{ قَالُواْ ياموسى إنَّ فيهَا قَوْماً جَبَّارينَ } شديدي البطش متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية ، والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه كالحساس من الإحساس وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان ، ومعناه في البخل ما فات اليد طولاً ، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم ، أخرج ابن عبد الحكم في «فتوح مصر » عن ابن حجيرة قال : استظل سبعون رجلاً من قوم موسى عليه السلام في قحف رجل من العمالقة ، وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان » عن زيد بن أسلم قال : بلغني أنه رؤيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة .
{ وَإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ منْهَا } بقتال غيرنا ، أو بسبب يخرجهم الله تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها ، وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه { فَإن يَخْرُجُواْ منْهَا } بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها { فَإنَّا دَاخلُونَ } فيها حينئذ ، وأتوا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوماً مما تقدم تصريحاً بالمقصود وتنصيصاً على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها ، وأتوا في الجزاء بالجملة الإسمية المصدرة بإن دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَالُواْ يا موسى إن فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } وهي صفات النفس { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا } بأن يصرفهم الله تعالى بلا رياضة منا ولا مجاهدة ، أو يضعفوا عن الاستيلاء بالطبع { فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون } [ المائدة : 22 ] حينئذٍ
{ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } شديدي القوة والشجاعة ، أي : فهذا من الموانع لنا من دخولها .
{ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } وهذا من الجبن وقلة اليقين ، وإلا فلو كان معهم رشدهم ، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم ، وأن القوي من أعانه الله بقوة من عنده ، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولعلموا أنهم سينصرون عليهم ، إذ وعدهم الله بذلك ، وعدا خاصا .
قوله تعالى : { قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين } ، وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا ، قال لهم موسى : اكتموا شأنهم ، ولا تخبروا به أحداً من أهل العسكر فيفشلوا ، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه ، إلا رجلان وفيا بما قال لهما موسى ، أحدهما يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى ، والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران ، وكان من سبط يهود ، وهما النقباء ، فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا : يا ليتنا متنا في أرض مصر ، أو ليتنا نموت في هذه البرية ، ولا يدخلنا الله أرضهم ، فتكون نساؤنا ، وأولادنا ، وأثقالنا ، غنيمةً لهم . وجعل الرجل يقول لصاحبه : تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر ، فذلك قوله تعالى إخباراً عنهم { قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين } .
قوله تعالى : { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } ، أصل الجبار المتعظم ، الممتنع عن القهر ، يقال : نخلة جبارة إذا كانت طويلة ، ممتنعة عن وصول الأيدي إليها ، وسمى أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم ، وقوة أجسادهم ، وكانوا من العمالقة ، وبقية قوم عاد ، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر ، خر موسى وهارون ساجدين ، وخرق يوشع وكالب ثيابهما ، وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله . { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.