والفاء في قوله تعالى : { فَذُوقُواْ } لترتيب الأمر بالذوق على ما يعرب عنه ما قبل من نفي الرجع إلى الدنيا أو على قوله تعالى : { ولكن حَقَّ القول مِنْى } الخ ، ولعل هذا أسرع تبادراً ، وجعلها بعضهم واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا يئستم من الرجوع أو إذا حق القول فذوقوا ، وجوز كونها تفصيلية والأمر للتهديد والتوبيخ ، والباء في قوله سبحانه : { بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } للسببية و { مَا } مصدرية و { هذا } صفة يوم جيء به للتهويل ، وجوز كونه مفعول { ذُو } وهو إشارة إلى ما هم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم ، وعلى الأول يكون مفعول { وَنَقُولُ ذُوقُواْ } محذوفاً والوصفية أظهر أي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم الهائل وترككم التفكر فيه والتزود له بالكلية ، وهذا تسريح بسبب العذاب من قبلهم فلا ينافي أن يكون له سبب آخر حقيقياً كان أو غيره ، والتوبيخ به من بين الأسباب لظهوره وكونه صادراً منهم لا يسعهم إنكاره ، والمراد بنسيانهم ذلك تركهم التفكر فيه والتزود له كما أشرنا إليه وهو بهذا المعنى اختياري يوبخ عليه ولا يكاد يصح إرادة المعنى الحقيقي وإن صح التوبيخ عليه باعتبار تعمد سببه من الانهماك في اتباع الشهوات ، ومثله في كونه مجازاً النسيان في قوله تعالى : { إِنَّا نسيناكم } أي تركناكم في العذاب ترك المنسي بالمرة وجعل بعضهم هذا من باب المشاكلة ولم يعتبر كون الأول مجازاً مانعاً منها قيل : والقرينة على قصد المشاكلة فيه أنه قصد جزاؤهم من جنس العمل فهو على حد { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 0 4 ] ، وقوله تعالى : { وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تكرير للتأكيد والتشديد وتعيين المفعول المبهم للذوق والإشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر من النسيان بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا ، ولما كان فيه زيادة على الأول حصلت به مغايرته له استحق العطف عليه ولم ينظم الكل في سلك واحد للتنبيه على استقلال كل من النسيان وما ذكر في استيجاب العذاب ، وفي إبهام المذوق أولاف وبيانه ثانياً بتكرير الأمر وتوسيط الاستئناف المنبئ عن كمال السخط بينهما من الدلالة على غاية التشديد في الانتقام منهم ما لا يخفي .
{ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } أي : يقال للمجرمين ، الذين ملكهم الذل ، وسألوا الرجعة إلى الدنيا ، ليستدركوا ما فاتهم ، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب ، فذوقوا العذاب الأليم ، بما نسيتم لقاء يومكم هذا ، وهذا النسيان نسيان ترك ، أي : بما أعرضتم عنه ، وتركتم العمل له ، وكأنكم غير قادمين عليه ، ولا ملاقيه .
{ إِنَّا نَسِينَاكُمْ } أي : تركناكم بالعذاب ، جزاء من جنس عملكم ، فكما نَسِيتُمْ نُسِيتُمْ ، { وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ } أي : العذاب غير المنقطع ، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية ، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف ، وأما عذاب جهنم - أعاذنا اللّه منه - فليس فيه روح راحة ، ولا انقطاع لعذابهم فيها . { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر والفسوق والمعاصي .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
قالت الخزنة لهم: {فذوقوا} العذاب {بما نسيتم} يعني بما تركتم الإيمان ب {لقاء يومكم هذا} يعني البعث.
{إنا نسيناكم} تقول الخزنة: إنا تركناكم في العذاب.
{وذوقوا عذاب الخلد} الذي لا ينقطع.
{بما كنتم تعملون} من الكفر والتكذيب.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء المشركين بالله إذا هم دخلوا النار: ذوقوا عذاب الله بما نسيتم لقاء يومكم هذا في الدنيا، "إنّا نَسِيناكُمْ "يقول: إنا تركناكم اليوم في النار. وقوله: "وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ" يقول: يقال لهم أيضا: ذوقوا عذابا تخلدون فيه إلى غير نهاية "بِما كُنْتُمْ" في الدنيا "تَعْمَلُونَ" من معاصي الله.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو، لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة؛ ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به وتكذيبهم ورد الحجج والآيات كذلك. والثاني: {نسيتم} أي جعلتم ذلك كالمنسي لو كنتم تكترثون بلقاء الله...
أحدهما: أي جعلناكم كالمنسي من رحمته وفضله، لا نكترث إليكم، ولا نعبأ بكم كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعوكم إليه كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.
والثاني: {إنا نسيناكم} أي نجزيكم جزاء نسيانكم وتضييعكم...
{وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}... وتعتقدون المذهب للخلود والأبد، لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب، ويختاره للأبد. فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد.
وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين فإنما يرتكب عند الشدة الحاجة وغلبة الشهوة وفي وقت ارتكابه لا للأبد، لذلك افترقا...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ}... المراد بالنسيان خلاف التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها.
{إِنَّا نسيناكم} على المقابلة، أي: جازيناكم جزاء نسيانكم. وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من الرحمة والمعنى: فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان اللقاء.
المسألة الأولى: قوله: {فذوقوا بما نسيتم لقاء} لقاء يحتمل أن يكون منصوبا بذوقوا، أي ذوقوا لقاء يومكم بما نسيتم، وعلى هذا يحتمل أن يكون المنسي هو الميثاق الذي أخذ منهم بقوله: {ألست بربكم قالوا بلى} أو بما في الفطرة من الوحدانية فينسى بالإقبال على الدنيا والاشتغال بها، ويحتمل أن يكون منصوبا بقوله: {نسيتم} أي بما نسيتم لقاء هذا اليوم ذوقوا، وعلى هذا لو قال قائل النسيان لا يكون إلا في المعلوم أولا إذا جهل آخرا نقول لما ظهرت براهينه فكأنه ظهر وعلم، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر كمن ينكر أمرا كان قد علمه.
المسألة الثانية: قوله تعالى هذا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون إشارة إلى اليوم، أي فذوقوا بما نسيتم لقاء هذا اليوم، وثانيها: أن يكون إشارة إلى لقاء اليوم، أي فذوقوا بما نسيتم هذا اللقاء، وثالثها: أن يكون إشارة إلى العذاب، أي فذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم.
"إنا نسيناكم": أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعله الناسي قطعا لرجائكم، ثم ذكر ما يلزم من تركه إياهم كما يترك الناسي وهو خلود العذاب، لأن من لا يخلصه الله فلا خلاص له، فقال: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي: [إنا] سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{إنا نسيناكم} أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة الناسي، فأوردناكم النار كما أقسمنا أنه ليس أحد إلا يردها، ثم أخرجنا أهل ودنا وتركناكم فيها ترك المنسي.
{بما كنتم} أي جبلة وطبعاً {تعملون} من أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين أنكم لا تنفكون عن ذلك.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا جواب عن قولهم {ربنا أبصرْنَا وسمِعنا} [السجدة: 12] الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذّبون به، المؤذِن به قولهم {ربّنا أبصَرْنا وسمعنا.} فالفاء لتفريع جواب عن إقرارهم إلزاماً لهم بموجب إقرارهم، أي فيتفرع على اعترافكم بحقية ما كان الرسول يدعوكم إليه أن يلحقكم عذاب النار.
ومجيء التفريع من المتكلم على ما هو من كلام المخاطب فيه إلزام بالحجة كالفاءات في قوله تعالى: {قال فاخرج منها فإنك رجيم} [الحجر: 34] وقوله {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغْوِينَّهم أجمعين} [ص: 79 82]، وقوله: {فالحقَّ والحقَّ أقول لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 84 85]؛ فهذه خمس فاءات كل فاء منها هي تفريع من المتكلم بها على كلام غيره.
واستعمال الذوق بمعنى مطلق الإحساس مجاز مرسل.
ومفعول (ذوقوا)} محذوف دل عليه السياق، أي فذوقوا ما أنتم فيه مما دعاكم إلى أن تسألوا الرجوع إلى الدنيا.
والنسيان الأول: الإهمال والإضاعة، والباء للسببية، أي: بسبب إهمالكم الاستعداد لهذا اليوم. والنسيان في قوله {نسِيناكم} مستعمل في الحرمان من الكرامة مع المشاكلة.
واللقاء: حقيقته العثور على ذات، فمنه لقاء الرجل غيره وتجيء منه الملاقاة، ومنه: لقاء المرء ضالة أو نحوها. وقد جاء منه: شيء لَقىً، أي مطروح. ولقاء اليوم في هذه الآية مجاز في حلول اليوم ووجوده على غير ترقب كأنه عُثِر عليه.
وإضافة (يوم) إلى ضمير المخاطبين تهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه فلما تحققوه جُعل كأنه أشد اختصاصاً بهم على طريقة الاستعارة التهكمية؛ لأن اليوم إذا أضيف إلى القوم أو الجماعة إذا كان يوم انتصار لهم على عدوهم؛ وسبب ذلك أن تقدير الإضافة على معنى اللام وهي تفيد الاختصاص المنتزع من المِلك.
والإشارة ب {هذا} إلى اليوم تهويلاً له.
وجملة {إنَّا نسِيناكم} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن المجرمين إذا سمعوا ما علموا منه أنهم ملاقو العذاب من قوله {فذوقوا بما نسِيتم لقاء يومكم هذا} تطلعوا إلى معرفة مدى هذا العذاب المَذوق، وهل لهم منه مخلص وهل يُجابون إلى ما سألوا من الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من التصديق، فأعلموا بأن الله مُهمل شأنهم، أي لا يستجيب لهم وهو كناية عن تركهم فيما أُذيقوه.
وقد تقدم في سورة طه (126) قوله: {قال كذلك أتتك آياتنا فَنسِيتَها وكذلك اليوم تُنْسَى} فشبه بالنسيان إظهاراً للعدل في الجزاء وأنه من جنس العمل المُجازَى عنه. وقد حُقّق هذا الخبر بمؤكدات وهي حرف التوكيد. وإخراج الكلام في صيغة الماضي على خلاف مقتضى الظاهر من زمن الحال لإفادة تحقق الفعل حتى كأنه مضى ووقع.
{وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} عطف على {فذوقوا بما نَسِيتُم}، وهو وإن أفاد تأكيد تسليط العذاب عليهم فإن عطفه مراعى فيه ما بين الجملتين من المغايرة بالمتعلِّقات والقيود، مغايرة اقتضت أن تعتبر الجملة الثانية مفيدة فائدة أخرى؛ فالجملة الأولى تضمنت أن من سبب استحقاقهم تلك الإذاقة إهمالَهم التدبر في حلول هذا اليوم، والجملة الثانية تضمنت أن ذلك العذاب مستمر وأن سبب استمرار العذاب وعدم تخفيفه أعمالهم الخاطئة وهي أعم من نسيانهم لقاء يومهم ذلك.
ذوقوا العذاب... اختار حاسة التذوق، لأن كل وسيلة إدراك قد تتصل بلون من ألوان الترف في الحياة، أمّا الذوق فيتصل بإمداد الحياة، وهو الأكل والشرب، وبهما قوام حياة الإنسان، فهما ضرورتان للحياة لا مجرد ترف فيها.
"وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"... فإن كنتم قد تمردتم على الله وكفرتم به في دنيا محدودة، وعمرك فيها محدود، فإن العذاب الواقع بكم اليوم خالد باق دائم، فخسارتكم كبيرة، ومصيبتكم فادحة.