{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } لما ذكر سبحانه جزاء المحارب وعظم جنايته وأشار في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب أمر المؤمنين بتقواه عز وجل في كل ما يأتون ويذرون بترك ما يجب اتقاؤه من المعاصي التي من جملتها المحاربة والفساد ، وبفعل الطاعة التي من عدادها التوبة والاستغفار ودفع الفساد { وابتغوا إِلَيهِ } أي اطلبوا لأنفسكم إلى ثوابه والزلفى منه { الوسيلة } هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله عز وجل من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أي تقرب إليه بشيء ، والظرف متعلق بها وقدم عليها للاهتمام وهي صفة لا مصدر حتى يمتنع تقدم معموله عليه ، وقيل : متعلق بالفعل قبله ، وقيل : بمحذوف وقع حالاً منها أي كائنة إليه ، ولعل المراد بها الاتقاء المأمور به كما يشير إليه كلام قتادة ، فإنه ملاك الأمر كله . والذريعة لكل خير والمنجاة من كل ضير ، والجملة حينئذٍ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد ، وقيل : الجملة الأولى أمر بترك المعاصي ، والثانية أمر بفعل الطاعات ، وأخرج ابن الأنباري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الوسيلة الحاجة ، وأنشد له قول عنترة :
إن الرجال لهم إليك ( وسيلة ) *** إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وكأن المعنى حينئذٍ اطلبوا متوجهين إليه حاجتكم فإن بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره فتكونوا كضعيف عاذ بقرملة ، وفسر بعضهم الوسيلة بمنزلة في الجنة ، وكونها بهذا المعنى غير ظاهر لاختصاصها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بناءاً على ما رواه مسلم وغيره «إنها منزلة في الجنة جعلها الله تعالى لعبد من عباده وأرجو أن أكون أنا فاسألوا لي الوسيلة » وكون الطلب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم مما لا يكاد يذهب إليه ذهن سليم ، وعليه يمتنع تعلق الظرف بها كما لا يخفى .
واستدل بعض الناس بهذه الآية على مشروعية الاستغاثة بالصالحين وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد والقسم على الله تعالى بهم بأن يقال : اللهم إنا نقسم عليك بفلان أن تعطينا كذا ، ومنهم من يقول للغائب أو الميت من عباد الله تعالى الصالحين : يا فلان ادع الله تعالى ليرزقني كذا وكذا ، ويزعمون أن ذلك من باب ابتغاء الوسيلة ، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور ، أو فاستغيثوا بأهل القبور وكل ذلك بعيد عن الحق بمراحل .
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن الاستغاثة بمخلوق وجعله وسيلة بمعنى طلب الدعاء منه لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حياً ولا يتوقف على أفضليته من الطالب بل قد يطلب الفاضل من المفضول ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه لما استأذنه في العمرة :
" لا تنسنا يا أخي من دعائك " وأمره أيضاً أن يطلب من أويس القرني رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر له ، وأمر أمته صلى الله عليه وسلم بطلب الوسيلة له كما مر آنفاً وبأن يصلوا عليه ، وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً فلا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف ، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة ؛ فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون يرحم الله تعالى المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم " ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم أحرص الخلق على كل خير أنه طلب من ميت شيئاً ، بل قد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول إذا دخل الحجرة النبوية زائراً : السلام عليك يا رسول الله ؛ السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ، ثم ينصرف ولا يزيد على ذلك ولا يطلب من سيد العالمين صلى الله عليه وسلم أو من ضجيعيه المكرمين رضي الله تعالى عنهما شيئاً وهم أكرم من ضمته البسيطة وأرفع قدراً من سائر من أحاطت به الأفلاك المحيطة نعم الدعاء في هاتيك الحضرة المكرمة والروضة المعظمة أمر مشروع فقد كانت الصحابة تدعوا الله تعالى هناك مستقبلين القبلة ولم يرد عنهم استقبال القبر الشريف عند الدعاء مع أنه أفضل من العرش ، واختلف الأئمة في استقباله عند السلام ، فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يستقبل بل يستدبر ويستقبل القبلة ، وقال بعضهم : يستقبل وقت السلام ، وتستقبل القبلة ويستدبر وقت الدعاء ، والصحيح المعول عليه أنه يستقبل وقت السلام وعند الدعاء تستقبل القبلة ، ويجعل القبر المكرم عن اليمين أو اليسار ، فإذا كان هذا المشروع في زيارة سيد الخليقة وعلة الإيجاد على الحقيقة صلى الله عليه وسلم ، فماذا تبلغ زيارة غيره بالنسبة إلى زيارته عليه الصلاة والسلام ليزاد فيها ما يزاد ، أو يطلب من المزور بها ما ليس من وظيفة العباد ؟ ؟
وأما القسم على الله تعالى بأحد من خلقه مثل أن يقال : اللهم إني أقسم عليك أو أسألك بفلان إلا ما قضيت لي حاجتي ، فعن ابن عبد السلام جواز ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم ، ولا يجوز أن يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته ، وقد نقل ذلك عنه المناوي في «شرحه الكبير للجامع الصغير » ، ودليله في ذلك ما رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ادع الله تعالى أن يعافيني فقال : إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ، قال : فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء
" اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في " ، ونقل عن أحمد مثل ذلك . ومن الناس من منع التوسل بالذات والقسم على الله تعالى بأحد من خلقه مطلقاً وهو الذي يرشح به كلام المجد ابن تيمية ؛ ونقله عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام ، وأجاب عن الحديث بأنه على حذف مضاف أي بدعاء أو شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم ، ففيه جعل الدعاء وسيلة وهو جائز بل مندوب ، والدليل على هذا التقدير قوله في آخر الحديث : «اللهم فشفعه في » بل في أوله أيضاً ما يدل على ذلك ، وقد شنع التاج السبكي كما هو عادته على المجد ، فقال : ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم وصار بين الأنام مثلة انتهى .
وأنت تعلم أن الأدعية المأثورة عن أهل البيت الطاهرين وغيرهم من الأئمة ليس فيها التوسل بالذات المكرمة صلى الله عليه وسلم ، ولو فرضنا وجود ما ظاهره ذلك فمؤل بتقدير مضاف كما سمعت ؛ أو نحو ذلك كما تسمع إن شاء الله تعالى ومن ادعى النص فعليه البيان ، وما رواه أبو داود في «سننه » وغيره من " أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا نستشفع بك إلى الله تعالى ونستشفع بالله تعالى عليك ، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه ، فقال : ويحك أتدري ما الله تعالى ؟ إن الله تعالى لا يشفع به على أحد من خلقه شأن الله تعالى أعظم من ذلك " لا يصلح دليلاً على ما نحن فيه حيث أنكر عليه قوله : «إنا نستشفع بالله تعالى عليك » ولم ينكر عليه الصلاة والسلام قوله : «نستشفع بك إلى الله تعالى » لأن معنى الاستشفاع به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه ، وليس معناه الإقسام به على الله تعالى ، ولو كان الإقسام معنى للاستشفاع فلم أنكر النبي صلى الله عليه وسلم مضمون الجملة الثانية دون الأولى ؟ وعلى هذا لا يصلح الخبر ولا ما قبله دليلاً لمن ادعى جواز الإقسام بذاته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً ، وكذا بذات غيره من الأرواح المقدسة مطلقاً قياساً عليه عليه الصلاة والسلام بجامع الكرامة وإن تفاوت قوة وضعفاً ، وذلك لأن ما في الخبر الثاني استشفاع لا إقسام ، وما في الخبر الأول ليس نصاً في محل النزاع ، وعلى تقدير التسليم ليس فيه إلا الإقسام بالحي والتوسل به ، وتساوي حالتي حياته ووفاته صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن يحتاج إلى نص ، ولعل النص على خلافه ، ففي «صحيح البخاري » عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله تعالى عنه ، فقال : «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون » فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار لما عدلوا إلى غيره ، بل كانوا يقولون : اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فاسقنا ، وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس ، وهم يجدون أدني مساغ لذلك ، فعدولهم هذا مع أنهم السابقون الأولون ، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع ، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير ، وإنزال الغيث بكل طريق دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره .
وما ذكر من قياس غيره من الأرواح المقدسة عليه صلى الله عليه وسلم مع التفاوت في الكرامة الذي لا ينكره إلا منافق مما لا يكاد يسلم ، على أنك قد علمت أن الإقسام به عليه الصلاة والسلام على ربه عز شأنه حياً وميتاً مما لم يقم النص عليه لا يقال : إن في خبر البخاري دلالة على صحة الإقسام به صلى الله عليه وسلم حياً وكذا بغيره كذلك ، أما الأول فلقول عمر رضي الله تعالى عنه فيه : كنا نتوسل بنبيك صلى الله عليه وسلم ، وأما الثاني فلقوله : إنا نتوسل بعم نبيك لما قيل : إن هذا التوسل ليس من باب الإقسام بل هو من جنس الاستشفاع ، وهو أن يطلب من الشخص الدعاء والشفاعة ، ويطلب من الله تعالى أن يقبل دعاءه وشفاعته ، ويؤيد ذلك أن العباس كان يدعو وهم يؤمّنون لدعائه حتى سقوا ، وقد ذكر المجد أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه إليه وبه فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح ، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه في الحقيقة بدعائه وشفاعته ، وذلك مما لا محذور فيه ، وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله تعالى بذلك ويقسم به عليه وهذا هو محل النزاع وقد علمت الكلام فيه .
وجعل من الإقسام الغير المشروع قول القائل اللهم أسألك بجاه فلان فإنه لم يرد عن أحد من السلف أنه دعا كذلك ، وقال : إنما يقسم به تعالى وبأسمائه وصفاته فيقال : أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله ، المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك الحديث ، ونحو ذلك من الأدعية المأثورة ، وما ذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فاسألو الله تعالى بجاهي فإن جاهي عند الله تعالى عظيم " لم يروه أحد من أهل العلم ، ولا هو شيء في كتب الحديث ، وما رواه القشيري عن معروف الكرخي قدس سره أنه قال لتلامذته : إن كانت لكم إلى الله تعالى حاجة فأقسموا عليه بي فإني الواسطة بينكم وبينه جل جلاله الآن لو يوجد له سند يعول عليه عند المحدثين ، وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعة ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة " ، ففي سنده العوفي وفيه ضعف وعلى تقدير أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقال فيه : إن حق السائلين عليه تعالى أن يجيبهم ، وحق الماشين في طاعته أن يثيبهم ، والحق بمعنى الوعد الثابت المتحقق الوقوع فضلاً لا وجوباً كما في قوله تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } [ الروم : 47 ] ، وفي «الصحيح » من حديث معاذ " حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم " فالسؤال حينئذٍ بالإثابة والإجابة وهما من صفات الله تعالى الفعلية ، والسؤال بها مما لا نزاع فيه فيكون هذا السؤال كالاستعاذة في قوله صلى الله عليه وسلم : " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك " فمتى صحت الاستعاذة بمعافاته صح السؤال بإثابته وإجابته .
وعلى نحو ذلك يخرج سؤال الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم ، على أن التوسل بالأعمال معناه التسبب بها لحصول المقصود ، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا ، ولا كذلك ذوات الأشخاص أنفسها ، والناس قد أفرطوا اليوم في الإقسام على الله تعالى ، فأقسموا عليه عز شأنه بمن ليس في العير ولا النفير وليس عنده من الجاه قدر قطمير ، وأعظم من ذلك أنهم يطلبون من أصحاب القبور نحو إشفاء المريض وإغناء الفقير ورد الضالة وتيسير كل عسير ، وتوحي إليهم شياطينهم خبر «إذا أعيتكم الأمور » الخ ، وهو حديث مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه ، لم يروه أحد من العلماء ، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم : عن اتخاذ القبور مساجد ولعن على ذلك فكيف يتصور منه عليه الصلاة والسلام الأمر بالاستغاثة والطلب من أصحابها ؟ا سبحانك هذا بهتان عظيم .
وعن أبي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال : استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون ، ومن كلام السجاد رضي الله تعالى عنه أن طلب المحتاج من المحتاج سفه في رأيه وضلة في عقله ، ومن دعاء موسى عليه السلام وبك المستغاث وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " إذا استعنت فاستعن بالله تعالى " الخبر ، وقال تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] .
وبعد هذا كله أنا لا أرى بأساً في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى حياً وميتاً ، ويراد من الجاه معنى يرجع إلى صفة من صفاته تعالى ، مثل أن يراد به المحبة التامة المستدعية عدم رده وقبول شفاعته ، فيكون معنى قول القائل : إلهي أتوسل بجاه نبيك صلى الله عليه وسلم أن تقضي لي حاجتي ، إلهي اجعل محبتك له وسيلة في قضاء حاجتي ، ولا فرق بين هذا وقولك : إلهي أتوسل برحمتك أن تفعل كذا إذ معناه أيضاً إلهي اجعل رحمتك وسيلة في فعل كذا ، بل لا أرى بأساً أيضاً بالإقسام على الله تعالى بجاهه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى ، والكلام في الحرمة كالكلام في الجاه ، ولا يجري ذلك في التوسل والإقسام بالذات البحت ، نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام شيء ، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين ، وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في «الصحيح » ، وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم كما يزعمه البعض في التوسل بجاه عريض الجاه صلى الله عليه وسلم لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة ، فإنه لا يستريب منصف في أن ما علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم ، فقد قيل ما قيل إن حقاً وإن كذباً .
بقي ههنا أمران : الأول : إن التوسل بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به أيضاً إن كان المتوسل بجاهه مما علم أن له جاهاً عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته ، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه ، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى ، الثاني : إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم ، مثل يا سيدي فلان أغثني ، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء ، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه ، وقد عدّه أناس من العلماء شركاً وأن لا يكنه ، فهو قريب منه ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه ، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد( {[268]} ) ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في «معجمه » من أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله تعالى عنه : قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاءوا إليه ، فقال : " إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى " لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم ، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه أمر يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه ، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته وتنجح طلبته فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه عز وجل ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به ، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزين له هواه ، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام ، وبعض الجهلة يقول : إن ذلك من تطور روح المستغاث به ، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء ما يحكمون ، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة ، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك ، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك .
{ وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ } مع أعدائكم بما أمكنكم .
{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } بنيل نعيم الأبد والخلاص من كل نكد .
{ 35 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين ، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه ، وذلك بأن يجتهد العبد ، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله ، من معاصي القلب واللسان والجوارح ، الظاهرة والباطنة . ويستعين بالله على تركها ، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه . { وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } أي : القرب منه ، والحظوة لديه ، والحب له ، وذلك بأداء فرائضه القلبية ، كالحب له وفيه ، والخوف والرجاء ، والإنابة والتوكل . والبدنية : كالزكاة والحج . والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها ، من أنواع القراءة والذكر ، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه ، والبدن ، والنصح لعباد الله ، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله . ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله ، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي [ بها ] ويستجيب الله له الدعاء .
ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه ، الجهاد في سبيله ، وهو : بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال ، والنفس ، والرأي ، واللسان ، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد ، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات .
ولأن من قام به ، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إذا اتقيتم الله بترك المعاصي ، وابتغيتم الوسيلة إلى الله ، بفعل الطاعات ، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته .
والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب ، والنجاة من كل مرهوب ، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة}: في طاعته بالعمل الصالح، {وجاهدوا} العدو {في سبيله}: في طاعته، {لعلكم}: لكي {تفلحون}: تسعدون، ويقال: تفوزون.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعدهم من الثواب، وأوعد من العقاب "اتّقُوا اللّهَ": أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم بالطاعة له في ذلك، وحققوا إيمانكم وتصديقكم ربكم ونبيكم بالصالح من أعمالكم.
"وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ": واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. والوسيلة: هي الفعلية من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا، بمعنى: تقرّبت إليه... عن قتادة قوله: "وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ": أي تقرّبوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
"وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلكُمْ تُفْلِحُونَ": وجاهدوا أيها المؤمنون أعدائي وأعداءكم في سبيلي، يعني: في دينه وشريعته التي شرعها لعباده، وهي الإسلام، يقول: أتعبوا أنفسكم في قتالهم وحملهم على الدخول في الحنيفية المسلمة "لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ": كيما تنجحوا فتدركوا البقاء الدائم، والخلود في جناته. وقد دللنا على معنى الفلاح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} أي ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة، والوسيلة: القربة. وكذلك الزلفة. يقال: توسل إلي بكذا أي تقرب،... وقوله تعالى: {وجاهدوا في سبيله} الآية؛ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: {جاهدوا} أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته... والثاني: {وجاهدوا} مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
ابتغاء الوسيلة: التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمِنَّة. ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه. ويقال ابتغاء الوسيلة: استدامة الصدق في الولاء إلى آخر العمر. ويقال ابتغاء الوسيلة: تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النَّفْسِ عن الحظوظ...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه الآية وعظ من الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعظ لأنه يرد على النفوس وهي خائفة وجلة، وعادة البشر إذا رأى وسمع أَمْرَ مُمَتحَن ببشيع المكاره أن يرق ويخشع، فجاء الوعظ في هذه الحال، {ابتغوا} معناه اطلبوا، و {الوسيلة} القربة وسبب النجاح في المراد.
المسألة الأولى: في النظم وجهان: الأول: اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوما من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم، وامتد الكلام إلى هذا الموضع، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} كأنه قيل: قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك، وكونوا متقين عن معاصي الله، متوسلين إلى الله بطاعات الله.
الوجه الثاني في النظم: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {نحن أبناء الله وأحباؤه} أي نحن أبناء أنبياء الله، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم، فاتقوا وابتغوا إليه الوسيلة، والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما: أحدهما: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله {اتقوا الله} وثانيهما: فعل المأمورات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة} ولما كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر. وإنما قلنا: إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي، والفعل هو الإيقاع والتحصيل، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة...
{وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله، ومنهم من يعبده لغرض آخر. والمقام الأول: هو المقام الشريف العالي، وإليه الإشارة بقوله {وجاهدوا في سبيله} أي من سبيل عبوديته وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته. والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله {لعلكم تفلحون} والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب...
لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :
وقيل: معنى الوسيلة: المحبة أي تحببوا إلى الله عز وجل.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك المنهيات، وقد قال بعدها: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}..والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود. والوسيلة أيضًا: علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش..
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
الوجه في التناسب عندي أن يبنى على أسلوب القرآن الذي امتاز به على سائر الكلام، من حيث كونه مثاني للهداية والموعظة والعبرة، لا تبلى جدته، ولا تمل قراءته، والركن الأول لهذا الأسلوب أن يكون الكلام في كل موضوع مختصرا مفيدا تتخلله أسماء الله وصفاته والتذكير بوحدانيته، ووجوب تقواه والإخلاص له والتوجه إليه وحده، وبالدار الآخرة والجزاء فيها على الأعمال. فبناء على هذا الأسلوب قفى الله تعالى على قصة ابني آدم وما ناسبها من بيان حدود الذين يبغون على الناس ويفسدون في الأرض- بالأمر بالتقوى ومنها اتقاء الحد والبغي والفساد الذي هو سبب الخزي والعذاب في الدنيا ولآخرة – وبابتغاء الوسيلة إليه تعالى والجهاد في سبيله، رجاء الفلاح والفوز بالسعادة- ووعيد الكفار الذين لا يتقون الله ولا يتوسلون إليه لما يرضيه فقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ} اتقاء الله هو اتقاء سخطه وعقابه، وسخطه وعقابه أثر لازم لمخالفة سننه في الأنفس والأفاق، ومخالفة دينه وشرعه الذي يعرج بالأرواح إلى سماء الكمال، والوسيلة إليه هي ما يتوسل به إليه، أي ما يرجى أن يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه، واستحقاق المثوبة في دار الكرامة، ولا يعرف ذلك على الوجه الصحيح إلا بتعريفه تعالى، وقد تفضل علينا بهذا التعريف بوحيه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال الراغب: والوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوسيلة، يتضمنها معنى الرغبة... وحقيقة الوسيلة إلى الله مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة. اه وروي تفسير الوسيلة بالقربة عن حذيفة وصححه الحاكم عنه. ورواه ابن جرير عن عطاء ومجاهد والحسن وعبد الله بن كثير، وروى هو وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية أنه قال: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وروي عن ابنه زيد تفسيرها بالمحبة قال: أي تحببوا إلى الله، وقرأ {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} [الإسراء: 57] وعن السدي أنها المسألة والقربة. وروى ابن الأنباري أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الوسيلة فقال الحاجة... وتفسير الوسيلة بما فسرناها به أعم، وهو المطابق للغة. قال في لسان العرب: الوسيلة في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به إليه، وذلك بعد أن نفسر الوسيلة بالمنزلة عند الملك وبالقربة. وقال: وسل فلان إلى الله وسيلة، إذا عمل عملا تقرب به إليه.
ثم ذكر من معانيها الوصلة والقربى وإنما يؤخذ عن أهل اللغة أصل المعنى ويرجح به بعض التفسير المأثور على بعض. وللوسيلة معنى في الحديث غير معناها هنا.
روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء أي الإذن: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته: حلت له شفاعتي يوم القيامة) وروى أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوسيلة يؤيده قول نقلة اللغة إن من معانيها المنزلة عند الملك. فيظهر أن هذه الوسيلة الخاصة هي أعلى منازل الجنة. فمن دعا الله تعالى أن يجعلها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كافأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشفاعة وهي دعاء أيضا. والجزاء من جنس العمل. فالوسيلة في الحديث اسم لمنزلة في الجنة معينة، وفي القرآن اسم لكل ما يتوصل به إلى مرضاة الله من علم وعمل.
{وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ} أي جاهدوا أنفسكم بكفها عن الأهواء، وحملها على التزام الحق في جميع الأحوال، وجاهدوا أعداء الإسلام، الذين يقاومون دعوته وهدايته للناس. فالجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب، وسبيل الله هي طريق الحق والخير والفضيلة، فكل جهد يحمله الإنسان في الدفاع عن الحق والخير والفضيلة، أو في تقديرها وحمل الناس عليها، فهو في سبيل الله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي اتقوا ما يجب تركه، وابتغوا ما يجب فعله. من أسباب مرضاة الله وقربه، واحتملوا الجهد والمشقة في سبيله، رجاء الفوز والفلاح، والسعادة في المعاش والمعاد.
فصل في التوسل والوسيلة عند عامة المتأخرين:
بينا معنى الوسيلة في الآية وما قاله رواة التفسير المأثور عن السلف فيها. ولم يؤثر عن صحابي ولا تابعي ولا أحد من علماء السلف أو عامتهم أن الوسيلة إلى الله تعالى تبتغى بغير ما شرعه الله للناس من الإيمان والعمل ومنه الدعاء. إلا كلمة رويت عن الإمام مالك لم تصح عنه بل صح عنه ما ينافيها. وقد حدث في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين والمتقين، أي تسميتهم وسائل إلى الله تعالى، والإقسام على الله بهم، وطلب قضاء الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم وحال البعد عنها. وشاع هذا وكثر حتى صار كثير من الناس يدعون أصحاب القبور في حاجاتهم مع الله تعالى، أو يدعونهم من دون الله تعالى. و (الدعاء هو العبادة) كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن النعمان بن بشير، والله تعالى يقول: {فلا تدعوا مع الله أحد} [الجن:18] ويقول: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} [الأعراف:194] ويقول: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم. ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر:13، 14] لكن بعض المصنفين زعم أنهم يسمعون، ويستجيبون للداعي، والعوام يأخذون بمثل هذا القول المخالف لقول الله تعالى لعموم الجهل، ومن المشتغلين بالعلم من يتأول لهم بأن هذا من التوسل بهم. وقد حقق شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الموضوع بجميع فروعه، فكان ما كتبه في ذلك مصنفا حافلا أطلق عليه اسم (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)..
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من المقدور في اجتناب ما يَسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، الظاهرة والباطنة. ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله وعذابه. {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي: القرب منه، والحظوة لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل. والبدنية: كالزكاة والحج. والمركبة من ذلك كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال الكافرين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات. ولأن من قام به، فهو على القيام بغيره أحرى وأولى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} إذا اتقيتم الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في سبيله ابتغاء مرضاته. والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فالخوف ينبغي أن يكون من الله. فهذا هو الخوف اللائق بكرامة الإنسان. أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة. لا تحتاج إليها إلا النفوس الهابطة.. والخوف من الله أولى وأكرم وأزكى.. على أن تقوى الله هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن؛ وهي التي تكف عن الشر في الحالات التي لا يراها الناس، ولا تتناولها يد القانون. وما يمكن أن يقوم القانون وحده -مع ضرورته- بدون التقوى؛ لأن ما يفلت من يد القانون حينئذ أضعاف أضعاف ما تناله. ولا صلاح لنفس، ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده؛ بلا رقابة غيبية وراءه، وبلا سلطة إلهية يتقيها الضمير. {وابتغوا إليه الوسيلة}.. اتقوا الله؛ واطلبوا إليه الوسيلة؛ وتلمسوا ما يصلكم به من الأسباب.. وفي رواية عن ابن عباس: ابتغوا إليه الوسيلة؛ أي ابتغوا إليه الحاجة. والبشر حين يشعرون بحاجتهم إلى الله وحين يطلبون عنده حاجتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية؛ ويكونون -بهذا- في أصلح أوضاعهم وأقربها إلى الفلاح. وكلا التفسيرين يصلح للعبارة؛ ويؤدي إلى صلاح القلب، وحياة الضمير، وينتهي إلى الفلاح المرجو. {لعلكم تفلحون}..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اعتراض بين آيات وعيد المحاربين وأحكام جزائهم وبين ما بعده من قوله: {إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً} [المائدة: 36] الآية. خاطب المؤمنين بالتّرغيب بعد أن حذّرهم من المفاسد، على عادة القرآن في تخلّل الأغراض بالموعظة والتّرغيب والتّرهيب، وهي طريقة من الخطابة لاصطياد النّفوس، كما قال الحريري: « فلمّا دَفنوا الميْتْ، وفاتَ قول ليتْ، أقبل شَيخ من رِباوَة، متأبّطاً لهراوة،. فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، إلخ. فعُقّب حكم المحاربين من أهل الكفر بأمر المؤمنين بالتّقوى وطلب ما يوصلهم إلى مرضاة الله. وقابل قتالاً مذموماً بقتال يحمد فاعله عاجلاً وآجلاً».
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} النداء موجه للمؤمنين بوصف أنهم مؤمنون، لأن مقتضى الإيمان أن يربوا أنفسهم على الخير، وينزعوا منها نوازع الشر، وقد ذكر سبحانه وتعالى الطريق لتربية النفس وتغليب جانب الخير فيها على جانب الشر، وجانب الصلاح على جانب الفساد، وتلك الطريق المثلى مكونة من نقط ثلاث يتكون منها الخط المستقيم الموصل للغاية الفضلى، وهذه النقط الثلاث هي التقوى وابتغاء الوسيلة، والجهاد في سبيله والغاية الحسنى هي الفلاح في الدنيا والآخرة، ولنشر بكلمة موجزة إلى معاني التربية في كل نقطة من هذه النقط. {اتقوا الله} أي: اجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وقاية، بحيث تكون نفوسكم في حصن لا يدخل إليها الشر وهي فيه، وهذا الحصن هو التقوى التي تملأ القلب بذكر الله تعالى فلا تحس النفس إلا به سبحانه مسيطرا على كل ما في هذا الوجود، وتحس به رقيبا لا تخفى عليه خافية من خلجاتها، يعلم ما يخفي كل إنسان وما يعلن، وما يسر به وما يجهر، فيتجه إليه سبحانه وتعالى كأنه يرى ربه في كل عمل يعمله، فإن لم يكن يراه سبحانه فإنه يراه، كما قال النبي صلى الله عليه ونسلم:"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ولا شك أن النفس إذا امتلأت بالتقوى ذلك الامتلاء، جانبها الهوى والحقد والحسد، وحب الاستعلاء الباطل، وصار صاحبها ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى في أوصاف أهل الإيمان: {...لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا... (83)} (القصص). {وابتغوا إليه الوسيلة} هذه هي النقطة الثانية من الخط المستقيم الذي لا عوج فيه، فالنقطة الأولى ملء القلب بذكر الله تعالى وخشيته وجعلها دائما في إحساس برقابته، وإنه يترتب على إدراك هذا الجزء من الخط المستقيم الوصول إلى النقطة الثانية، وهي طلب ما يتوسل به إليه لنيل رضاه وإدراك حق طاعته، فالوسيلة: هي ما يتوسل بها إلى رضا الله تعالى، وهي طاعته راغبا فيها محبا لها، قاصدا إليها، وزكى لذلك طلبها بقوله تعالى: {وابتغوا} أي اطلبوا رضاه وطاعته سبحانه طلب من يحبه ويبغيه لثواب، وتلك أعلى الدرجات ومن دون ذلك له فضل كبير ما دام قد طلب رضا الله تعالى.
إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يأتي بأمور الدين كأبواب منفصلة، باب للصلاة، وآخر للصوم وثالث للزكاة لا بل يمزج كل ذلك في عجينة واحدة، ولذلك فعندما أنزل بالمفسدين المحاربين لله عقاب التقتيل والتصليب والتقطيع والنفي كان ذلك لتربية مهابة الرعب في النفس البشرية، وساعة يستيقظ الرعب في النفس البشرية يقول الحق:
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35)}.
لقد أخرجنا من جو صارم وحديث في عقوبات إلى تقوى الله والتقوى كما نعرف أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية.
وعرفنا أن الحق سبحانه الذي يقول: "اتقوا الله "هو بعينه الذي يقول "اتقوا النار"، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية، وإن قال قائل: إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائما في معيته، فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه ومن عقابه النار.
إذن فقوله الحق:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله "أي أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده وقوله سبحانه:"وابتغوا إليه الوسيلة "أي نبحث عن الوصلة التي توصلنا إلى طاعته ورضوانه وإلى محبته وهل هناك وسيلة إلا ما شرعه الله سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يحبه؟.
وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يحب فلان؟ فيقال له: فلان يحب ربطات العنق، فيهديه عددا من ربطات العنق، ويقال أيضا: فلان يحب المسبحة الجيدة فيحضر له مسبحة رائعة، إذن كل إنسان يتقرب إلى أي كائن بما يحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟ وما يحبه سبحانه أوضحه لنا في حديثه القدسي:"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).
فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد فيقول سبحانه في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل).
أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من جنس ما افترضه سبحانه فلا ابتكار في العبادات إذن فابتغاء الوسيلة من الله هي طاعته والقيام على المنهج في "افعل "و "لا تفعل".
والوسيلة عندنا أيضا هي منزلة من منازل الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم طلب منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)...
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" ولنر الإيثار الإيماني الذي يرد الحق أن يربيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن محارمه وابتغاء الوسيلة إلى الله في إتباع أوامره.
إن الدين لم يأتك من أجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح كاملا إلا أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيدا على أن يكون ذلك لإخوانك أيضا، وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك، ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله وهكذا تتسع الهمة الإيمانية فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن ولذلك يضع لنا حق الطريق المستقيم ويوضحه ويبينه لنا.
وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بأن لله نعيما وجزاء في الآخرة هو خير مما يعيشه قدم دمه واستشهد لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة.
لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل ظل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يربي من يحملون الدعوة، فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية.
وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابيا يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد هرب وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادخر خالدا وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد، وكذلك عمرو بن العاص قد ادخره الله إلى نصر آخر للإسلام.
إذن فالجهاد في سبيل الله ضمان للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصلا إلى أن تقوم الساعة وذلك لا يتأتى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتحب أن توصله إلى غيرها ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمنا، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخيارا استفاد الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشرارا يناله من شرهم شيء.
إذن فمن مصلحة الخير أن يشيع خيره في الناس، لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره، لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر، لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان، لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم أما إن بقي الناس على شرهم وبقي الإنسان الطيب على خيره فسيظل خير الطيب مبذولا لهم ويظل شرهم مبذولا للطيب.
إذن من حكمة الإيمان أن "يعدي" الإنسان الخير للغير، وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لا بد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لا بد من حسن الإعداد، وعندما يعد المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه، لأن الدعوة إلى الله تقتضي سلوكا طيبا، والسلوك الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوي معسكر الإيمان فيرتقي سلوكا وعملا، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري والحق يقول: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس (من الآية25سورة الحديد).
سبحانه أنزل القرآن وأنزل الحديد، ويتبع ذلك:
{وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} (من الآية25سورة الحديد).
وجاء معنى البأس من أجل ذلك، وهذا هو السبب الثاني الذي أوصانا به الحق:
إياكم أن تأخذوا منهج الله فقط الذي ينحصر في "افعل ولا تفعل" ولكن خذوا منهج الله بما يحمي منهج الله وهو التقدم العلمي باستخراج كنوز الأرض وتصنيعها كالحديد مثلا، فسبحانه كما أنزل القرآن يحمل المنهج، فقد أنزل الحديد وعلى الإنسان مهمة استنباط الحديد والمواد الخام التي تسهل لنا صناعة الأجهزة العلمية، ونقيم المصانع التي تنتج لنا من حديد فولاذا ونحول الفولاذ إلى دروع ونصنع أدق الأجهزة التي تهيئ للمقاتل فرصة النصر وكذلك ندخر المواد الغذائية لتكفي في أيام الحرب.
إذن حركة الحياة كلها جهاد، وإياك أن تقصر فكرة الجهاد عندك على ساحة المعركة، ولكن أعد نفسك للمعركة، لأنك إن أعددت نفسك جيدا وعلم خصمك أنك أعددت له، ربما امتنع عن أن يحاربك والذي يمنع العالم الآن من معركة ساخنة تدمره هو الخوف من قبل الكتل المتوازنة لأن كل دولة تعد نفسها للحرب ولو أن قوة واحدة في الكون لهدمت الدنيا.
وقول الحق: "وجاهدوا في سبيله" نأخذه على أنه جهاد في سبيل منهج الله، وندرس هذا المنهج ونفهمه وبعد ذلك نجاهد فيه باللسان وبالسنان ونجاهد فيه بالكتاب ونجاهد فيه بالكتيبة.
إذن فقوله الحق: "وجاهدوا في سبيله" يصنع أمة إيمانية متحضرة حتى لا تترك الفرصة للكافر بالله ليأخذ أسباب الله وأسراره في الكون، فمن يعبد الإله الواحد أولى بسر الله في الوجود ولو فرضنا أنه لن تقوم حرب لكننا نملك المصانع التي تنتج، وعندنا الزراعة التي تكفي حاجات الناس، عندئذ سنحقق الكفاية وما لا تستعمله في الحرب سيعود على السلام، ويجب أن تفهموا أن كل اختراعات الحياة التقدمية تنشأ أولا لقصد الحرب، وبعد ذلك تهدأ النفوس وتأخذ البشرية هذه الإنجازات لصالح السلام.