العمل به، أولا لأن هذا العلم إجمالي يعرض له عند التفصيل ضروب من الأشكال في تحديد الأمانة والخيانة والقسط والبخس وضروب من الهوى في تطبيق حدودها أو رسومها على جزئياتها، وضروب من التأويل والشبهات في المساواة بيت القريب والغريب والصديق والعدو والضعيف والقوي والفقير والغني. وأما الدين فيوجب على المؤمن إقامة العدل لذاته بالمساواة كما قال تعالى: {ولا يرجمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله} ويقول: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون بصيرا} (النساء 135)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{فأوفوا الكيل والميزان}: وما جاء في هذا التّشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمّة لأنّ المعاملات تعتمد الثّقة المتبادَلة بين الأمّة، وإنَّما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فالمُنتج يزداد إنتاجاً وعَرْضاً في الأسواق، والطَّالبُ من تاجر أو مُستهلك يُقبِل على الأسواق آمِناً لا يخشى غبناً ولا خديعة ولا خِلابة، فتتوفّر السّلع في الأمّة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نَماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويَعيش النّاس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختلّ حال الأمّة بمقدار تفشي ضدّ ذلك.

... وحاصل ما أمر به شعيب عليه السّلام قومَه، بعد الأمر بالتّوحيد ينحصر في ثلاثة أصول: هي حفظ حقوق المعاملة الماليّة، وحفظ نظام الأمّة ومصالحها، وحفظُ حقوق حرّية الاستهداء.

فالأوّل قوله: {فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} فإيفاء الكيل والميزان يرجع إلى حفظ حقوق المشترين، لأنّ الكائل أو الوازن هو البائع، وهو الذي يحمله حبّ الاستفضال على تطْفيف الكيل أو الوزن، ليكون باع الشّيءَ النّاقص بثمن الشّيء الوافي، كما يحسبه المشتري.

وأمّا النَّهي عن بخس النّاس أشياءهم فيرجع إلى حفظ حقوق البائع لأنّ المشتري هو الذي يبْخس شيء البائع ليهيّئه لقبول الغبن في ثمن شيئه، وكلا هذين الأمرين حيلة وخداع لتحصيل ربح من المال.

والكيل مصدر، ويطلق على ما يكال به، وهو المِكيال كقوله تعالى: {ونزداد كيل بعير} [يوسف: 65] وهو المراد هنا: لمقابلته بالميزان، ولقوله في الآية الأخرى: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84] ومعنى. إيفاء المكيال والميزان أن تكون آلة الكيل وآلة الوزن بمقدار ما يقدّر بها من الأشياء المقدّرة. وإنَّما خَصّ هذين التحيلين بالأمر والنّهي المذكورين: لأنَّهما كانا شائعين عند مَدْيَن، ولأنّ التّحيلات في المعاملة الماليّة تنحصر فيهما إذ كان التّعامل بين أهل البوادي منحصراً في المبادلات بأعيان الأشياءِ: عرْضاً وطَلَباً.

وبهذا يَظهر أنّ النّهي في قوله: {ولا تبخسوا النّاس أشياءَهم} أفاد معنى غير الذي أفاده الأمر في قوله: {فأوفوا الكيل والميزان}. وليس ذلك النّهي جارياً مجرى العلّة للأمر، أو التّأكيد لمضمونه، كما فسّر به بعض المفسّرين.

وما جاء في هذا التّشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمّة لأنّ المعاملات تعتمد الثّقة المتبادَلة بين الأمّة، وإنَّما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فالمُنتج يزداد إنتاجاً وعَرْضاً في الأسواق، والطَّالبُ من تاجر أو مُستهلك يُقبِل على الأسواق آمِناً لا يخشى غبناً ولا خديعة ولا خِلابة، فتتوفّر السّلع في الأمّة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نَماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويَعيش النّاس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختلّ حال الأمّة بمقدار تفشي ضدّ ذلك.

وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} هذا الأصل الثّاني من أصول دعوة شعيب عليه السّلام للنّهي عن كلّ ما يفضي إلى إفساد ما هو على حالة الصّلاح في الأرض. وقد تقدّم القول في نظير هذا التّركيب عند قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً} في أوائل هذه السّورة (56)..

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

هذه الأشياء التي هي إيفاء الكيل والميزان يأتي الأمر بها، ثم يتبعها بما ينهى عنه وهو ألا نبخس الناس أشياءهم وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها، كل ذلك يجمع المنهج. أوامر ونواهي، وقد يبدو في ظاهر الأمر أنها مسائل تقيد حرية الإنسان، فنقول: لا تنظر إلى نفسك أيها الإنسان وأنت بمعزل عن المجتمع الواسع، فأنت لا تملك من مصالحك إلا أمرا واحدا، وهذا الأمر الذي تملكه أنت من مصالحك يكون أقل الأشياء عندك، ولكن الأمور الأخرى التي تحتاج إليها هي بيد غيرك، فإن أنت وفيت الكيل والميزان. فذلك خير لك؛ فالذي يقيس لك القماش لا يغشك، والذي يزن لك ما ليس عندك لا يغشك، والذي يكيل لك الذي ليس عندك لا يغشك، إذن فأنت واحد منهي عن أن تفعل ذلك، وجميع الناس منهيون أن يفعلوا ذلك معك، وبذلك تكون أنت الكاسب.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... وفي البدء منعهم من ممارسة التطفيف، والغش في المعاملة، يقول: (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم).

وواضح أن تسرّب أيّ نوع من أنواع الخيانة والغش في المعاملات يزعزع بل ويهدم أسس الطمأنينة والثقة العامّة التي هي أهم دعامة لاقتصاد الشعوب وتلحق بالمجتمع خسائر غير قابلة للجبران. ولهذا السبب كان أحد الموضوعات الهامّة التي ركز عليها شعيب هو هذا الموضوع بالذات.

ثمّ يشير إلى عمل آخر من الأعمال الأثيمة، وهو الإفساد في الأرض بعد أن أُصلحت أوضاعها بجهود الأنبياء، وفي ضوء الإيمان فقال: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).

ومن المسلّم أنّه لا يستفيد أحد من إيجاد الفساد ومن الإفساد، سواء كان فساداً أخلاقياً، أو من قبيل فقدان الإيمان، أو عدم وجود الأمن، لهذا أضاف في آخر الآية قائلا: (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين).