{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } ألهمها وألقى في روعها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير ؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما أريد منها ، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء وليس التحل منها . نعم يصدر مها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بها أنها ذوات عقول وصاحبة فضل تقصر عنه الفحول ، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه وسمي اليعسوب والأمير ، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها ، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات وغيرها ، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا : فإنهم قالوا : ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة ؛ ولها أحوال كثيرة عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة الحقيقة ، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلاً وأنبياء والشرع يأبى ذلك . وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد أسلم لهم ذلك ولم نسع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم ، والنحل جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه : { أَنِ اتخذى } وقرأ ابن وثاب { النحل } بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون إتباعاً لحركة النون ، و { ءانٍ } إما مصدرية بتقدير بناء الملابسة أي بأن اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور معنى القول دون حروفه ، وذلك كاف في جعلها تفسيرية : وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو لم يعتبره فقال : إن في ذلك نظراً لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام إجماعاً وليس في الإلهام معنى القول { مِنَ الجبال بُيُوتًا } أوكاراً ، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيهاً له بما يبنيه الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة كما سمعت : وقرىء { بُيُوتًا } بكسر الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم .
{ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روى عن ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض ، و { مِنْ } في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك ، وبعضهم قال : إن { مِنْ } للتبعيض بحسب الأفراد فقط ، والمعنى الآخر معلوم من خارج لا من مدلول { مِنْ } إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن كمال تأليف مفرد في المسألة ليراجع ، وأياً ما كان ففيه مع ما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى من البديع صنعة الطبقا ، وتفسير البيوت بيما تبنيه هو الذي ذهب إليه غير واحد ، وقال أبو حيان : الظاهر أنها عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار والخلايا التي يصنعها ابن آدم للنحل والكوى التي تكون في الحيطان ، ولما كان النحل نوعين منه ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنه ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها شمل الأمر بالاتخاذ البيوت النوعين .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } قيل أي نحل الأرواح { أَنِ اتخذي مِنَ الجبال } أي جبال أنوار الذات { بُيُوتًا } مقار لتسكنين فيها { وَمِنَ الشجر } أي ومن أشجار أنوار الصفات { وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } [ النحل : 68 ] أنوار عروش الأفعال
{ 68 - 69 } { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
في خلق هذه النحلة الصغيرة ، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة ، ويسر لها المراعي ، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها ،وهدايته لها ، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ ، مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها ، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة . فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى ، وتمام لطفه بعباده ، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال: {وأوحى ربك إلى النحل}، إلهاما من الله عز وجل، يقول: قذف فيها، {أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} [آية: 68]، يعني: ومما يبنون من البيوت.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها، {أنِ اتّخِذِي مِنَ الجبِالِ بُيُوتا وَمِنَ الشّجَرِ وممّا يَعْرِشُونَ}، يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... {وأوحى ربك إلى النحل}، أي: النحل وغيرها من البهائم، وجهين: أحدهما: يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها ومهالكها ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها، من غير أن تعلم أن أحدا يدعوها إلى ذلك أو يشير إليها أو يأمر، وينهى. لكنها بالطبع تعرف ذلك، وتعلم (أشياء تعلمها) بالطبائع من غير أن تعلم أن أحدا علمها ذلك، من نحو الوَزِّ يسبح في الماء بالطبع من غير أن يعلم {أنه يسبح}. وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران. فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعِرْفَانُها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن تعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقال أبو عبيد: (الوحي) على وجوه في كلام العرب: منها وحي النبوة، ومنها الإلهام، ومنها الإشارة، ومنها الكتاب، ومنها الإسرار: فالوحي في النبوة ما يوحي الله إلى الأنبياء، كقوله:"إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه". والوحي بمعنى الإلهام، قوله: "وأوحى ربك إلى النحل"، وقوله: "وأوحينا إلى أم موسى"، وفي الأرض:"بأن ربك أوحى لها". ووحي الإشارة كقوله: "فأوحى إليهم أن سبحوا". قال مجاهد: أشار إليهم، وقال الضحاك: كتب لهم. وأصل الوحي عند العرب: هو إلقاء الانسان إلى صاحبه ثيابا للاستتار والإخفاء. ووحي الإسرار مثل قوله: "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا".
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
الإيحاء إلى النحل: إلهامها، والقذف في قلوبها وتعليمها، على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيَّقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم...
و {يَعْرِشُونَ}، بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت، من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في: {يعرشون}، للناس، فإن قلت: ما معنى: «من» في قوله: {أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}؟ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد: معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش، ولا في كل مكان منها.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع، إما في الجبال وكُواها، وإما في متجوف الأشجار، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح، والحيطان ونحوها... و «عرش» معناه:هيأ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب، وترتيب ظلالها، ومنه العريش الذي صيغ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ومن هذا هي لفظة العريش...
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتا؛ تشبيها ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصنعة، وصحة القسمة التي لا يقوى عليها أحذق المهندسين، إلا بآلات وأنظار دقيقة، ولعل ذكره لتنبيه على ذلك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة، أعجب مما تقدم وأنفس، ثلث به وأخره؛ لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن، فقال تعالى: {وأوحى ربك}، أي: المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة، وغيرها من الأماكن، وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار، وتمام الاقتدار، {إلى النحل}، أي: بالإلهام؛ قال الرازي في اللوامع: فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد: كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير: كالنحل... والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد: كالملائكة، وبعضها بكل ذلك، والفكر والتمييز، والأعمال المختلفة المبنية على الفكر: كالإنسان.
ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب "أن "المفسرة، فقال تعالى: {أن اتخذي}، أي: افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ {من الجبال بيوتاً}، أي: بيوت! ما أعجبها! {ومن الشجر}، أي: الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحاري، {ومما يعرشون}، أي: يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت؛ لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة، وبداعة الشكل، وبراعة الإحكام، وتمام التناسب.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عَطْف عبرة على عبرة ومنّة على منّة. وغُيّر أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصّنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شراباً، وكان ما في بطون النّحْل وسطاً بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النّحل يمتصّ ما في الثمرات والأنوار من المواد السكّرية العسليّة ثم يخرجه عسلاً كما يَخْرج اللبن من خلاصة المرعى...
وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفيّ الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظّم مرتّب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهاً للإلهام بكلام خفيّ يتضمّن ذلك الترتيب الشّبيه بعمل المتعلّم بتعليم المُعلّم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقّاه سرّاً، فإطلاق الوحي استعارة تمثيليّة...