{ الذين كَفَرُواْ } في أنفسهم { وَصُدُّواْ } غيرهم { عَن سَبِيلِ الله } بمنع من يريد الإسلام عنه وبحمل من استخفوه على الكفر فالصد عن السبيل أعم من المنع عنه ابتداءً وبقاءً كذا قيل : والظاهر الأول ، والظاهر أن الموصول مبتدأ وقوله تعالى : { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } خبره ، وجوز ابن عطية كون الموصول بدلاً من فاعل { يَفْتَرُونَ } [ النحل : 87 ] ويكون { زِدْنَاهُمْ } مستأنفاً ، وجوز بعضهم كون الأول نصباً على الذم أو رفعاً عليه فيضمر الناصب والمبتدأ وجوباً و { زِدْنَاهُمْ } بحاله ، وهذه الزيادة إما بالشدة أو بنوع آخر من العذاب والثاني هو المأثور ، فقد أخرج ابن مردويه . والخطيب( {[544]} ) عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم » وروى نحوه الحاكم وصححه . والبيهقي . وغيره عن ابن مسعود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم وأفاعي كأنهم البخاتي فتضربهم فذلك الزيادة ، وعن ابن عباس أنها أنهار من صفر مذاب يسيل من تحت العرش يعذبون بها ، وعن الزجاج يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } متعلق بزدناهم أي زدناهم عذاباً فوق العذاب الذي يستحقونه بكفرهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد عن السبيل ، وجوز أن يفسر ذلك بما هو أعم من الكفر والصد ، والمعنى زدناهم عذاباً فوق عذابهم الذي يستحقونه بمجرد الكفر والصد بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين ، ووجه ذلك أن البقاء على المعصية يومين مثلاً أقبح من البقاء عليها يوماً والبقاء ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا ، ومن هنا قالوا : الإصرار على الصغيرة كبيرة ، وقيل : إن أهل جهنم يستحقون من العذاب مرتبة مخصوصة هي ما يكون لهم أول دخولها والزيادة عليها إنما هي لحفظها إذ لو لم تزد لألفوها وطابت أنفسهم بها كمن وضع يده في ماء حار مثلاً فإنه يجد أول زمان وضعها ما لا يجده بعد مضي ساعة وهو كما ترى .
{ 88 } { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } .
حيث كفروا بأنفسهم ، وكذبوا بآيات الله ، وحاربوا رسله ، وصدوا الناس عن سبيل الله ، وصاروا دعاة إلى الضلال ، فاستحقوا مضاعفة العذاب ، كما تضاعف جرمهم ، وكما أفسدوا في أرض الله .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وصدوا عن سبيل الله}، يعني: منعوا الناس من دين الله الإسلام، وهم القادة في الكفر...
{زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون}، يعني: يعملون في الأرض بالمعاصي...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا يا محمد نبوّتك وكذّبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصَدّوا عن الإيمان بالله وبرسوله ومن أراده، زدناهم عذابا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه، قبل أن يزادوه...
وقوله: {بِمَا كانُوا يُفْسِدُونَ}، يقول: زدناهم ذلك العذاب على ما بهم من العذاب "بما كانوا يفسدون"، بما كانوا في الدنيا يعصُون الله ويأمرون عباده بمعصيته، فذلك كان إفسادهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم، ضلوا هم بأنفسهم، وأضلوا أتباعهم، فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم. وهي كقوله: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} (النحل: 25) وكقوله: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} الآية (العنكبوت: 13) أخبر أنهم يحملون أوزارهم وأثقالهم وأوزار الذين أضلوهم، ومنعوهم عن الإسلام. فعلى ذلك قوله: {زدناهم عذابا فوق العذاب}، بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم...
وقال بعضهم: إن عذابهم كلما أراد أن يفتر، ونضجت الجلود، زيدت لهم بتبديل الجلود كقوله: {بدلناهم جلودا غيرها} (النساء: 56)، وقوله: {كلما خبت زدناهم سعيرا} (الإسراء: 97)، فذلك هو الزيادة في العذاب...
ويحتمل غير هذا، وهو أن عذاب الكفر دائم أبدا، فيزداد لهم عذابا بما كان لهم في الكفر سوى الكفر أعمال ومساوئ...
وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم، لا انقطاع له، ما ذكرنا من الزيادة والفوق وغيره على المضاعفة...
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن سبيل الله... فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر، فلا جرم يزيدهم الله تعالى عذابا على عذاب، وأيضا أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} ولقوله عليه السلام: « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»... وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم عذابه، فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين، فقد عظم قدره عند الله تعالى، والله أعلم.
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :
فالصد عن السبيل أعم من المنع عنه ابتداءً وبقاءً... ووجه ذلك أن البقاء على المعصية يومين مثلاً أقبح من البقاء عليها يوماً والبقاء ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا، ومن هنا قالوا: الإصرار على الصغيرة كبيرة...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما ذكر العذاب الذين هم لاقوه على كفرهم استأنف هنا بذكر زيادة العذاب لهم على الزّيادة في كفرهم بأنهم يصدّون الناس عن اتّباع الإسلام، وهو المراد بالصدّ عن سبيل الله، أي السبيل الموصلة إلى الله، أي إلى الكون في أوليائه وحزبه. والمقصود: تنبيه المسلمين إلى كيدهم وإفسادهم، والتّعريض بالتّحذير من الوقوع في شراكهم.
والتّعريف في قوله تعالى: {فوق العذاب} تعريف الجنس المعهود حيث تقدّم ذكره في قوله تعالى: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب} [سورة النحل: 85]، لأن عذاب كفرهم لما كان معلوماً بكثرة الحديث عنه صار كالمعهود؛ وأما عذاب صدّهم الناس فلا يخطر بالبال فكان مجهولاً فناسبه التنكير.
والباء في {بما كانوا يفسدون} للسببية. والمراد: إفسادهم الراغبين في الإسلام بتسويل البقاء على الكفر...
هنا فرق بين الكفر والصد عن سبيل الله، فالكفر ذنب ذاتي يتعلق بالإنسان نفسه، لا يتعداه إلى غيره...
أما الصد عن سبيل الله فذنب متعد، يتعدى الإنسان إلى غيره، حيث يدعو غيره إلى الكفر، ويحمله عليه ويزينه له.. فالذنب هنا مضاعف،... فإن قال قائل: كيف؟ وقد قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (سورة الأنعام 164). نقول: لا تعارض بين الآيتين، فكل واحد سيحمل وزره، فالذي صد عن سبيل الله يحمل وزرين، أما من صده عن سبيل الله فيحمل وزر كفره هو...
والإفساد: أن تعمد إلى شيء صالح أو قريب من الصلاح فتفسده، ولو تركته وشأنه لربما يهتدي إلى منهج الله.. إذن: أنت أفسدت الصالح، ومنعت القابل للصلاح أن يصلح...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}؛ لأنهم لم يكتفوا بالكفر الذي يفسدون من خلاله تصوراتهم وأوضاعهم وعلاقاتهم في الحياة، بما يتضمنه الكفر من تخريب للواقع العملي على أساس إيحاءات الواقع الذهني، بل أضافوا إلى ذلك الصد عن سبيل الله، ومنع الرسالة من الوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم، والضغط على دعاتها وأتباعها بكل الوسائل التي تمنعهم من تحقيق أهدافهم الخيّرة في الحياة. وبذلك ساهموا في تعطيل حركة الحق والخير والعدل، فأفسدوا الواقع بطريقةٍ سلبيةٍ من هذه الجهة، كما أفسدوه بطريقةٍ إيجابيةٍ مضادّةٍ، من جهةٍ أخرى، في ما قاموا به من الدعوة للكفر، وإفساح المجال لقيمه الشريرة لتتركز في الأرض، فاستحقوا العذاب ضعفين، من خلال إفسادهم لحياتهم، ولحياة الناس من حولهم، كما جاء في آية أخرى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.