روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا} (172)

{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } استئناف مقرر لما سبق من التنزيه ، وروي أن وفد نجران قالوا لنبينا صلى الله عليه وسلم : «يا محمد لم تعيب صاحبنا ؟ قال : ومن صاحبكم ؟ قالوا : عيسى عليه السلام ، قال : وأي شيء أقول فيه ؟ قالوا : تقول : إنه عبد الله ورسوله فنزلت » والاستنكاف استفعال من النكف ، «وأصله كما قال الراغب من نكفت الشيء نحيته وأصله تنحية الدمع عن الخد بالأصبع ، وقالوا : بحر لا ينكف أي لا ينزح » ، ومنه قوله :

فبانوا ( ولولا ) ما تذكر منهم *** من ( الخلف ) لم ينكف لعينيك مدمع

وقيل : النكف قول السوء ، ويقال : ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف ، واستفعل فيه للسلب قاله المبرد ، وفي «الأساس » «استنكف ( منه ) ونكف امتنع وانقبض أنفاً وحمية » . وقال الزجاج : الاستنكاف تكبر في تركه أنفة وليس في الاستكبار ذلك ، والمعنى لن يأنف ولن يمتنع ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لن يستكبر المسيح .

{ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } أي عن ، أو من أن يكون عبداً لله تعالى مستمراً على عبادته تعالى وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف ، وقد أشار القاضي عياض إلى شرف العبودية بقوله :

ومما زادني عجباً وتيها *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك : يا عبادي *** وجعلك خير خلقك لي نبياً

والاقتصار على ذكر عدم استنكافه عليه السلام عن ذلك مع أن شأنه عليه السلام المباهاة به كما تدل عليه أحواله وتفصح عنه أقواله لوقوعه في موضع الجواب عما قاله الكفرة كما علمت آنفاً . وهو السر في جعل المستنكف منه كونه عليه السلام عبداً له تعالى دون أن يقال : عن عبادة الله تعالى ونحو ذلك مع إفادته كما قيل فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن الاستنكاف بالكلية لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة فعدم الاستنكاف عنه مستلزم لعدم استنكاف ذلك بخلاف وصف العبادة فإنها حالة متجددة غير مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة ، فعدم الاستنكاف عنها لا يستلزم عنها عدم الاستنكاف عن دوامها .

/ ومما يدل على عبوديته عليه السلام من كتب النصارى أن قولس قال في «رسالته الثانية » : أنظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارنا يسوع المؤتمن من عند من خلقه مثل موسى عليه السلام في جميع أحواله غير أنه أفضل من موسى عليه السلام ، وقال مرقس في «إنجيله » : قال يسوع : إن نفسي حزينة حتى الموت ، ثم خر على وجهه يصلي لله تعالى ، وقال : أيها الأب كل شيء بقدرتك أخر عني هذا الكاس لكن كما تريد لا كما أريد ، ثم خرّ على وجهه يصلي لله تعالى ، ووجه الدلالة في ذلك ظاهر إذ هو سائل والله تعالى مسؤول ، وهو مصل والله تعالى مصلى له ، وأي عبودية تزيد على ذلك ، ونصوص «الأناجيل » ناطقة بعبوديته عليه السلام في غير ما موضع ، ولله تعالى در أبي الفضل حيث يقول فيه :

هو عبد مقرب ونبي *** ورسول قد خصه مولاه

طهر الله ذاته وحباه *** ثم أتاه وحيه وهداه

وبكن خلقه بدا كلمة الل *** ه إلى مريم البتول براه

هكذا شأن ربه خالق الخل *** ق بكن خلقهم فنعم الإله

والأناجيل شاهدات وعنه *** إنما الله ربه لا سواه

كان لله خاشعاً مستكينا *** راغباً راهباً يرجى رضاه

ليس يحيا وليس يخلق إلا *** أن دعاه وقد أجاب دعاه

إنما فاعل الجميع هو الل *** ه ولكن على يديه قضاه

ويكفي في إثبات عبوديته عليه السلام ما أشار الله تعالى إليه بقوله : { مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } [ المائدة : 57 ] وفي التعبير بالمسيح ما يشعر بالعبودية أيضاً .

{ وَلاَ الملئكة المقربون } عطف على { المسيح } كما هو الظاهر أي لا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله تعالى ، وقيل : إنه عطف على الضمير المستتر في { يَكُونَ } أو { عَبْداً } لأنه صفة وليس بشيء ، وتقدير متعلق الفعل لازم على ما ذهب إليه الأكثرون ، وقيل : أريد بالملائكة كل واحد منهم فلا حاجة إلى التقدير ، وزعم بعضهم أنه من عطف الجمل والتزم تقدير الفعل وهو كما ترى .

واحتج بالآية القاضي أبو بكر والحليمي والمعتزلة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن الذي يقتضيه السياق وقواعد المعاني وكلام العرب الترقي من الفاضل إلى الأفضل فيكون المعنى لا يستنكف المسيح ولا من هو فوقه ، كما يقال : لن يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان دون العكس ، وأجيب بأن سوق الآية وإن كان رداً على النصارى لكنه أدمج فيه الرد على عبدة الملائكة المشاركين لهم في رفع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة المعبودية ، وادعاء انتسابهم إلى الله تعالى بما هو من شوائب الألوهية ، وخص { المقربون } لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم ، ورد هذا الجواب بأن هذا لا ينفي فوقية الثاني كما هو مقتضى علم المعاني ؛ قيل : ولا ورود له لأنه يعلم من التقرير دفعه لأن المقصود بالذات أمر المسيح فلذا قدم ، ولو سلم أنه لا ينفي الفوقية فهو لا يثبتها كما إذا قلت : ما فعل هذا زيد ولاعمرو ، وهو يكفي لدفع حجة الخصم ، وأما كون السباق والسياق يخالفه فليس بشيء لأن المجيب قال : إنه إدماج واستطراد ، وأجيب أيضاً على تقدير تسليم اختصاص الرد بالنصارى بأن الملائكة المقربون صيغة جمع تتناول مجموع الملائكة ، فهذا العطف يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح ، ولا يلزم أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح ، قال في «الانتصاف » «وفيه نظر لأن مورده إذا بني على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال : يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان أفضل من كل واحد من ( آحاد ) الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم ، ولم يفرق بين التفضيل على التفضيل ، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى .

وقد كان ( طار عن ) بعض ( الأئمة ) ( 2 ) المعاصرين تفضيله بين التفضيلين ، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفضيل تفضيل على الجملة ، ولم يثبت عنه هذا القول ، ولو قاله فهو مردود بوجه لطيف ، وهو أن التفضيل المراد جل أمارته رفع درجة الأفضل في الجنة ، والأحاديث ( متظافرة ) بذلك ، وحينئذ لا يخلو إما أن ترتفع درجة واحدة من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم ، أو لا ترتفع درجة أحد منهم عليه ، لا سبيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على ( الفاضل ) فيتعين الثاني وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعاً » انتهى .

قلت : فما شاع من الخلاف بين الحنفية والشافعية في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو أفضل من المجموع كما أنه أفضل من الجميع أم أنه أفضل من الجميع فقط دون المجموع ؟ ليس في محله على هذا فتدبر ، وقيل في الجواب : إن غاية ما تدل عليه الآية تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش ، أو من هم أعلى رتبة منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً وفيه النزاع ؛ وردّ بأن المدعي أن في مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقي من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية ، وقد علم أن الحكم في الجمع المحلى بأل على الآحاد وأن المدعي ليس إلا دلالة الكلام على أن الملك المقرب أفضل من عيسى عليه السلام ، وهذا كاف في إبطال القول بأن خواص البشر أفضل من خواص الملك ؛ وزعم بعضهم أن عطف الملائكة على المسيح بالواو لا يقتضي ترتيباً ، وما يورد من الأمثلة لكون الثاني أعلى مرتبة من الأول معارض بأمثلة لا تقتضي ذلك كقول القائل : ما ( أعانني ) على هذا الأمر زيد ولا عمرو ، وكقولك : لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً بل لو عكست في هذا المثال وجعلت الأعلى ثانياً لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة كما قال في «الانتصاف » ثم قال فيه : «ولكن الحق أولى من المراء وليس بين المثالين تعارض ، ونحن نمهد تمهيداً يرفع اللبس ويكشف الغطاء ، فنقول : النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة وهي توجب في مواضع تقديم الأعلى وفي مواضع تأخيره ، وتلك النكتة أن مقتضى البلاغة التنائي عن التكرار والسلامة عن النزول فإذا اعتمدت ذلك فهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولاً بالنسبة إلى أوله ، أو يكون الآخر مندرجاً في الأول قد أفاده ، وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ، واستئنافاً لفائدة لم يشتمل عليها الأول ، مثاله الآية المذكورة فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح على هذا التقدير عبداً ( لله ) غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن ما دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبداً لله تعالى وهم الملائكة على هذا التقدير ، فلم يتجدد إذن بقوله تعالى : { وَلاَ الملئكة المقربون } إلا ما سلف أول الكلام ، وإذا قدرت المسيح مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة فكأنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبداً له تعالى إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك ، وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل ، فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة إذ لم يستلزم الأول الآخر ، فصار الكلام على هذا التقدير متجدد الفائدة متزائدها ، ومتى كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز لأنه الغاية في البلاغة .

وبهذه النكتة يجب أن تقول : لا تؤذ مسلماً ولا ذمياً ، فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية لأنك إذا نهيته عن أذى المسلم فقد يقال ذاك من خواصه احتراماً لدين الإسلام ، فلا يلزم من ذلك نهيه عن أذى الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية ، فإذا قلت : ولا ذمياً فقد جددت فائدة لم تكن في الأول وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثر منه ، ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت : لا تؤذ ذمياً فهم المنهي أن أذى المسلم أدخل في النهي إذ يساوي الذميّ في سبب الالتزام وهو الإنسانية مثلاً ، ويمتاز عنه بسبب هو أجلّ وأعظم وهو الإسلام ، فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم ، فإن قلت : ولا مسلماً لم تجدد له فائدة ولم تعلمه غير ما أعلمته أولاً ، فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحياناً تقديم الأعلى وأحياناً تأخيره ، ولا يميز لك ذلك إلا السياق ، وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى ، ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى :

{ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } [ الإسراء : 23 ] استغناءاً عن نهيه عن ضربهما فما فوقه ( بتقديم ) الأدنى ، ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن يريد نهياً عن أعلى من التأفيف والانتهار لأنه مستغنى عنه ، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها ، ولما اقتضى الإنصاف تسليم اقتضاء الآية لتفضيل الملائكة ، ( وكان القول بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقاداً لأكثر أهل السنة والشيعة التزم ) حمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف ، وذلك تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار . وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية لأن المقصود الردّ على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام مستندين إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة ، فناسب ذلك أن يقال : هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة الله تعالى بل من هو أكثر خوارقاً وأظهر آثاراً كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام ، وقد بلغ من قوته وإقدار الله تعالى له أن اقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه فقلبها عاليها سافلها فيكون تفضيل الملائكة إذن بهذا الاعتبار ، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر ، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء ، وليس في الآية عليه دليل ، وقد يقال : لما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى عليه السلام كونه موجوداً من غير أب أنبأ الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف من عبادة الله تعالى ولا الملائكة الموجودون من غير أب ولا أم ، فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى عليه السلام ، ويشهد لذلك أن الله تعالى نظر عيسى بآدم عليهما السلام ، فنظر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من آثار قدرته بالأعجب إذ عيسى مخلوق من ( آدم عليهما الصلاة والسلام ) وآدم عليه السلام من غير أب ولا أم ، ولذلك قال سبحانه : { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] ومدار هذا البحث على النكتة التي أشير إليها ، فمتى استقام اشتمال المذكور ثانياً على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد طابق صيغة الآية انتهى .

/ وبالجملة المسألة سمعية وتفصيل الأدلة والمذاهب فيها حشو الكتب الكلامية والقطع فيها منوط بالنص الذي لا يحتمل تأويلاً ووجوده عسر .

وقد ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار » بعد بسط كلام ونقض وإبرام أن هذه المسألة ظنية لا حظ للقطع فيها نفياً وإثباتاً ، ومدارها على الأدلة السمعية دون الأدلة العقلية ، وقال أفضل المعاصرين صالح أفندي الموصلي تغمده الله تعالى برحمته في «تعليقاته على البيضاوي » : الأولى عندي التوقف في هذه المسألة بالنسبة إلى غير نبينا صلى الله عليه وسلم إذ لا قاطع يدل على الحكم فيها وليس معرفة ذلك ما كلفنا به ، والباب ذو خطر لا ينبغي المجاذفة فيه ، فالوقف أسلم والله تعالى أعلم .

{ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم له تعالى وإنما جعل المستنكف عنه ههنا عبادته تعالى لا ما سبق كما قال شيخ الإسلام لتعليق الوعيد بالوصف الظاهر الثبوت للكفرة فإن عدم طاعتهم له تعالى مما لا سبيل لهم إلى إنكار اتصافهم به ، وعبر سبحانه عن عدم طاعتهم له بالاستنكاف مع أن ذلك كان منهم بطريق إنكار كون الأمر من جهته تعالى لا بطريق الاستنكاف لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الاستنكاف عن طاعة الله تعالى إذ لا أمر له صلى الله عليه وسلم سوى أمره عز وجل { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] . وقيل : التعبير بالاستنكاف من باب المشاكلة .

{ وَيَسْتَكْبِرْ } أي عن ذلك ، وأصل الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله بل بمعنى عد نفسه كبيراً واعتقاده كذلك وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآله محض الطلب بدون حصول المطلوب ، ونظير ذلك على ما قيل : قوله تعالى : { يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ الأعراف : 45 ] ، والاستكبار على ما أشار إليه الزجاج وتقدم دون الاستنكاف ؛ وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل : يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة قال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس " وللناس في تأويل الحديث أقوال ذكرها الإمام النووي في «شرح مسلم » ، منها أن المراد بالكبر المانع من دخول الجنة «هو التكبر على الإيمان » ، واختاره مولانا أفضل المعاصرين ، ثم قال : وعليه فالمنفي أصل الدخول كما هو الظاهر المتبادر ، وتنكير الكبر للنوعية ، والمعرف في آخر الحديث هو جنس الكبر لا هذا النوع بخصوصه وإن كان الغالب في إعادة النكرة معرفة إرادة عين الأول ، إنما خص صلى الله عليه وسلم حكم ذلك النوع بالبيان ليكون أبلغ في الزجر عن الكبر فإن جنساً يبلغ بعض أنواعه بصاحبه من وخامة العاقبة وسوء المغبة ، هذا المبلغ أعني الشقاء المؤبد جدير بأن يحترز عنه غاية الاحتراز ، ثم عرف صلى الله عليه وسلم الكبر بما عرفه لئلا يتوهم انحصار الكبر المذموم في النوع المذكور . وبهذا التقرير اندفع استبعاد النووي رحمه الله تعالى لهذا التأويل بأن «الحديث ورد في سياق الزجر عن الكبر المعروف وهو إنكار الحق واحتقار الناس فحمل الكبر على ذلك خاصة خروج » عن مذاق الكلام ووجه اندفاعه غير خفي على ذوي الأفهام انتهى .

والظاهر أن ما في الحديث تعريف باللازم للمعنى اللغوي .

{ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليهم بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة المقربين عليهم السلام ، وقد ترك ذكر أحد الفريقين في المفصل تعويلاً على إنباء التفصيل عنه وثقة بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق أجمعين كما ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ } [ النساء : 175 ] مع عموم الخطاب لهما ثقة بمثل ذلك فلا يقال : التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد ، وقيل في توجيه المطابقة : إن المقصود من الحشر المجازاة ويكون قوله تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ } الخ تفصيلاً للجزاء .

( وهذا ومن باب الإشارة ) :{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } في مقام التفصيل إذ كل ما ظهر فهو ممكن والممكن لا وجود له بنفسه فيكون عبداً محتاجاً ذليلاً مفتقراً غير مستنكف عن ذلة العبودية { وَلاَ الملئكة المقربون } الذين هم أرواح مجردة وأنوار قدسية محضة ، وأما في مقام الجمع فلا عيسى ولا ملك ولا قرب ولا بعد ولا ولا *** { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ } بظهور أنانيته { وَيَسْتَكْبِرْ } بطغيانه في الظهور بصفاته { فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } [ النساء : 172 ] بظهور نور وجهه وتجليه بصفة القهر حتى يفنوا بالكلية في عين الجمع

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا} (172)

{ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا }

لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام ، وذكر أنه عبده ورسوله ، ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه ، أي : لا يمتنع عنها رغبة عنها ، لا هو { وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } فنزههم عن الاستنكاف وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى ، ونفي الشيء فيه إثبات ضده .

أي : فعيسى والملائكة المقربون قد رغبوا في عبادة ربهم ، وأحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم ، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم ، فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لربوبيته ولا لإلهيته ، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار .

ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها وترفعه عن العبادة كمالا ، بل هو النقص بعينه ، وهو محل الذم والعقاب ، ولهذا قال : { وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } أي : فسيحشر الخلق كلهم إليه ، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين ، فيحكم بينهم بحكمه العدل ، وجزائه الفصل .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا} (172)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال عز وجل: {لن يستنكف المسيح}، يعني لن يأنف، {أن يكون عبدا لله ولا} يستنكف {الملائكة المقربون} أن يكونوا عبيدا لله؛ ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى الله عز وجل منزلة من عيسى ابن مريم وغيره، فإن عيسى عبد من عباده، ثم أوعد النصارى، فقال: {ومن يستنكف}، يعني ومن يأنف، {عن عبادته ويستكبر}، يعني ومن يأنف عن عبادة الله، يعني التوحيد ويستكبر، يعني ويتكبر عن العبادة، {فسيحشرهم إليه جميعا}، فلم يستنكف ويستكبر غير إبليس.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ": لن يأنف ولن يستكبر المسيح "أنْ يَكُونَ عَبْدا لله "يعني: من أن يكون عبدا لله... لن يحتشم المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة.

"وَلا المَلائِكَةُ المُقَرّبُونَ": ولن يستنكف أيضا من الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بذلك رُسُله المقرّبون الذين قرّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه.

"وَمَنْ يَسْتَنْكفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيهِ جَمِيعا": ومن يتعظم عن عبادة ربه، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك، فَسَيْحُشُرُهُمْ إليه جَمِيعا يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعا، فيجمعهم لموعدهم عنده.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}: كانوا يعبدون الملائكة دون الله، ويعبدون المسيح دونه. فأخبر أن أولئك الذين تعبدونهم أنتم لم يستنكفوا عن عبادتي، فكيف تستنكفون أنتم؟

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

الفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو الغلو والتكبر من غير أنفة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح} لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت الدمع، إذا نحيته عن خدك بأصابعك {وَلاَ الملائكة المقربون} ولا من هو أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم.

فإن قلت: من أين دلّ قوله: {وَلاَ الملئكة المقربون} على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك. وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية، ولا من هو أرفع منه درجة، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقرّبين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة... ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: {وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى} [البقرة: 120] حتى يعترف بالفرق البين.

فإن قلت: علام عطف قوله: {وَلاَ الملائكة}؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على المسيح، أو على اسم (يكون) أو على المستتر في (عبداً) لما فيه من معنى الوصف، لدلالته على معنى العبادة، كقولك: مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد الله هو ومن فوقه.

فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبداً لله في هذا العطف، فما وجهه؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد: ولا كل واحد من الملائكة أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً لله، فحذف ذلك لدلالة (عبداً لله) عليه إيجازاً. وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في (عبداً) فقد طاح هذا السؤال.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم، وخلصه للذي يليق به فقال {لن يستنكف المسيح أن يكون} الآية، والاستنكاف: إباية بأنفة، وقوله تعالى: {ولا الملائكة المقربون} زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم، وفي هذه الآية الدليل الواضح على تفضيل الملائكة على الأنبياء.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

هَذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ: إنَّ مَنْ نَسَبْتُمُوهُ إلَى وِلَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ آدَمِيٍّ وَمَلِكٍ، لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَهُ وَلَدًا؟ وَلَوْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْوِلَادَةِ جَائِزًا مَا كَانَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى {يَسْتَنْكِف} فِي اللُّغَةِ؟

قُلْنَا: هُوَ يَسْتَفْعِلُ، مِنْ نَكَفْت كَذَا إذَا نَحَّيْته، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَعْنَى. التَّقْدِيرُ لَنْ يَتَنَحَّى مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

تأويل {لن يستنكف} أي لن يتنغص ولن يمنع، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه...

وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله، ولا يجوز أن يكون ابنا له، أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء، فكأنه تعالى قال: {لن يستنكف المسيح} بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وأعلى حالا منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} لن يأنف المسيح ولا يتبرأ من أن يكون عبدا لله ولا هو بالذي يترفع عن ذلك لأنه من أعلم خلق الله بعظمة الله وما يجب له على العقلاء من خلقه من العبودية والشكر، وأن هذه العبودية هي أفضل ما يتفاضلون به {ولا الملائكة المقربون} يستنكفون عن أن يكونوا عبيدا لله أو عن عبادته، أو لا يستنكف أحد منهم أن يكون عبدا لله. (كل تقدير من هذه التقديرات صحيح يفهم من الكلام) على أنهم أعظم من المسيح خلقا وأفعالا، ومنهم روح القدس جبريل عليه السلام الذي بنفخة منه خلق المسيح وبتأييد الله إياه به كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ولولا نفخته وتأييده لما كان للمسيح مزية على غيره من الناس.

وقد استدل بهذه الآية على أن الملائكة المقربين أفضل من الأنبياء المرسلين وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والحليمي من أئمة الأشعرية وجمهور المعتزلة، وأما جمهور الأشعرية فيفضلون الأنبياء على الملائكة... والمنصف يرى أن التفاضل في هذا من الرجم بالغيب، إذ لا يعلم إلا بنص من الشارع ولا نص، وليس للخلاف في هذه المسألة فائدة في الإيمان ولا عمل، ولكنه من توسيع مسافة التفرق بالمراء والجدال.

{ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} الاستكبار أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة فوق ما هي عليه غرورا وإعجابا فيحملها بذلك عل غمظ الحق سواء كان لله أو لخلقه وعلى احتقار الناس. ومعنى الجملة: ومن يترفع عن عبادته أنفة ويتبرأ منها، ويجعل نفسه كبيرة فيرى أنه لا يليق بها التلبيس بها {فسيحشرهم إليه جميعا} أي فسيحشر هؤلاء المستنكفين والمستكبرين للجزاء، مجتمعين مع غير المستكبرين والمستنكفين الذي ذكر بعضهم في أول الآية، فإن الله يحشر الخلق كلهم في صعيد واحد كما ورد.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويمضي السياق في البيان؛ لتقرير أكبر قضايا التصور الاعتقادي الصحيح، وهي الحقيقة الاعتقادية التي تنشأ في النفس من تقرير حقيقة الوحدانية.. حقيقة أن ألوهية الخالق تتبعها عبودية الخلائق.. وأن هناك فقط: ألوهية وعبودية.. ألوهية واحدة، وعبودية تشمل كل شيء، وكل أحد، في هذا الوجود.

ويصحح القرآن هنا عقيدة النصارى كما يصحح كل عقيدة تجعل للملائكة بنوة كبنوة عيسى، أو شركا في الألوهية كشركته في الألوهية:

(لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله -ولا الملائكة المقربون- ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله؛ وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرًا).

لقد عني الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه؛ وحدانية لا تلتبس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور؛ وعني بتقرير أن الله -سبحانه- ليس كمثله شيء. فلا يشترك معه شيء في ماهية ولا صفة ولا خاصية. كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله -سبحانه- وكل شيء [بما في ذلك كل حي] وهي أنها صلة ألوهية وعبودية. ألوهية الله، وعبودية كل شيء لله.. والمتتبع للقرآن كله يجد العناية فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق -أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه- بحيث لا تدع في النفس ظلا من شك أو شبهة أو غموض.

ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون. فقررها في سيرة كل رسول، وفي دعوة كل رسول؛ وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام، إلى عهد محمد خاتم النبيين -عليه الصلاة والسلام- تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)..

وكان من العجيب أن أتباع الديانات السماوية -وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة- يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة؛ وينسب لله -سبحانه- البنين والبنات؛ أو ينسب لله -سبحانه- الامتزاج مع أحد من خلقه في صورة الأقانيم؛ اقتباسا من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات!

ألوهية وعبودية.. ولا شيء غير هذه الحقيقة. ولا قاعدة إلا هذه القاعدة. ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية، وصلة العبودية بالألوهية..

ولا تستقيم تصورات الناس -كما لا تستقيم حياتهم- إلا بتمحيض هذه الحقيقة من كل غبش، ومن كل شبهة، ومن كل ظل!

أجل لا تستقيم تصورات الناس، ولا تستقر مشاعرهم، إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم..

هو إله لهم وهم عبيده.. هو خالق لهم وهم مخاليق.. هو مالك لهم وهم مماليك.. وهم كلهم سواء في هذه الصلة، لا بنوة لأحد. ولا امتزاج بأحد.. ومن ثم لا قربى لأحد إلا بشيء يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه: التقوى والعمل الصالح.. وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله. فأما البنوة، وأما الامتزاج فأنى بهما لكل أحد؟!

ولا تستقيم حياتهم وارتباطاتهم ووظائفهم في الحياة، إلا حين تستقر في أخلادهم تلك الحقيقة: أنهم كلهم عبيد لرب واحد.. ومن ثم فموقفهم كلهم تجاه صاحب السلطان واحد.. فأما القربى إليه ففي متناول الجميع.. عندئذ تكون المساواة بين بني الانسان، لانهم متساوون في موقفهم من صاحب السلطان.. وعندئذ تسقط كل دعوى زائفة في الوساطة بين الله والناس؛ وتسقط معها جميع الحقوق المدعاة لفرد أو لمجموعة أو لسلسلة من النسب لطائفة من الناس.. وبغير هذا لا تكون هناك مساواة أصيلة الجذور في حياة بني الإنسان ومجتمعهم ونظامهم ووضعهم في هذا النظام!

فالمسألة -على هذا- ليست مسألة عقيدة وجدانية يستقر فيها القلب على هذا الأساس الركين، فحسب، إنما هي كذلك مسألة نظام حياة، وارتباطات مجتمع، وعلاقات أمم وأجيال من بني الإنسان.

إنه ميلاد جديد للإنسان على يد الإسلام.. ميلاد للإنسان المتحرر من العبودية للعباد، بالعبودية لرب العباد.. ومن ثم لم تقم في تاريخ الإسلام "كنيسة "تستذل رقاب الناس، بوصفها الممثلة لابن الله، أو للأقنوم المتمم للأقانيم الإلهية؛ المستمدة لسلطانها من سلطان الابن أو سلطان الأقنوم. ولم تقم كذلك في تاريخ الإسلام سلطة مقدسة تحكم "بالحق الإلهي" زاعمة أن حقها في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله!

وقد ظل "الحق المقدس" للكنيسة والبابوات في جانب؛ وللأباطرة الذين زعموا لأنفسهم حقا مقدسا كحق الكنيسة في جانب.. ظل هذا الحق أو ذاك قائما في أوربا باسم [الابن] أو مركب الأقانيم. حتى جاء "الصليبيون" إلى أرض الإسلام مغيرين. فلما ارتدوا أخذوا معهم من أرض الإسلام بذرة الثورة على "الحق المقدس" وكانت فيما بعد ثورات "مارتن لوثر" و "كالفن" و "زنجلي" المسماة بحركة الإصلاح.. على أساس من تأثير الإسلام، ووضوح التصور الإسلامي، ونفي القداسة عن بني الإنسان؛ ونفي التفويض في السلطان لأنه ليست هنالك إلا ألوهية وعبودية في عقيدة الإسلام..

وهنا يقول القرآن كلمة الفصل في ألوهية المسيح وبنوته؛ وألوهية روح القدس [أحد الأقانيم] وفي كل أسطورة عن بنوة أحد لله، أو ألوهية أحد مع الله، في أي شكل من الأشكال.. يقول القرآن كلمة الفصل بتقريره أن عيسى بن مريم عبد لله؛ وأنه لن يستنكف أن يكون عبدالله. وأن الملائكة المقربين عبيد لله؛ وأنهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله. وأن جميع خلائقه ستحشر إليه. وأن الذين يستنكفون عن صفة العبودية ينتظرهم العذاب الأليم. وأن الذين يقرون بهذه العبودية لهم الثواب العظيم:

(لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله -ولا الملائكة المقربون- ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرًا).

إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدا لله. لأنه -عليه السلام- وهو نبي الله ورسوله -خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية؛ وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان. وهو خير من يعرف أنه من خلق الله؛ فلا يكون خلق الله كالله؛ أو بعضا من الله! وهو خير من يعرف أن العبودية لله- فضلا على أنها الحقيقة المؤكدة الوحيدة -لا تنقص من قدره. فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء. وهي المرتبة التي يصف الله بها رسله، وهم في أرقى حالاتهم وأكرمها عنده.. وكذلك الملائكة المقربون- وفيهم روح القدس جبريل -شأنهم شأن عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء- فما بال جماعة من أتباع المسيح يأبون له ما يرضاه لنفسه ويعرفه حق المعرفة؟!

(ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا)..

فاستنكافهم واستكبارهم لا يمنعهم من حشر الله لهم بسلطانه.. سلطان الألوهية على العباد.. شأنهم في هذا شأن المقرين بالعبودية المستسلمين لله..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والاستنكاف: التكبّر والامتناع بأنفة، فهو أشد من الاستكبار، ونفي استنكاف المسيح: إمّا إخبار عن اعتراف عيسى بأنّه عبد الله، وإمّا احتجاج على النّصارى بما يوجد في أناجيلهم. قال الله تعالى حكاية عنه {قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] إلخ. وفي نصوص الإنجيل كثير ممّا يدلّ على أنّ المسيح عبد الله وأنّ الله إلهُه وربّه، كما في مجادلته مع إبليس، فقد قال له المسيح « للربّ إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد».

وعُدل عن طريق الإضافة في قوله: {عبداً لِلّه} فأظهر الحرف الّذي تقدّر الإضافة عليه: لأنّ التنكير هنا أظهر في العبودية، أي عبداً من جملة العبيد، ولو قال: عبدَ اللّهِ لأوهمت الإضافة أنّه العبد الخِصّيص، أو أنّ ذلك علَم له. وأمّا ما حكى الله عن عيسى عليه السلام في قوله {قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] فلأنّه لم يكن في مقام خطاب من ادّعوا له الإلهية.

وعطف الملائكة على المسيح مع أنّه لم يتقدّم ذِكْر لمزاعم المشركين بأنّ الملائكة بنات الله حتّى يتعرّض لردّ ذلك، إدماج لقصد استقصاء كلّ من ادعيت له بنوة الله، ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن أن يكون عبداً لله، إذ قد تقدّم قبله قوله: {سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: 171]، وقد قالت العرب: إنّ الملائكة بنات الله من نساء الجنّ، ولأنَّه قد تقدّم أيضاً قوله: {له ما في السماوات وما في الأرض} [النساء: 171]، ومِنْ أفضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبوديّة. وإن جعلتَ قوله: {لن يستنكف المسيح} استدلالاً على ما تضمّنه قوله: {سبحانَه أن يكون له ولد} [النساء: 171] كان عطف {ولا الملائكة المقرّبون} محتمِلاً للتتميم كقوله: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] فلا دلالة فيه على تفضيل الملائكة على المسيح، ولا على العكس... والمسألة اجتهادية، ولا طائل وراء الخوض فيها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في تفاضل الأنبياء، فما ظنّك بالخوض في التفاضل بين الأنبياء وبين مخلوقات عالم آخر لا صلة لنا به.

و {المقرّبون}، يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً، وأن يكون مقيِّداً، فيراد بهم الملقّبون (بالكَرُوبيين) وهم سادة الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل... وقوله: {ومن يستنكف عن عبادته} الآية تخلّص إلى تهديد المشركين كما أنبأ عنه قوله: {وأمَّا الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذّبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله وليَّاً ولا نصيرا}.

وضمير الجمع في قوله: {فسيحشرهم} عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل إلى معلوم من المقام، أي فسَيَحْشُر النّاسَ إليه جميعاً كما دلّ عليه التفصيل المفرّع عليه وهو قوله: {فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وهنا بحثان لفظيان نريد أن نلم بهما بعض الإلمام.

أولهما: التعبير ب "لن "فإن هذا التعبير النافي فيه تأكيد للنفي وفيه بيان استمراره وفيه فوق ذلك إشارة إلى أن المنفي هو الأمر الذي لا يتصور العقل غيره، فلا يتصور العقل أن يترفع المسيح عن أن يكون عبدا لله، لأنه هو الذي خلقه، وهو الذي سواه، وهو الذي جعل له كل الصفات التي امتاز بها على غيره من الناس في عهده، إن الكمال للإنسان في أن يحس بعبوديته لله تعالى وحده، فذلك ليس عارا كما ذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن شكر المنعم هو كمال الإنسان والمنعم بنعمة الوجود ومجري النعم هو الله سبحانه وتعالى، فالعبودية له سبحانه شكر وهي كمال الصلة بين الله تعالى وخلقه.

وثانيهما: أصل معنى يستنكف أنها في مغزاها لن يأنف أو يترفع ولكن في أصل اللغة لها أصول ثلاثة.

أولها -أنها مشتقة من التنزيه فالفعل الثلاثي لها (نكف)، دخله السين والتاء فيقال نكفت من الشيء واستنكفت منه، وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه، وروي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن معنى سبحان الله فقال- عليه السلام -"إنكاف الله عن كل سوء" بمعنى تنزيهه عن كل سوء، ويكون معنى "لن يستنكف": لن يتنزه عن أن يكون عبدا لله، فالعبودية ليس للبشر أن يتنزهوا عنها، بل عليهم أن يخضعوا لها.

ثانيها -أنها مأخوذة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك سترا لمظهر البكاء، ومنه الحديث: "ما ينكف العرق عن جبينه" أي ما ينقطع، ومنه الحديث: "جاء بجيش لا ينكف آخره". ومعنى (لن يستنكف) أي لن ينقطع أن يكون المسيح عبدا لله، وقد اختار ذلك الزجاج وارتضاه الزمخشري في الكشاف.

ثالثها: أنها مأخوذة من النكف وهو العيب ويكون المعنى "لن يعاب المسيح أن يكون عبدا لله" وكلها معان متلاقية.

وعطف سبحانه على المسيح- عليه السلام -الملائكة فقال: {ولا الملائكة المقربون} أي لا يستنكف المسيح عن أن يكون عبدا لله، ولا يستنكف أيضا الملائكة المقربون إليه سبحانه كجبريل وإسرافيل وميكائيل، وحملة العرش فإن هؤلاء على روحانياتهم الكاملة، ومع أن الله تعالى خلقهم من غير أب ولا أم لا يترفعون، أن يكونوا عبيدا لله تعالى؛ لأن الله تعالى خلقهم وهم المدركون لجلاله وكماله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6)} (التحريم).

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

مصدر الشرف للإنسان أن يحس ويشعر بتجلي الله عليه بعبوديته له، وسبحانه عندما أراد أن يتجلى على نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم ويسري به إلى المسجد الأقصى قال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (من الآية1سورة الإسراء)، ولم يقل: "سبحان الذي أسرى برسوله "ولكنه قال: سبحان الذي أسرى بعبده "لأن "العبودية "عطاء علوي من الله، فكأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عندما تناهى في العبودية لله نال تناهي الخير، فمن إذن يستنكف أن يكون عبدا لله؟ لا يستنكف المسيح ذلك، وكذلك الملائكة لا تستنكف أن تكون عبيدا لله" ولا الملائكة المقربون "ويسمون ذلك ارتقاء في النفي مثلما يقول فلاح: لا يستطيع شيخ الخفر أن يقف أمامي ولا العمدة.