روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ} (66)

{ وَإِنَّ لَكُمْ في الأنعام لَعِبْرَةً } أي معبراً يعبر به من الجهل إلى العلم ، وأصل معنى العبر والعبور التجاوز من المحل إلى آخر ، وقال الراغب : العبور مختص بتجاوز الماء بسباحة ونحوها ، والمشهور عمومه فإطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة ؟ والتنكير للتفخيم أي لعبرة عظيمة { نُّسْقِيكُمْ } ومنهم من قدر هنا مبتدأ وهو هي نسقيكم ولا حاجة إليه ، وضمير { بُطُونِهِ } للإنعام وهو اسم جمع واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه وتأنيثه وجمعه باعتبار معناه ، ولذا جاء بالوجهين في القرآن وكلام العرب كذا قيل .

ونقل عن سيبويه أنه عد الأنعام مفرداً وكلامه رحمه الله تعالى متناقض ظاهراً فإنه قال في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه : وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها لأنها ضارعت الواحد ، ألا ترى أنك تقول : أقوال وأقاويل وأعراب وأعاريب وأيد وإياد فهذه الأحرف تخرج إلى مفاعل ومفاعيل كما يخرج الواحد إليه إذا فسر للجمع ، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا لأن هذا هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت ، ثم قال : وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس فإنك تخرجه إلى فعائل كما تقول جدود وجدائد وركوب وركائب . ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا البناء ، ويقوي ذلك أن بعض العرب تقول : أتى للواحد فيضم الألف ، وأما أفعال فقد يقع للواحد ومن العرب من يقول هو الأنعام قال جل ثناؤه : { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا في بُطُونِهِ } وقال أبو الخطاب . سمعت العرب تقول : هذا ثوب أكياس انتهى .

وقال رحمه الله تعالى في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعل ولا أفعال إلا أن تكسر عليه أسماء للجمع انتهى ، وقد اضطرب الناس في التوفيق بين كلاميه فذهب أبو حيان إلى تأويل الأول وإبقاء الثاني على ظاهره من أن أفعالاً لا يكون من أبنيته المفرد فحمل قوله أولاً وأما أفعال فقد يقع للواحد الخ : على أن بعض العرب قد يستعمله فيه مجازاً كالأنعام بمعنى النعم كما قال الشاعر :

تركنا الخيل والنعم المفدي . . . وقلنا للنساء بها أقيمي

وليس مراده أنه مفرد صيغة ووضعاً بدليل ما صرح به في الموضع الآخر من أنه لا يكون إلا جمعاً . واعترض عليه بأن مقصود سيبويه بما ذكره أولاً الفرق بين صيغتي منتهى الجموع وأفعال وفعول حيث منع الصرف للأول دون الثاني بوجوه . منها أن الأولين لا يقعان على الواحد بخلاف الآخيرين كما أوضحه فلو لم يكن وقوع أفعال على الواحد بالوضع لم يحصل الفرق فلا يتم المقصود .

نعم لا كلام في تدافع كلاميه ، وأيضاً لو كان كذلك لم يختص ببعضهم ؛ وأيضاً أن التجوز بالجمع عن الواحد يصح في كل جمع حتى صيغتي منتهى الجموع . وتعقبه الخفاجي بقوله : والحق أنه لا تدافع بين كلاميه فإنه فرق بين صيغتي منتهى الجموع والصيغتين الأخيرتين بأن الأولتين لا تجمعان والأخيرتان تجمعان فاشبهتا الآحاد ثم قوي ذلك بأن قوماً من العرب استعملت أتى وهو على وزن فعول مفرداً حقيقة ، ومنهم من استعمل الأنعام وهو على وزن أفعال كذلك ، وقد أشار إلى أن ذلك لغة نادرة ببعض ، ومن وما ذكره بعد بناء على اللغة المتداولة ، وقوله : إن مقصوده أولاً الفرق بوجوه لا وجه له كما يعرفه حملة الكتاب انتهى ، ويعلم منه أن رجوع الضمير المفرد المذكور إلى الأنعام عند سيبويه باعتبار أنه مفرد على لغة بعض العرب ومن قال : إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض أما المقدر أي بعض الأنعام أو المفهوم منها أو للأنعام باعتبار بعضها وهو الإناث التي يكون اللبن منها أو لواحدة كما في قول ابن الحاجب : المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية أو له على المعنى لأن أل الجنسية تسوي بين المفرد والجمع في المعنى فيجوز عود ضمير كل منهما على الآخر . وفي «البحر » أعاد الضمير مذكراً مراعاة الجنس لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده علهي مذكراً كقولهم هو أحسن الفتيان وأبتله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه ؛ وقيل جمع التكثير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع فيعود الضمير عليه مفرداً كقوله :

مثل الفراخ نتفت حواصله . . . وقال الكسائي : أفرد وذكر على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد الجمع كقوله :

فيها خطوط من سواد وباق . . . كأنه في الجلد توليع البهق

وهو في القرآن سائغ ومنه قوله تعالى : { إِنها تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } [ المدثر : 54 ، 55 ] { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قالَ هذا رَبّى } [ الأنعام : 78 ] ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي فلا يجوز جاريتك ذهب . واعترض بأنه كيف جمع نعم وهي تختص الإبل والأنعام تقال للبقر والإبل والغنم مع أنه لو اختص كان مساوياً . وأجيب بأن من يراه جمعاً له يخص الأنعام أو يعمم النعم ويجعل التفرقة ناشئة من الاستعمال ويجعل الجمع للدلالة على تعدد الأنواع .

وقرأ ابن مسعود بخلاف عنه . والحسن . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . وابن عامر . ونافع . وأبوبكر . وأهل المدينة { نُّسْقِيكُمْ } بفتح النون هنا وفي المؤمنين ( 21 ) على أنه مضارع سقي وهو لغة في أسقى عند جمع وأنشدوا قول لبيد :

سقى قومي بني مجد وأسقى . . . نميراً والقبائل من هلال

وقال بعض : يقال سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه ، وقيل : سقاه بمعنى رواه بالماء وأسقاه بمعنى جعله شراباً معداً له ، وفيه كلام بعد فتذكر .

وقرأ أبو رحاء { *يسقيكم } بالياء مضمومة والضمير عائد على الله تعالى .

وقال «صاحب اللوامح » ويجوز أن يكون عائداً على النعم وذكر لأن النعم مما يذكر ويؤنث ، والمعنى وإن لكم في الأنعام نعماً يسقيكم أي يجعل لكم سقياً ، وهو كما ترى . وقرأت فرقة منهم أبو جعفر { *تسقيكم } بالتاء الفوقية مفتوحة قال ابن عطية : وهي قراءة ضعيفة انتهى ، ولم يبين وجه ضعفها ، وكأنه والله تعالى أعلم عنى به اجتماع التأنيث والتذكير باعتبار وجهين .

{ بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } افرق على ما في «الصحاح » السرجين ما دام في الكرش والجمع فروث . وفي «البحر » كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو المعي ، و { بَيْنَ } تقتضي متعدداً وهو هنا الفرق والدم فيكون مقتضى ظاهر النظم توسط اللبن بنيهما ، وروى ذلك الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن البهيمة إذا عتلفت وأنضج العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً .

وروى نحوه عن ابن جبير فالبينية على حقيقتها وظاهرها وتعقب ذلك الإمام الرازي بقوله : ولقائل أن يقول : اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحسن فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل إلى معدته وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل في الكبد ينضج ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني ويكون ذلك مخلوصاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة ، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة والعروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم فيه إلى صورة اللبن ، لا يقال : إن هذه المعنى حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن لأنا نقول : الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فأوجبت أن يكون مزاج الذكر حاراً يابساً مزاج الأنثى بارداً رطباً فإن الولد إنما يتولد في داخل بدن الأنثى فكان اللائق بها اختصاصها بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسبباً لقبول التمدد فتتسع للولد ، ثم إن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى الضرع فتصير مادة لغذائه كما كانت كذلك قبل في الرحم ، ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته .

حكم حارت البرية فيها . . . وحقيق بأنها تحتار

وحاصل ما ذكروه أنه إذا ورد الغذاء الكرش انطبخ فيه وتميزت منه أجزاء لطيفة تنجذب إلى الكبد فينطبخ فيها فيحصل الدم فتسري أجزاء منه إلى الضرع ويستحيل لبناً بتدبير الحكيم العليم ، وحينئذ فالمراد أن اللبن إنما يحصل من بين أجزاء الفرث ثم من بين أجزاء الدم فالبينية على هذا مجازية وفي إرشاد العقل السليم وغيره لعل المراد بما روى( {[535]} ) عن ابن عباس أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يعذو البدن فإن عدم تكونهما في العكرش مما لا ريب فيه والداعي إلى ذلك مخالفة ما يقتضيه الظاهر للحس ولما ذكره الحكماء أهل التشريح . ويؤيد ما ذكروه ما أخبرني به من أثق به من أنه قد شاهد خروج الدم من الضرع بعد اللبن عند المبالغة في الحلب والله تعالى أعلم ، و { مِنْ } الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطون الأنعام لأنه مخلوق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما سمعت ، وهي متعلقة بنسقيكم و { مِنْ } الثانية ابتدائية وهي أيضاً متعلقة بنسقيكم فإن بين الدم والفرث المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء وتعلقهما بعامل واحد لاختلاف مدلوليهما و { لَّبَنًا } مفعول ثان لنسقيكم وتقديم ذلك عليه لما مر مراراً من أن تقديم ما حقه التأخير يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكنه عند وروده عليها لا سيما إذا كان المقدم متضمناً لوصف مناف لوصف المؤخر كالذي نحن فيه ، فإن بين وصفي المقدم والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراآى ناراهما فإن ذلك مما يزيد الشوق والاستشراف إلى المؤخر ، وجوز أن يكون { مِن بَيْنِ } حالاً من { لَّبَنًا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة .

وجوز أن تكون { مِنْ } الأولى ابتدائية كالثانية فيكون { مِن بَيْنِ } بدل اشتمال مما تقدم { خَالِصًا } مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه أوصافياً لا يستصحبه لون الدم ولا رائحة الفرث { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في حلقهم لدهنيته . أخرج ابن مردويه عن يحيى بن عبد الرحمن ابن أبي لبيبة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما أشرب أحد لبناً فشرق إن الله تعالى يقول { لبناً خالصاً سائغاً للشاربين } »

وقرأت فرقة { *سيغاً } بتشديد الياء . وقرأ عيسى بن عمر «سيغاً » مخففاً من سيغ كهين المخفف من هين . واستدل بالآية على طهارة لبن المأكول وإباحة شربه ، وقد احتج بعض من يرى على أن المني طاهر على من جعله نجساً لجريه في مسالك البول بها أيضاً وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً وفي «التفسير الكبير » قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيراً انقلب به لبناً ثم دبر تدبيراً آخر حدث من ذلك البلن الدهن والجبن ، وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ؛ فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِنَّ لَكُمْ في الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } [ النحل : 66 ] الإشارة فيه على ما في أسرار القرآن إلى ما تشربه الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زلال بحر المشاهدة وهناك منازل اعتبار المعتبرين


[535]:- أي أن صح اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ} (66)

{ 66 - 67 } { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

أي : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ } ، التي سخرها الله لمنافعكم . { لَعِبْرَةً } ، تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه ، حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم ، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر ، سائغا للشاربين للذته ؛ ولأنه يسقي ويغذي ، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية .

فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح لبنا خالصا سائغا للشاربين ؟

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّـٰرِبِينَ} (66)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإن لكم في الأنعام لعبرة}، يعني: التفكر،

{نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا}، من القذر،

{سائغا للشاربين}، يسيغ من يشربه، وهو لا يسيغ الفرث والدم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام، التي نُسْقيكم مما في بطونه.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:"نُسْقِيكُمْ" فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم، ومن أهل المدينة أبو جعفر: "نُسْقِيكُمْ "بضم النون. بمعنى: أنه أسقاهم شرابا دائما. وكان الكسائي يقول: العرب تقول: أسقيناهم نَهْرا، وأسقيناهم لبنا: إذا جعلته شِرْبا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة، قالوا: سقيناهم، فنحن نَسْقِيهم، بغير ألف. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم: «نَسْقِيكم»، بفتح النون، من سقَاه الله، فهو يَسْقيه. والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السقي غير دائم، وتنزعها فيما كان دائما، وإن كان أشهر الكلامين عندها، ما قال الكسائي، يدلّ على ما قلنا من ذلك... فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارىء فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون؛ لما ذكرت من أن الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف، فهو يُسْقِي. وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم له، غير منقطع عنهم.

وأما قوله: {ممّا فِي بُطُونِهِ} وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع، والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالاً، فكان بعض نحويي الكوفة يقول: النّعم والأنعام شيء واحد؛ لأنهما جميعا جمعان، فردّ الكلام في قوله: {مِمّا فِي بُطُونِهِ}، إلى التذكير، مرادا به معنى النّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام... وكان غيره منهم يقول: إنما قال: مِمّا فِي بُطُونِهِ؛ لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا... وقوله: {مِنْ بينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنا خالِصا}، يقول: نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا يقول: خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به. {سائِغا للشّارِبِينَ}، يقول: يسوغ لمن شربه، فلا يَغَصّ به، كما يَغَصّ الغاصّ ببعض ما يأكله من الأطعمة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ}، أي: يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم، يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله، لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله...

فسبحان الله، ما أعظم قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمّل...

وسئل شقيق عن الإخلاص، فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم...

{سَآئِغًا}، سهل المرور في الحلق...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

نَبَّهَ اللَّهُ عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ؛ بِخُرُوجِ اللَّبَنِ خَالِصًا من بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، بَيْنَ حُمْرَةِ الدَّمِ وَقَذَارَةِ الْفَرْثِ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا وِعَاءٌ وَاحِدٌ، وَجَرَى الْكُلُّ فِي سَبِيلٍ مُتَّحِدَةٍ، فَإِذَا نَظَرْت إلَى لَوْنِهِ، وَجَدْته أَبْيَضَ نَاصِعًا خَالِصًا من شَائِبَةِ الْجَارِ، وَإِذَا شَرِبْته وَجَدْته سَائِغًا عَنْ بَشَاعَةِ الْفَرْثِ، يُرِيدُ لَذِيذًا... التَّنْبِيهَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى اللَّذَّةِ وَطِيبِ الْمَطْعَمِ، مَعَ كَرَاهِيَةِ الْجَارِ الَّذِي انْفَصَلَ عَنْهُ فِي الْكَرِشِ، وَهُوَ الْفَرْثُ الْقَذِرُ...

وَهَذِهِ قُدْرَةٌ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِلْقَائِمِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْمَصْلَحَةِ...

قَالَ الْقَاضِي... اللَّبَنَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْهُ مَجِيءَ النِّعْمَةِ وَالْمِنَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْقُدْرَةِ، لِيَكُونَ عِبْرَةً؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ وَصْفَ الْخُلُوصِ وَاللَّذَّةِ وَالطَّهَارَةِ...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم، عملية عجيبة فائقة العجب، وهي تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عمليات الاحتراق. وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد.. ولا يملك إنسان سوى الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني، الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشر، ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى...

وقد بقى هذا كله سرا إلى عهد قريب. وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من بين فرث ودم لم تكن معروفة لبشر، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة. وما يملك إنسان يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل. ووجود حقيقة واحدة من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن. فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة. والقرآن -يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة- يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذه حُجّة أخرى ومنّة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منّتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعاً لقوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} إلى قوله: {لرؤوف رحيم} [سورة النحل: 5 7].

ومناسبة ذكر هذه النّعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماءِ السماء، وأن لآثار ماء السماء أثراً في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى.

واختصّت هذه العبرة بما تنبّه إليه من بديع الصّنع والحكمة في خلق الألبان بقوله: {مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً}، ثم بالتذّكير بما في ذلك من النّعمة على الناس إدماجاً للعبرة بالمنّة.

فجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} معطوفة على جملة {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} [سورة النحل: 65]، أي كما كان القوم يسمعون عِبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضاً، إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القومَ الذين يسمعون.

وضمير الخطاب التفات من الغيبة. وتوكيدها ب {إن} ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها.

و {الأنعام}: اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز.

والعبرة: ما يُتّعظ به ويُعتبر. وقد تقدم في نهاية سورة يوسف.

وجملة {نسقيكم مما في بطونه} واقعة موقع البيان لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة}.

والبطون: جمع بطن، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمْعاء.

و (من) في قوله تعالى: {مما في بطونه} ابتدائية، لأن اللبن يفرز عن العلف الذي في البطون. وما صْدَقُ « ما في بطونه» العلف. ويجوز جعلها تبْعيضية ويكون ما صدق « ما في بطونه» هو اللبن اعتداداً بحالة مُروره في داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع.

و {من} في قوله تعالى: {من بين فرث} زائدة لتوكيد التوسّط، أي يفرز في حالة بين حالتي الفرث والدم.

ووقع البيان ب {نسقيكم} دون أن يقال: تشربون أو نحوه، إدماجاً للمنّة مع العبرة.

ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى ينقلب بالهضم في المعدة، ثم الكَبِد، ثم غدد الضرع، مائعاً يسقى وهو مفرز من بين أفراز فرث ودم.

والفرث: الفضلات التي تركها الهضم المَعِدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فَرثا. والدمّ: إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يَدور كذلك بواسطة القلب. وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى: {حرّمت عليكم الميتة والدم} في سورة العقود (3).

ومعنى كون اللّبن من بين الفرث والدم أنه إفراز حاصل في حين إفراز الدّم وإفراز الفرث. وعلاقته بالفرث أن الدم الذي ينحدر في عروق الضرع يمرّ بجوار الفضلات البوليّة والثفلية، فتفرزه غدد الضرع لبَناً كما تفرزه غدد الكليتين بَولاً بدون معالجة زائدة، وكما تفرز تكاميش الأمعاء ثَفلاً بدون معالجة بخلاف إفراز غدد المثانة للمَنِيّ لتوقّفه على معالجة ينحدر بها الدم إليها.

وليس المراد أن اللّبن يتميّع من بين طبقتيّ فرث ودم، وإنما الذي أوهم ذلك مَن تَوهمه حمْله {بينَ} على حقيقتها من ظرف المكان، وإنما هي تستعمل كثيراً في المكان المجازي فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم: الشجاعة صفة بين التهوّر والجبن. فمن بلاغة القرآن هذا التعبيرُ القريب للأفهام لكل طبقة من الناس بحسب مبالغ علمهم، مع كونه موافقاً للحقيقة.

والمعنى: إفراز ليس هو بدم لأنه أليَنُ من الدم، ولأنه غير باققٍ في عروق الضرع كبقاء الدّم في العروق، فهو شبيه بالفضلات في لزوم إفرازه، وليس هو بالفضلة لأنه إفراز طاهر نافع مغذّ، وليس قذراً ضاراً غير صالح للتغذية كالبول والثفل.

وموقع {من بين فرث ودم} موقع الصفة ل {لبناً}، قدمت عليه للاهتمام بها لأنها موضع العبرة، فكان لها مزيد اهتمام، وقد صارت بالتقديم حالاً.

ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولاً ل {نَسقيكم}، وجعل {مما في بطونه} تبييناً لمصدره لا لمَورده، فليس اللبن مما في البطون؛ ولذلك كان {مما في بطونه} متقدماً في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل {نسقيكم} وليس وصفاً لِْلّبن.

وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها لِلْلّبن قوله تعالى: {خالصاً سائغاً للشاربين}. فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل، وسوغه للشاربين سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شَربه، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهّمه.

وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية، إذ هو وصف لم يكن لأحد من العرب يومئذٍ أن يعرف دقائق تكوينه، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وَصف به العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمعَ.

وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى: {مما في بطونه} مراعاة لكون اللفظ مفرداً لأن اسم الجمع لفظ مفرد، إذ ليس من صيغ الجموع، فقد يراعى اللفظ فيأتي ضميره مفرداً، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع، كما في آية سورة المؤمنين (21) {نسقيكم مما في بطونها} والخالص: المجرّد مما يكدّر صفاءه، فهو الصافي. والسائغ: السهل المرور في الحلق.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

فاللبن من نعم الله الدالة على قدرته سبحانه، وفي إخراجه من بين فرث ودم عبرة وعظة، وكأن الحق سبحانه يعطينا هذه العبرة لينقلنا من المعنى الحسي الذي نشاهده إلى المعنى القيمي في المنهج، فالذي صنع لنا هذه العبرة لإصلاح قالبنا قادر على أن يصنع لنا من المنهج ما يصلح قلوبنا...