{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا بشيء آخر استقلالاً وانضماماً ، فالباء سببية ، و ( ما ) مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس ، أو بمعنى شيء كما قال أبو البقاء ، والجار متعلق بقوله تعالى : { لَّعَنَهُمُ } أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا عقوبة لهم قاله عطاء وجماعة وعن الحسن ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم ، ولا يخفى أن ما قاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقي لأن حقيقة اللعن في اللغة الطرد والابعاد فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله في لازم معناه ، وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة في الكلام عليه ، وتخصيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق ( نفس ) اللعن والنقض بأن يقال مثلاً : فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن تحققهما أمر جلي غني عن البيان ، وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمسببية .
{ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ } يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تلين قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقيل : المراد سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وهذا كما تقول لغيرك : أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدىء ، وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها ، وقال الجبائي المعنى : بينا عن حال قلوبهم وما هي عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم موعظة ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا إليه إلا الاعتزال ، وقرأ حمزة والكسائي ( قسية ) ، وهي إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل ، أو بمعنى ردية من قولهم : درهم قسى إذا كان مغشوشاً ، وهو أيضاً من القسوة ، فإن المغشوش فيه يبس وصلابة ، وقيل : إن قسى غير عربي بل معرب ، وقرىء ، قسية بكسر القاف للاتباع .
{ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فإنه لا مرتبة أعظم مما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب العالمين والافتراء عليه عز وجل ، والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار الصورة ، وللدلالة على التجدد والاستمرار ، وجوز أن يكون حالا من مفعول { لعناهم } ، أو من المضاف إليه في قلوبهم وضعف بما ضعف ، وجعله حالا من القلوب ، أو من ضميره في { قَاسِيَةً } كما قيل ، لا يصح لعدم العائد منه إلى ذي الحال ، وجعل القلوب بمعنى أصحابها مما لا يلتفت إليه أصحابها { وَنَسُواْ حَظَّا } أي وتركوا نصيباً وافياً ، واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة أو مما أمروا به فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك أشياء منها عن حفظهم ، وأخرج ابن المبارك وأحمد في «الزهد » عن ابن مسعود قال : إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها ، وفي معنى ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور *** ونور الله لا يهدى لعاصي
{ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } أي خيانة كما قرىء به على أنها مصدر على وزن فاعلة كالكاذبة ، واللاغية أو فعلة خائنة أي ذات خيانة ، وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو فرقة خائنة ، أو نفس خائنة ، أو شخص خائنة على أنه وصف ، والتاء للمبالغة لكنها في فاعل قليلة ، و { مِنْهُمْ } متعلق بمحذوف وقع صفة لها ، خلا أن من على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة ، أو فعلة ذات خيانة كائنة منهم صادرة عنهم ، وعلى الأوجه الأخر تبعيضية ، والمعنى إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } استثناء من الضمير المجرور في { مِنْهُمْ } ؛ والمراد بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله بعضهم استثناء من { خَائِنَةَ } على الوجه الثاني ، فالمراد بالقليل الفعل القليل : و { مِنْ } ابتدائية كما مر أي إلا فعلا قليلاً كائناً منهم ، وقيل : الاستثناء من قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } .
{ فاعف عَنْهُمْ واصفح } أي إذا تابوا أو بذلوا الجزية كما روي عن الحسن وجعفر بن مبشر واختاره الطبري ، فضمير عنهم راجع إلى ما رجع إليه نظائره ، وعن أبي مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أي فاعف عنهم ما داموا على عهدك ولم يخونوك ، وعلى القولين فالآية محكمة ، وقيل : الضمير عائد على ما اختاره الطبري ، وهي مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } [ التوبة : 29 ] الآية . وروي ذلك عن قتادة ، وعن الجبائي أنها منسوخة بقوله تعالى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء } [ الأنفال : 58 ] { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } تعليل للأمر وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على الإطلاق من باب الإحسان .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } الذي وثقوه { لعناهم } وطردناهم عن الحضرة { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } باستيلاء صفات النفس عليها وميلها إلى الأمور الأرضية { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } حيث حجبوا عن أنوار الملكوت والجبروت التي هي كلمات الله تعالى واستبدلوا قوى أنفسهم بها واستعملوا وهمياتهم وخيالاتهم بدل حقائقها { وَنَسُواْ حَظَّا } نصيباً وافراً { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } في العهد اللاحق وهو ما أوتوه في العهد السابق من الكمالات الكامنة في استعداداتهم الموجودة فيها بالقوة { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } من نقض عهد ومنع أمانة لاستيلاء شيطان النفس عليهم وقساوة قلوبهم { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهو من جره استعداده إلى ما فيه صلاحه { فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } [ المائدة : 13 ] إلى عباده باللطف والمعاملة الحسنة جعلنا الله تعالى وإياكم من المحسنين
فكأنه قيل : ليت شعري ماذا فعلوا ؟ وهل وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا ؟
فبين أنهم نقضوا ذلك فقال : { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ْ }
أي : بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات : الأولى : أنا { لَعَنَّاهُمْ ْ } أي : طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا ، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة ، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم ، الذي هو سببها الأعظم .
الثانية : قوله : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ْ } أي : غليظة لا تجدي فيها المواعظ ، ولا تنفعها الآيات والنذر ، فلا يرغبهم تشويق ، ولا يزعجهم تخويف ، وهذا من أعظم العقوبات على العبد ، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى ، والخير إلا شرا .
الثالثة : أنهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ ْ } أي : ابتلوا بالتغيير والتبديل ، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراده الله ولا رسوله .
الرابعة : أنهم { نسوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ْ } فإنهم ذكروا بالتوراة ، وبما أنزل الله على موسى ، فنسوا حظا منه ، وهذا شامل لنسيان علمه ، وأنهم نسوه وضاع عنهم ، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم .
وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك ، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به ، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم ، أو وقع في زمانهم ، أنه مما نسوه .
الخامسة : الخيانة المستمرة التي { لا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ ْ } أي : خيانة لله ولعباده المؤمنين .
ومن أعظم الخيانة منهم ، كتمهم [ عن ] من يعظهم ويحسن فيهم الظن الحق ، وإبقاؤهم على كفرهم ، فهذه خيانة عظيمة . وهذه الخصال الذميمة ، حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم .
فكل من لم يقم بما أمر الله به ، وأخذ به عليه الالتزام ، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب ، والابتلاء بتحريف الكلم ، وأنه لا يوفق للصواب ، ونسيان حظ مما ذُكِّر به ، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة ، نسأل الله العافية .
وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا ، لأنه هو أعظم الحظوظ ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية ، كما قال تعالى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ْ } وقال في الحظ النافع : { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ْ }
وقوله : { إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ْ } أي : فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه فوفقهم وهداهم للصراط المستقيم .
{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ْ } أي : لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى ، الذي يقتضي أن يعفى عنهم ، واصفح ، فإن ذلك من الإحسان { إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ْ } والإحسان : هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك . وفي حق المخلوقين : بذل النفع الديني والدنيوي لهم .
قوله تعالى : { فبما نقضهم } أي : فبنقضهم ، و{ ما } صلة .
قوله تعالى : { ميثاقهم } ، قال قتادة : نقضوه من وجوه ، لأنهم كذبوا الرسل الذين جاؤوا بعد موسى ، وقتلوا أنبياء الله ، ونبذوا كتابه ، وضيعوا فرائضه .
قوله تعالى :{ لعناهم } ، قال عطاء : أبعدناهم من رحمتنا ، قال الحسن ومقاتل : عذبناهم بالمسخ .
قوله تعالى : { وجعلنا قلوبهم قاسية } ، قرأ حمزة والكسائي قسية ، بتشديد الياء من غير ألف ، وهما لغتان مثل : الذاكية والذكية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( قاسية ) أي يابسة ، وقيل : غليظة لا تلين ، وقيل معناه : إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان ، بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق ، ومنه الدراهم القاسية وهي الرديئة المغشوشة .
قوله تعالى : { يحرفون الكلم عن مواضعه } ، قيل : هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : تحريفهم بسوء التأويل .
قوله تعالى : { ونسوا حظاً مما ذكروا به } . أي : وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان نعته .
قوله تعالى : { ولا تزال } يا محمد .
قوله تعالى : { تطلع على خائنة منهم } ، أي : على خيانة ، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية ، وقيل : هو بمعنى الفاعل ، والهاء للمبالغة مثل : رواية ونسابة ، وعلامة ، وحسابة ، وقيل : على فرقة خائنة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : على خائنة ، أي : على معصية ، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهمهم بقتله ، وسمّه ، ونحوها من خياناتهم التي ظهرت منهم
قوله تعالى : { إلا قليلاً منهم } ، لم يخونوا ولم ينقضوا العهد ، وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب .
قوله تعالى : { فاعف عنهم واصفح } ، أي : أعرض عنهم ، ولا تتعرض لهم .
قوله تعالى : { إن الله يحب المحسنين } ، وهذا منسوخ بآية السيف .