{ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب } متعلق بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما ، وحذف لدلالة { نُّسْقِيكُمْ } قبله عليه ، وقوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو بتتخذون و { مِنْهُ } من تكرير الظرف للتأكيد كما في قولك زيد في الدار فيهاأو خبر لمحذوف صفته { تَتَّخِذُونَ } أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ، وضمير { مِنْهُ } عائد إما على المضاف المقدر أو على الثمرات المؤولة بالثمر لأنه جمع معرفة أريد به الجنس ، وفائدة الصيغة الإشارة إلى تعداد الأنواع أو على ثمر المقدر ، و { *السكر } الخمر قال الأخطل :
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم . . . إذا جرى فيهم المزاء( {[536]} ) والسكر
وهو في الأصل مصدر سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً . واستشهد له بقوله :
وجاؤنا بهم سكر علينا . . . فأجلى اليوم والسكران صاحي
وفسروا الرزق الحسن بالخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك ، وإليه ذهب «صاحب الكشاف » وقد ذكر في توجيه إعرابها ما ذكرناه ، وقدم الوجه الأول من أوجه الثلاثة وهو ظاهر في ترجيحه وصرح به الطيبي وبينه بما بينه ، وأخر الثالث وهو ظاهر في أنه دون أخويه . وفي «الكشف » بعد نقل كلامه في الوجه الأول فيه إضمار العصير وأنه لا يصلح عطفاً في الظاهر على السابق لأنه لا يصلح بياناً للعبرة في الإنعام ، وفيه أن { أنكاثا تَتَّخِذُونَ } لا يصلح كشفاً عن كحنه الإسقاء كيف وقد فسر الرزق الحسن بالتمر والزبيب أيضاً وأي مدخل للعصير وأين هذا البيان من البيان بقوله تعالى : { نُّسْقِيكُمْ } [ النحل : 66 ] ليجعل مدركاً لترجيحه فهذا وجه مرجوح مؤول بأنه عطف على مجموع السابق ، وأوثر الفعلية لمكان قربه من { نُّسْقِيكُمْ } وقوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } تم البيان عنده ثم أتى بفائدة زائدة ، وأظهر الأوجه ما ذكر آخر أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون ليكون عطفاً للإسمية على الإسمية أعني قوله تعالى : { وَإِنَّ لَكُمْ في الانعام لَعِبْرَةً } [ النحل : 66 ] ولما لم يكن العبرة فيه كالأول اكتفى بكونه عطفاً على ما هو عبرة ولم يصرح ، وأفيد بالتبعيض أن من ثمراتها ما يؤكل قبل الإدراك وما يتلف ويأكل الوحوض وغير ذلك اه ، وما ذكره في التأويل من بيان البيان عند { سَكَرًا } محوج إلى جعل { رِزْقاً } معمولاً لعامل آخر ولا يخفى بعده ، والظاهر أنه لا ينكره ، وما ذكره من الوجه الأظهر طكره الحوفي كصاحبه ، ولا يرد عليه أن فيه حذف الموصوف بالجملة لأن ذلك إذا كان الموصوف بعضاً من مجرور من أوفى المقدم عليه مطرد نحو منا أقام ومنا ظعن أراد فريق ، وقد يحذف موصوفاً بالجملة في غير ذلك كقول الراجز :
مالك عندي غير سهم وحجر . . . وغير كبداء شديد الوترجادت بكفي كان من أرمى البشر
أراد رجل نعم قال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه ، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك لا يجوز على مذهب البصريين وكأنه اعتبر { مَا } موصولة وحذف الموصول مع إبقاء الصلة لا يجوز عنهم ، ولعلهم يفرقون بين الموصول والموصوف فيما ذكر ، وقال العلامة ابن كمال في بعض رسائله : لا وجه لما اختاره صاحب «الكشاف » يعني به تعليق الجار بنسقيكم محذوفاً وتقدير العصير مضافاً لأنه حينئذ لا يتناول المأكول وهو أعظم صنفي ثمراتها يعني النخيل والأعناب والمقام مقام الامتنان ومقتضاه استيعاب الصنفين ثم قال : والعجب منه وممن اتبعه كالبيضاوي كيف اتفقوا على تفسير الرزق الحسن بما ينتظم التمر والزبيب ومع ذلك يقولون : إن المعنى ومن عصيرهما تتخذون سكراً ورزقاً حسناً فإنه لا انتظام بين هذين الكلامين فالوجه أن يتعلق الجار بتتخذون ويكون منه تكرير الظرف للتأكيد اه وهو الذي استظهره أبو حيان وقد سبقت الإشارة إلى الاعتراض بما تعجب منه مع الجواب بما فيه بعد ، ونقل عنه أنه جعله متعلقاً بما في الإسقاء من معنى الإطعام أي نطعمكم من ثمرات النخيل والأعناب لينتظم المأكول منهما والمشروب المتخذ من عصيرهما . وفيه من البعد ما فيه .
وأنت تعلم أن تقدير العصير على الوجه الأول عند من يراه لازم ، وتقديره على الوجه الثاني جائز عند ذاك أيضاً ولا يجوز عند المعترض . واختار أبو البقاء تعليقه بخلق لكم أو جعل وليس بذاك ، وقيل : إنه معطوف على الانعام على معنى ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة { وَتَتَّخِذُونَ } بيان لها وهو غير الوجه الذي استظهره صاحب الكشف وكان الظاهر في بدل من وضمير { مِنْهُ } لا يتعين فيه ما سمعت كما لا يخفى عليك بعد أن أحطت خبراً بما قيل في ضمير { بُطُونِهِ } وتفسير { *السكر } بالخمر هو المروى عن ابن مسعود . وابن عمر . وأبي رزين . والحسن . ومجاهد . والشعبي . والنخعي . وابن أبي ليلى . وأبي ثور . والكلبي . وابن جبير مع خلق آخرين ، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت حلالاً يشربها والفاجر وتحريمها إنما كان بالمدينة إتفاقاً واختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها { يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه } [ المائدة : 90 ] على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها ، وروى ذلك غير واحد ممن تقدم كالنخعي وأبي ثور وابن جبير ، وقيل : نزلت قبل ولا نسخ بناء على ما روى عن ابن عباس أن { *السكر } هو الخل بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أن { *السكر } المطعوم المتفكه به كالنقل وأنشد :
جعلت إعراض الكرام سكراً . . . وتعقب بأن كون السكر في ذلك بمعنى الخمر أشبه منه بالطعام ، والمعنى أنه لشغفه بالغيبة وتميزق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المسكرة ، وكأنه لهذا قال الزجاج : إن قول أبي عبيدة لا يصح ، وفيه أن المعروف في الغيبة جعلها نقلاً ولذا قيل : الغيبة فاكهة القراء وإلى عدم النسخ ذهب الحنفيون وقالوا : المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة ، واستدلوا عليه بأن الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بمحلل فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حرم الله تعالى الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر( {[537]} ) من كل شراب " أخرجه الدارقطني ، وإلى حل شرب النبيذ ما لم يصل إلى الإسكار ذهب إبراهيم النخعي : وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه . وسفيان الثوري وهو من تعلم وكان عليه الرحمة يشربه كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره . والبيضاوى بعد أن فسر { *السكر } بالخمر تردد في أمر نزولها فقال : إلا أن الآية إن كانت سابقة على تحريم الخر فدالة على كراهيتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة ، ووجه دلالتها على الكراهية بأن الخمر وقعت في مقابة الحسن وهو مقتضى لقبحها والقبيح لا يخلو عن الكراهة وإن خلا عن الحرمة ، واعترض عليه بأن تردده هنا في سبقها على تحريم الخمر ينافي ما في سورة البقرة حيث ساق الكلام على القطع على أنه جزم في أول هذه السورة بأنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها .
وفي «الكشاف » بعد أن فسر { *السكر } أيضاً بما ذكر قال : وفيه وجهان . أحدهما : أن تكون منسوخة . والثاني : أن يجمع بين العتاب والمنة ، ونقل «صاحب الكشاف » أن القول بكونها منسوخة أولى الأقاويل ، ثم قال : وفي الآية دليل على قبح تناولها تعريضاً من تقييد المقابل بالحسن ، وهذا وجه من ذهب إلى أنه جمع بين العتاب والمنة ، وعلى الأول يكون رمزاً إلى أن السكر وإن كان مباحاً فهو مما يحسن اجتنابه اه . واستدل ابن كمال على نزولها قبل التحريم بأن المقام لا يحتمل العتاب فإن مساق الكلام على ما دل عليه سياقه ولحاقه في تعداد النعم العظام ، وذكر أن الكلام الزمخشري ومن تبعه ناشي عن الغفلة عن هذا ، ولعل عدم وصف { *السكر } بما وصف به ما بعده لعلم الله تعالى أنه سيكون رجساً يحكم الشرع بتحريمه . وجوز الزمخشري أن يجعل الكر رزقاً حسناً كأنه قيل : تتخذون منه ما هو مسكر ورزق حسن أي على أن العطف من عطف الصفات .
وأنت تعلم أن العطف ظاهره المغايرة .
هذا ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا دخل لفعل الخلق فيه إضافة سبحانه لنفسه بقوله تعالى { نُّسْقِيكُمْ } [ النحل : 66 ] بخلاف اتخاذ السكر وقد صرح بذلك في البحر فتأمل { إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً } باهرة { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل بالآيات فالفعل منزل منزلة اللازم ، قال أبو حيان : ولما كان مفتتح الكلام { وَإِنَّ لَكُمْ في الانعام لَعِبْرَةً } [ النحل : 66 ] ناسب الختم بقوله سبحانه : يعقلون لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول . وأنا أقول : إذا كان في الآية إشارة إلى الحط من أمر السكر ففي الختم المذكور تقوية لذلك وله في النفوس موقع وأي موقع حيث أن العقار كما قيل للعقول عقال :
إذا دارها بالأكف السقاة . . . لخطاباها أمهروها العقولا
فافهم ذاك والله تعالى يتولهم هداك .
( هذا ومن باب الإشارة ) :والإشارة في قوله تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } [ النحل : 67 ] على ما فيه أيضاً إلى ما تتخذه الأرواح والأسرار من ثمرات نخيل القلوب وأعناب العقول من خمر المحبة والانس الآخذة بها إلى حضيرة القدس :
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت . . . لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد ، ومصالح من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريًّا ونضيجا وحاضرا ومدخرا وطعاما ، وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها ، ومن السكر الذي كان حلالا قبل ذلك ، ثم إن الله نسخ حلَّ المسكرات ، وأعاض عنها بالطيبات من الأنبذة ، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، عن الله كمال اقتداره ، حيث أخرجها من أشجار شبيهة بالحطب ، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة ، وعلى شمول رحمته حيث عم{[462]} بها عباده ويسرها لهم ، وأنه الإله المعبود وحده ، حيث إنه المنفرد بذلك .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال سبحانه: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا}، يعني بالثمرات؛ لأنها جماعة ثمر، يعني بالسكر: ما حرم من الشراب، مما يسكرون من ثمره، يعني: النخيل والأعناب،
ثم قال سبحانه: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}، يعني: فيما ذكر من اللبن والثمار، لعبرة لقوم يعقلون.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولكم أيضا أيها الناسُ عِبرةٌ، فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، ما "تَتّخِذُونَ منه سَكَرا، ورِزْقا حَسَنا"، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم...
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا}؛ فقال بعضهم: عني بالسّكَر: الخمرُ، وبالرزق الحسن: التمرُ والزبيبُ، وقال: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حُرّمت بعد... عن ابن عباس، قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا} قال: السّكَر: ما حُرّم من شرابه، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرته...
عن إبراهيم، في قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا}، قال: هي منسوخة، نسخها تحريم الخمر...
وقال آخرون: السّكَر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا: هي نقيع التمر والزبيب، إذا اشتدّ وصار يسكر شاربه... قال ابن عباس: كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر، والسكر حرام مثل الخمر، وأما الحلال منه: فالزبيب والتمر والخل، ونحوه...
وقال آخرون: "السّكَر ": هو كلّ ما كان حلالاً شربه، كالنبيذ الحلال، والخلّ والرطَب. و "الرزق الحسن ": التمر والزبيب... عن الشعبيّ، قال: السّكَر: النبيذ، والرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل.
وعلى هذا التأويل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.
وهذا التأويل عندي، هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية، وذلك أن السكر في كلام العرب، على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طُعِم من الطعام... والثالث: السّكُون... والرابع: المصدر، من قولهم: سَكِرَ فلان، يَسْكَرُ سُكْرا وسَكْرا وسَكَرا. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراما، بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى: «لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام»، وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو: ما نَفَى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السّكَر الذي هو غير الخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو: كلّ ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السّكَرَ في هذا الموضع: هو كلّ ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السّكَر نفسه، إذ كان السّكَر ليس مما يتخذ من النّخْل والكَرْم، ومن أن يكون بمعنى: السكون.
وقوله: {إنّ فِي ذلكَ لآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، يقول: فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس، من الأنعام والنخل والكرم؛ لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه، ويفهمون عنه مواعظه فيتعظون بها.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
ثم قال "ومن ثمرات"، وهو جمع ثمرة، وهو ما يطعمه الشجر مما فيه اللذة، والثمرة خاصة طعم الشجر مما فيه اللذة...
وقوله "يتخذون منه سكرا ورزقا حسنا"...
خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها، فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم، وتركتم ما هو رزق حسن. وأما وجه المنة فبالأمرين معا ثابتة، لأن ما أباحه وأحله فالمنة به ظاهرة لتعجل الانتفاع به، وما حرمه الله فوجه المنة أيضا ظاهر به، لأنه إذا حرم علينا، وأوجب الامتناع منه، ضمن في مقابلته الثواب، الذي هو أعظم النعم، فهو نعمة على كل حال...
وقوله "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون"، معناه: إن فيما ذكره دلالة ظاهرة، للذين يعقلون عن الله، ويتفهمون ويفكرون فيه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً؛ لأنهم يأكلون بعضها، ويتخذون من بعضها السكر...
أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.
والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
ولما كان مفتتح الكلام: وأن لكم في الأنعام لعبرة، ناسب الختم بقوله: يعقلون، لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول...
وانظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة من الناس، أخبر عن نفسه تعالى بقوله:"نسقيكم". ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج إلى معالجة قال: "تتخذون"، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق، ولأمر ما عجزت العرب العرباء عن معارضته...
ولما ذكر تعالى المنة بالمشروب اللبن وغيره، أتم النعمة بذكر عسل النحل...
ولما كانت المشروبات من اللبن وغيره هو الغالب في الناس أكثر من العسل، قدم اللبن وغيره عليه، وقدم اللبن على ما بعده لأنه المحتاج إليه كثيراً وهو الدليل على الفطرة. ولذلك اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم حين أسري به، وعرض عليه اللبن والخمر والعسل، وجاء ترتيبها في الجنة لهذه الآية قال تعالى: {وأنهاراً من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم، وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقاً ب "نسقيكم "{ومن ثمرات النخيل والأعناب}.
ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه، بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم فيه أصلاً، أسند الأمر إليهم، وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر، وتوطئة للنهي عنه، في قوله مستأنفاً: {تتخذون}، أي: باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة، كان لا بد من قوله: {منه}، أي: من مائه، وعبر عن السكر بالمصدر، إبلاغاً في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين، وهو المحرك، يقال: سكر سكْراً وسكَراً مثل رشد رشْداً ورشَداً، ونحل نحْلاً ونحَلاً، فقال تعالى: {سكراً}، أي: ذا سكر، منشّياً، مطرباً، سادّاً لمجاري العقل، قبيحاً غير مستحسن للرزق. {ورزقاً حسناً}، لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل، من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئاً من المجاري، بل ربما فتحها، كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل، الذي لا أحسن منه، فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر: ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه -عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، والشعبي، وأبي رزين، والحسن، ومجاهد، وقتادة، رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول: ما أسكر. الثاني: ما أطعم من الطعام. الثالث: السكون. الرابع: المصدر من سكر، وأصله انسداد المجاري، مما يلقى فيها، ومنه السكر- يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري، يفهم كراهته عندما كان حلالاً... ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار، جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ذلك}، أي: الأمر العظيم من هذه المنافع، {لآية}، ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته، قال تعالى: {لقوم يعقلون}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هذه الثمرات المنبثقة عن الحياة التي بثها الماء النازل من السماء. تتخذون منه سكرا [والسكر الخمر ولم تكن حرمت بعد] ورزقا حسنا. والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليست رزقا حسنا، وفي هذا توطئة لما جاء بعد من تحريمها، وإنما كان يصف الواقع في ذلك الوقت من اتخاذهم الخمر من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيه نص بحلها، بل فيه توطئة لتحريمها (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون).. فيدركون أن من يصنع هذا الرزق هو الذي يستحق العبودية له وهو الله.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} [سورة النحل: 66].
ووجود {من} في صدر الكلام يدلّ على تقدير فعل يدلّ عليه الفعل الذي في الجملة قبلها وهو {نسقيكم} [النحل: 66]. فالتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. وليس متعلقاً ب {تتخذون}، كما دلّ على ذلك وجود (من) الثانية في قوله: {تتخذون منه سكراً} المانع من اعتبار تعلّق {من ثمرات النخيل} ب {تتخذون}، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصحّ جعله متعلقاً ب {تتخذون} مقدماً عليه، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس.
وهذا عطف منّة على منّة، لأن {نسقيكم} وقع بياناً لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة}.
ومفاد فعل {نسقيكم} مفاد الامتنان لأن السقي مزية. وكلتا العِبرتين في السقي. والمناسبةُ أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد، وقد أطلق العرب الحَلْب على عصير الخمر والنبيذ...
ويشير إلى كونهما عبرتين من نوع متقارب جَعْل التذييل بقوله تعالى: {إن في ذلك لآية} عقب ذكر السقيين دون أن يُذيّل سقي الألبان بكونه آية، فالعبرة في خلق تلك الثمار صالحة للعصر والاختمار، ومشتملة على منافع للناس ولذّات. وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}. فهذا مرتبط بما تقدم من العبرة بخلق النبات والثمرات من قوله تعالى: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل} [سورة النحل: 11] الآية.
وجملة {تتخذون منه سكراً} الخ في موضع الحال.
و (من) في الموضعين ابتدائية، فالأولى متعلّقة بفعل {نسقيكم} المقدر، والثانية متعلقة بفعل {تتخذون}. وليست الثانية تبعيضية، لأن السكر ليس بعض الثمرات، فمعنى الابتداء ينتظم كلا الحرفين.
والسكر بفتحتين: الشراب المُسْكِر.
وهذا امتنان بما فيه لذّتهم المرغوبة لديهم والمتفشّية فيهم (وذلك قبل تحريم الخمر لأن هذه الآية مكّية وتحريم الخمر نزل بالمدينة) فالامتنان حينئذٍ بمباح.
والرزق: الطعام، ووصف ب {حسناً} لما فيه من المنافع، وذلك التمر والعنب لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين ويابسين قابلان للادخار، ومن أحوال عصير العنب أن يصير خلاً ورُبّاً.
وجملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} تكرير لتعداد الآية لأنها آية مستقلة.
والقول في جملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} مثل قوله آنفاً: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} [سورة النحل: 65]. والإشارة إلى جميع ما ذكر من نعمة سقي الألبان وسقي السكر وطعم الثمر.
واختير وصف العقل هنا لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى يحتاج إلى تدبّر فيما وصفته الآية هنا، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما تقدم.