{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من جنسكم ونوعكم وهو مجاز في ذلك ، والأشهر من معاني النفس الذات ولا يستقيم هنا كغيره فلذا ارتكب المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع ، واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجوز للإنسان أن ينكح من الجن { أزواجا } لتأنسوا بها وتقيموا بذلك مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم .
وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذا خلق آدم وحواء عليهما السلام فإن حواء خلقت من نفسه عليه السلام ، وتعقب بأنه لا يلائمه جمع الأنفس والأزواج ، وحمله على التغليب تكلف غير مناسب للمقام ، وكذا كون المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم } أي منها فوضع الظاهر موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره { بنين } وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد { وَحَفَدَةً } جمع حافد ككاتب وكتبة ، وهو من قولهم : حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع في الخدمة والطاعة ، وفي الحديث «إليك نسعى ونحفد » وقال جميل :
حفد الولائد حولهن وأسلمت . . . بأكفهن أزمة الأجمال
وقد ورد الفعل لازماً ومتعدياً كقوله :
يحفدون الضيف في أبياتهم . . . كرماً ذلك منهم غير ذل
وجاء في لغة كما قال أبو عبيدة أحفد أحفاداً ، وقيل : الحفد سرعة القطع ، وقيل : مقاربة الخطو ، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن . والأزهري وجاء في رواية عن ابن عباس واختاره ابن العربي أولاد الأولاد ، وكونهم من الأزواج حينئذٍ بالواسطة ، وقيل : البنات عبر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة فإنهن في الغالب يخدمن في البيوت أتم خدمة ، وقيل : البنون والعطف لاختلاف الوصفين البنوة والخدمة ، وهو منزل منزلة تغاير الذات ، وقد مر نظيره فيكون ذلك امتناناً بإعطاء الجامع لهذه الوصفين الجليلين فكأنه قيل : وجعل لكم منهن أولاداً هم بنون وهم حافدون أي جامعون بين هذين الأمرين ، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أن البنين صغار الأولاد والحفدة كبارهم ، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس ، وكأن ابن عباس نظر إلى أن الكبار أقوى على الخدمة( {[541]} ) ومقاتل نظر إلى أن الصغار أقرب للانقياد لها وامتثال الأمر بها واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخط ، وقيل : أولاد المرأة من الزوج الأول ، وأخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عباس .
وأخرج الطبراني . والبيهقي في سننه . والبخاري في تاريخه . والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنهم الأختان وأريد بهم على ما قيل أزواج البنات ويقال لهم أصهار ، وأنشدوا :
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت . . . لها حفد مما يعد كثير
ولكنها نفس على أبية . . . عيوني لأصهار اللئام تدور
والنصب على هذا بفعل مقدر أي وجعل لكم حفدة لا بالعطف على { بنيان } لأن القيد إذا تقدم يعلق بالمتعاطفين وأزواج البنات ليسوا من الأزواج . وضعف بأنه لا قرينة على تقدير خلاف الظاهر وفيه دغدغة لا تخفى . وقيل : لا مانع من العطف بأن يراد بالأختان أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج البنات فإن إطلاق الأختان عليه إنما هو عند العامة وأما عند العرب فلا كما في «الصحاح » ، وتجعل { مِنْ } سببية ولا شك أن الأزواج سبب لجعل الحفدة بهذا المعنى وهو كما ترى . وتعقب تفسيره بالأختان والربائب بأن السياق للامتنان ولا يمتن بذلك .
وأجيب بأن الامتنان باعتبار الخدمة ولا يخفى أنه مصحح لا مرجح . وقيل : الحفدة هم الخدم والأعوان وهو المعنى المشهور له لغة . والنصب أيضاً بمقدر أي وجعل لكم خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم .
وقال ابن عطية بعد نقل عدة أقوال في المراد من ذلك : وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ولا يخفى أنه باعتبار الغالب ، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى : { من أزواجكم } على العموم والاشتراك أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ويستقيم على هذا إجراء الحفدة على مجراها في اللغة إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن حفدة اه ، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقدير لكن لا يخفى أن فيه بعداً ، وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر غير مرة من التشويق ، وتقديم المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعود منفعة الجعل إليهم إمداداً للتشويق وتقوية له .
{ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } أي اللذائذ وهو معناها اللغوي ، وجوز أن يراد بالطيب ما هو متعارف في لسان الشرع وهو الحلال . وتعقبه أبو حيان بأن المخاطبين بهذا الكفار وهم لا شرع لهم فتفسيره بذلك غير ظاهر . وأجيب بأنهم مكلفون بالفروع كالأصول فيوجد في حقهم الحلال والحرام ، وأيضاً هم مرزوقون بكثير من الحلال الذي أكلوا بعضه ولا يلزم اعتقادهم للحل ونحوه ، و { مِنْ } للتبعيض لأن ما رزقوه بعض من كل الطيبات فإن ما في الدنيا منها بأسره أنموذج لما في الآخرة إذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وما في الدنيا لم يصل كثير منه إليهم ، والظاهر على ما ذكرنا عموم الطيبات للنبات والثمار والحبوب والأشربة والحيوان ، وقيل : المراد بها ما أتى من غير نصب ، وقيل : الغنائم ، وليس بشيء .
{ أفبالباطل } وهو منفعة الأصنام وبركتها وما ذاك إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة ، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ } وقدم للحصر فيفيد أن ليس لهم إيمان إلا بذلك كأنه شيء معلوم مستيقن { وَبِنِعْمَتِ الله } المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز مما ذكر ومما لا تحيط به دائرة البيان { هُمْ يَكْفُرُونَ } أي يستمرون على الكفر بها والإنكار لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول وذلك بإضافتها إلى أصنامهم ، وقيل : الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله تعالى ما أحل لهم .
والآية على هذا ظاهرة التعلق بقوله سبحانه : { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } فقط دون ما قبله أيضاً والظاهر تعلقها بهما ، ومن ذلك يظهر حال ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أن الباطل الشيطان ونعمة الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذكرناه قد صرح بأكثره الزمخشري ، واستفادة الحصر من التقديم ظاهرة ، وأما كأنه شيء معلوم مستيقن فمستفاد من حصرهم الإيمان فيما ذكر لأن ذلك شأن المؤمن به لا سيما وقد حصروا ، وأيضاً المقابلة بالمشاهد المحسوس أعني نعمة الله تعالى دلت على تعكيسهم فيدل على أنهم جعلوا الموهوم بمنزلة المتيقن وبالعكس ، والفاء التي للتعكيس شديدة الدلالة على هذا الأمر والحمل على أنها للعطف على محذوف ليس بالوجه كذا في «الكشف » ، وفيه رد على ما قيل إن في كلا التركيبين تأكيداً وتخصيصاً ، أما التخصيص فيهما فمن تقديم المعمول ، وأما التأكيد في الأول فلأن الفاء تستدعي معطوفاً عليه تقديره أيكفرون بالحق ويؤمنون بالباطل والكفر بالحق مستلزم للإيمان بالباطل فقد تكرر الإيمان بالباطل والتكرير يفيد التأكيد ، وأما التأكيد في الثاني فمن بناء { يَكْفُرُونَ } على هم المفيد لتقوى الحكم ، وجعل كلام الزمخشري مشيراً إلى ذلك كله فتدبر . وما ذكر من أن تقديم الجار في التركيبين للتخصيص مما صرح به غير واحد ، والعلامة البيضاوي جوز ذلك لكنه أقحم الإيهام هنا نظير ما فعلناه فيما سلف آنفاً .
ووجه ذلك بأن المقام ليس بمقام تخصيص حقيقة إذ لا اختصاص لإيمانهم بالباطل ولا لكفرانهم بنعم الله سبحانه ولم يقحمه في تفسير نظير ذلك في العنكبوت فإن وجه بأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره بمنزلة العدم وإن النعم كلها من الله تعالى إما بالذات أوب الواسطة فليس كفرانهم إلا لنعمه سبحانه كما قيل لا يشكر الله من لا يشكر الناس بقي المخالفة . وأجيب بأنه إذا نظر للواقع فلا حصر فيه وإن لوحظ ما ذكر يكون الحصر ادعائياً وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تخالف ، وجوز أن يكون التقديم للاهتمام لأن المقصود بالإنكار الذي سيق له الكلام تعلق كفرانهم بنعمة الله تعالى واعتقادهم للباطل لا مطلق الإيمان والكفران ، وأن يكون لرعاية الفواصل وهو دون النكتتين ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالهم للإعراض عنهم وصرف الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه . وفي «البحر » أن السلمي قرأ { تُؤْمِنُونَ } بالتاء على الخطاب وأنه روى ذلك عن عاصم ، والجملة فيما بعده على هذا كما استظهره في «البحر » مجرداً عن الكفرة غير مندرج في التقريع .
هذا بقي أنه وقع في العنكبوت ( 67 ) { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ } بدون ضمير ووقع هنا ما سمعتب الضمير ، وبين الخفاجي سر ذلك بأنه لما سبق في هذه السورة قوله تعالى : { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } [ النحل : 71 ] أي يكفرون كما مر فلو ذكر ما نحن فيه بدون الضمير لكانت الآية تكراراً بحسب الظاهر فأتى بالضمير الدال على المبالغة والتأكيد ليكون ترقياً في الذم بعيداً عن اللغوية ، ثم قال : وقيل إنه أجرى على عادة العباد إذا أخبروا عن أحد بمنكر يجدون موجدة فيخبروا عن حاله الأخرى بكلام آكد من الأول ، ولا يخفى أن هذا إنما ينفع إذا سئل لم قيل : { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } [ العنكبوت : 67 ] بدون ضمير وقيل : { وبنعمة الله هم يكفرون } به ، وأما في الفرق بين ما هنا وما هناك فلا ، وقيل : آيات العنكبوت استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب وأما الآية التي نحن فيها فقد سبق قبلها مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب ، وتخصيص هذه بالزيادة دون { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } مع أنها الأولى بها بحسب الظاهر لتقدمها لئلا يلزم زيادة الفاصلة الأولى على الثانية ، واعترض عليه بأنه لا يخفى أنه لا مقتضى للزوم الغيبة ولا لبس لو ترك الضمير .
وقد يقال : إنما لم يؤت في آية العنكبوت بالضمير وينبى الفعل عليه إفادة للتقوى استغناءً بتكرر ما يفيد كفر القوم بالنعم مع قربه من تلك الآية عن ذلك ، على أنه قد تقدم هناك ما تستمد منه الجملتان أتم استمداد وإن كان فيه نوع بعد ومغايرة ما وذلك قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } [ العنكبوت : 52 ] ولما لم تكن آية النحل فيما ذكر بهذه المرتبة جىء فيها بما يفيد التقوى ، أو يقال : إنه لما كان سرد النعم هنا على وجه ظاهر في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن يؤتى بما فيه بما ذكر ، ولعل التعبير هنا بيكفرن وفيما قبل { يَجْحَدُونَ } [ النحل : 71 ] لأن ما قبل كان مسبوقاً على ما قيل بضرب مثل لكمال قباحة ما فعلوه والجحود أوفق بذلك لما أن كمال القبح فيه أتم ولا كذلك فيما البحث فيه كذا قيل فافهم والله تعالى بأسرار كتابه أعلم .
{ 72 } { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }
يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده ، حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا إليها ، وجعل لهم من أزواجهم أولادا تقرُّ بهم أعينهم ويخدمونهم ، ويقضون حوائجهم ، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة ، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب ، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها .
{ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } ، أي : أيؤمنون بالباطل الذي لم يكن شيئا مذكورا ، ثم أوجده الله وليس له من وجوده سوى العدم ، فلا تخلق ولا ترزق ولا تدبر من الأمر شيئا ، وهذا عام لكل ما عبد من دون الله ، فإنها باطلة ، فكيف يتخذها المشركون من دون الله ؟ "
{ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } ، يجحدونها ويستعينون بها على معاصي الله والكفر به ، هل هذا إلا من أظلم الظلم وأفجر الفجور وأسفه السفه ؟ . "
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا}، يقول: بعضكم من بعض،
{وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة}، يعني بالبنين: الصغار، والحفدة: الكفار، يحفدون أباهم بالخدمة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يخدمهم أولادهم، قال عز وجل: {ورزقكم من الطيبات}، يعني الحب والعسل ونحوه، وجعل رزق غيركم من الدواب والطير لا يشبه أرزاقكم في الطيب والحسن،
{أفبالباطل يؤمنون}، يعني: أفبالشيطان يصدقون بأن مع الله عز وجل شريكا،
{وبنعمت الله}، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف،
{هم يكفرون}، بتوحيد الله، أفلا يؤمنون برب هذه النعم فيوحدونه.
- ابن رشد: قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول في تفسير قوله عز وجل: {بنين وحفدة}: قال: الحفدة: الخدام والتباع.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَاللّهُ الذي جَعَلَ لَكُمْ أيها الناس مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا"، يعني: أنه خلق آدم زوجته حوّاء، "وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزواجكم بنين وحَفَدةً"...
واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة؛
فقال بعضهم: هم: الأختان، أختان الرجل على بناته... عن ابن عباس، قوله: {وحَفَدَةً}، قال: الأصهار...
وقال آخرون: هم أعوان الرجل وخدمه...
وقال آخرون: هم ولد الرجل وولد ولده... عن ابن عباس، قال: بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك...
وقال آخرون: هم بنو امرأة الرجل من غيره...
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفَهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}، فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحَفدة، والحفَدة في كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فاسق. والحافد في كلامهم: هو المتخفّف في الخدمة والعمل، والحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يحَفِدُ حفَدَانا: إذا مرّ يُسرع في سيره. ومنه قولهم: «إليك نسعى ونَحْفِدُ»: أي: نسرع إلى العمل بطاعتك... وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دلّ بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاصّ من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا، وجه في الصحة ومَخْرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بيّنا من الدليل.
وقوله: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطّيّباتِ}، يقول: ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات.
{أفَبالباطِلِ يُؤْمِنُونَ}، يقول تعالى ذكره: يحرّم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدّق هؤلاء المشركون بالله.
{وَبِنِعْمَةِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}، يقول: وبما أحلّ الله لهم من ذلك، وأنعم عليهم بإحلاله، {يَكْفُرُونَ}، يقول: ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحلّه.
اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم...
{وبنعمة الله هم يكفرون} والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم: وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب، يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة، وبإنعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات يجحدون...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما، اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: {والله}، أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم، {جعل لكم}، ولما كان الأزواج من الجنس، قال: {من أنفسكم}؛ لأن الشيء آلف لنوعه، وأقرب إلى جنسه، {أزواجاً}، أي: تتوالدون بها، ويحبون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم، {وجعل لكم}، أي: أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! {من أزواجكم بنين}، ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: {وحفدة}، أي: من البنات، والبنين، وأولادهم، والأصهار، والأختان، جمع حافد، يخفّون في أعمالكم، ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب؛ لأن مادة حفد، تدور على الإسراع والخفة...
ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: {ورزقكم}، أي: لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال: {من الطيبات}، بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب: {أفبالباطل}، أي: من الأصنام، وما جعلوا لهم من النصيب، {يؤمنون}، أي: على سبيل التجديد والاستمرار، {وبنعمت الله}، أي: الملك الأعظم، {هم}، وله عليهم خاصة -غير ما يشاركون فيه الناس- من المنن ما له: {يكفرون}، حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة، والوصيلة، والحامي، وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره؛ لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه، ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد، وتبدأ بتقرير الصلة الحية بين الجنسين... (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فهن من أنفسكم، شطر منكم، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن!...
(وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية...
ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين... أفبالباطل يؤمنون؟ وما عدا الله باطل، وهذه الآلهة المدعاة، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له، ولا حق فيه. وبنعمة الله هم يكفرون، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على التي قبلها، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل مقارناً للتأنّس بين الزوجين، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقاً لأحد الأبوين أو كليهما...
وجعل النسل معروفاً متصلاً بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب، فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم (21): {ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فجعلها آية تنطوي على آيات، ويتضمّن ذلك الصنع نعماً كثيرة، كما أشار إليه قوله تعالى: {وبنعمت الله هم يكفرون}...
وهذه نعمة إذ جعل قرين الإنسان متكوّناً من نوعه، ولو لم يجعل له ذلك لاضطُرّ الإنسان إلى طلب التأنّس بنوع آخر فلم يحصل التأنّس بذلك للزوجين. وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع. وليس من قوام ماهيّة النّعمة أن ينفرد بها المنعم عليه...
والوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر، فلذا سمّي بالزوج قرين المرأة وقرينةُ الرجل. وهذه نعمة اختصّ بها الإنسان إذ ألهمه الله جعل قرين له وجبله على نظام محبّة وغيرة لا يسمَحان له بإهمال زوجه كما تُهمل العجماوات إناثها وتنصرف إناثها عن ذكورها...
وجعل البنين للإنسان نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى، لأن بها تحقّق كونهم أبناءه بالنسبة للذكر ودوام اتّصالهم به بالنّسبة، ووجود المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم...
و {من} الداخلة على {أزواجكم} للابتداء، أي جعل لكم بنين منحدرين من أزواجكم...
وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلاً ولا يَشعر بالبنوّة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبَة من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرّة العائلة، قال تعالى: {فبشرّناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [سورة هود: 71]. وقد عملت من} الابتدائية في {حفدة} بواسطة حرف العطف لأن الابتداء يكون مباشرة وبواسطة...
وجملة {ورزقكم من الطيبات} معطوفة على جملة {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} وما بعدها، لمناسبة ما في الجمل المعطوف عليها من تضمّن المنّة بنعمة أفراد العائلة، فإن من مكمّلاتها سعة الرزق، كما قال تعالى في آل عمران {زيّن للناس حبّ الشّهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} [سورة النحل: 14] الآية...
ثم الرزق يجوز أن يكون مراداً منه المال كما في قوله تعالى في قصة قارون: {وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} [سورة القصص: 82]. وهذا هو الظاهر وهو الموافق لما في الآية المذكورة آنفاً. ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيّبة، كما في قوله تعالى: {وجد عندها رزقاً} [سورة آل عمران: 37] و {من} تبعيضية...
و {الطيبات}: صفة لموصوف محذوف دلّ عليه فعل رزقكم، أي الأرزاق الطيّبات... والطِيبُ: أصله النزاهة وحسن الرائحة، ثم استعمل في الملائم الخالص من النّكد، قال تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} [سورة النحل: 97]. واستعمل في الصالح من نوعه كقوله تعالى: {والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه} في سورة الأعراف (58). ومنه قوله تعالى: {الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين} [سورة النحل: 32] وقد تقدم آنفاً...
فالطيّبات هنا الأرزاق الواسعة المحبوبة للناس كما ذكر في الآية في سورة آل عمران؛ أو المطعومات والمشروبات اللذيذة الصالحة...
والباطل: ضد الحقّ لأن ما لا يخلق لا يُعبد بحقّ...
وضمير الغيبة في قوله تعالى: {هم يكفرون} ضمير فصل لتأكيد الحكم بكفرانهم النّعمة لأن كفران النّعمة أخفى من الإيمان بالباطل، لأن الكفران يتعلّق بحالات القلب، فاجتمع في هذه الجملة تأكيدان: التأكيد الذي أفاده التقديم، والتأكيد الذي أفاده ضمير الفصل...
وفي الجمع بين {يؤمنون} و {يكفرون} محسنّ بديع الطباق...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذا بيان الخلق والتناسل، وأنه من الزوجين، وأن الله جعل الزوج من الزوج، كما قال تعالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1)} [النساء]، وقوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم}، أي خلق لكم من ذات أنفسكم أزواجا، فتضمنت معنى الخلق، وصيرورتها زوجا، كما في قوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها (189)} [الأعراف]...
وإن هذه الآية وما يماثلها من الآيات تدل على أن الزوجة خلقت من ذات الزوج ونفسه، وأنهما أصل الوجود الإنساني وأن عمران الأرض ابتدأ بالأسرة، والأسرة هي وحدة الجماعة الإنسانية، واللبنة الأولى في بنانه، وقد ابتدأ بالأسرة ومنها تتوالد الأسر فقال سبحانه: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة}... وإنه سبحانه وقد عمر الكون الإنساني بهذا التناسل الذي باركه رب العالمين فلم يخرجهم إلى الوجود غير مرزوقين محرومين، بل خلق معهم أرزاقهم، {ورزقكم من الطيبات}، و {من} هنا بيانية، والمعنى رزقكم الطيبات، والطيبات هي الأطعمة والزينة واللبس، والكسب الحلال، كما قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق... (32)} [الأعراف] والطيبات هي غير الخبائث، وهي الأمور المقززة التي تعافها النفس كالميتة والدم ولحم الخنزير، كما قال الله تعالى في وصف النبي الأمي في بشارة التوراة والإنجيل به: {...الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث... (157)} [الأعراف]...