{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } أي يعتدون إسلامهم منة عليك وهي النعمة التي لا يطلب موليها ثواباً ممن أنعم بها عليه من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته ، وقال الراغب : هي النعمة الثقيلة من المن الذي يوزن به وثقلها عظمها أو المشقة في تحملها ، { وَأَنْ أَسْلَمُواْ } في موضع المفعول ليمنون لتضمينه معنى الاعتداد أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوباً بنزع الخافض أو مجروراً بالحرف المقدر أي يمنون عليك بإسلامهم ، ويقال نحو ذلك في قوله تعالى : { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم } فهو إما على معنى لا تعتدوا إسلامكم منة علي أو لا تمنوا علي بإسلامكم ، وجوز أبو حيان أن يكون { أَنْ أَسْلَمُواْ } مفعولاً من أجله أي يتفضلون عليك لأجل إسلامهم { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هداكم للإيمان } أي ما زعمتم في قولكم { آمنا } [ الحجرات : 14 ] فلا ينافى هذا قوله تعالى : { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } [ الحجرات : 14 ] أو الهداية مطلق الدلالة فلا يلزم إيمانهم وينافي نفي الإيمان السابق .
وقرأ عبد الله . وزيد بن علي { إِذْ هَداكُمْ } بإذ التعليلية ، وقرئ { إن هَداكُمْ } بإن الشرطية { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في ادعاء الإيمان فهو متعلق الصدق لا الهداية فلا تغفل ؛ وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم ، ولا يخفى ما في سياق الآية من اللطف والرشاقة ، وذلك أن الكائن من أولئك الأعراب قد سماه الله تعالى إسلاماً إظهاراً لكذبهم في قولهم : آمنا أي أحدثنا الإيمان في معرض الامتنان ونفى سبحانه أن يكون كما زعموا إيماناً فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم قال سبحانه لرسوله عليه الصلاة والسلام : يعتدون عليك بما ليس جديراً بالاعتداد به من حديثهم الذي حق تسميته أن يقال له إسلام فقل لهم : لا تعتدوا على إسلامكم أي حديثكم المسمى إسلاماً عندي لا إيماناً ، ثم قال تعالى : بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم ، وفي قوله تعالى : { إسلامكم } بالإضافة ما يدل على أن ذلك غير معتد به وأنه شيء يليق بأمثالهم فأنى يخلق بالمنة ، وللتنبيه على أن المراد بالإيمان الإيمان المعتد به لم يضفه عز وجل ، ونبه سبحانه بقوله جل وعلا : { إِن كُنتُمْ صادقين } على أن ذلك كذب منهم ، واللطف في تقديم التكذيب ثم الجواب عن المن مع رعاية النكت في كل من ذلك ، وتمام الحسن في التذييل بقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } .
{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ( 17 ) }
يَمُنُّ هؤلاء الأعراب عليك -يا محمد- بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم لك ، قل لهم : لا تَمُنُّوا عليَّ دخولكم في الإسلام ؛ فإنَّ نفع ذلك إنما يعود عليكم ، ولله المنة عليكم فيه أنْ وفقكم للإيمان به وبرسوله ، إن كنتم صادقين في إيمانكم .
ثم أشار - تعالى - إلى نوع آخر من جفائهم وقلة إدراكهم فقال : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } .
والمن : تعداد النعم على الغير ، وهو مذموم من الخلق ، محمود من الله - تعالى - .
أى : هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك ، ونعمة أسدوها إليك حيث قالوا لك : جئناك بالأموال والعيال ، وقاتلك الناس لوم نقاتلك . .
وقوله : { أَنْ أَسْلَمُواْ } فى موضع المفعول لقوله : { يَمُنُّونَ } لتضمينه معنى الاعتداء ، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو مجرورا بالحرف المقدر . أى : يمنون عليك بإِسلامهم .
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم فقال : { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ . . } .
أى : قل لهم لا تتفاخروا علىَّ بسبب إسلامكم ، لأن ثمرة هذا الإِسلام يعود نفعها عليكم لا علىّ .
ثم بين - سبحانه - أن المنة له وحده فقال : { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ . . } .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما زعمتم من أن إِسلامكم يعتبر منّهَّ علىَّ ، بل الحق أن الله - تعالى - هو الذى يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإِيمان ، وهداكم إليه ، وبين لكم طريقه ، فادعيتم أ ، كم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط .
قال صاحب الكشاف : وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاما ، ونفى أن يكون - كما زعموا - إيمانا فلما منُّوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهم ، قال الله - تعالى - لرسوله : إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به .
ثم قال : بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه ، حيث هداكم للإِيمان - على ما زعمتم - وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ، ووفقتم له إن صح زعمكم ، وصدقت دعواكم . . وفى إضافة الإِسلام عليهم ، وإيراد الإِيمان غير مضاف ، مالا يخفى على المتأمل . .
وجواب الشرط فى قوله : { إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } محذوف ، يدل عليه ما قبله . أى : إن كنتم صادقين فى إيمانكم فاعتقدوا ، أن المنة إنماه ى لله - تعالى - علينكم ، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإِيمان الحق .
وشبيه فى المعنى بهبذه الآية قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار فى إحدى خطبه :
" يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ، وكنتم عالة فأغناكم الله بى ؟ " وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما قال شيئا ، قالوا : الله ورسوله أَمَنُّ .
والحق أن هداية الله - تعالى - لعبده إلى الإِيمان تعتبر منة منه - سبحانه - لا تدانيها منه ، ونعمة لا تقاربها نعمة ، وعطاء ساميا جليلا منه - تعالى - لا يساميه عطاء فله - عز وجل - الشكر الذى لا تحصيه عبارة على النعمة ، ونسأله - تعالى - أن يديمها علينا حتى نلقاه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.