روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (63)

{ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } أي مفاتيحها كما قال ابن عباس . والحسن . وقتادة . وغيرهم فقيل هو جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل : جمع مقليد وقيل : جمع مقلاد من التقليد بمعنى الإلزام ومنه تقليد القضاء وهو إلزامه النظر في أموره ، وكذا القلادة للزومها للعنق ، وجعل اسماً للآلة المعروفة للإلزام بمعنى الحفظ وهو على جميع هذه الأقوال عربي والأشهر الأظهر كونه معرباً فهو جمع اقليد معرب إكليد وهو جمع شاذ لأن جمع افعيل على مفاعيل مخالف للقياس وجاء أقاليد على القياس ويقال : في اكليد كليد بلا همزة ، وذكر الشهاب أنه بلغة الروم اقليدس وكليد واكليد منه ، والمشهور أن كليد فارسي ولم يشتهر في الفارسية اكليد بالهمزة ، وله مقاليد كذا قيل : مجاز عن كونه مالك أمره ومتصرفاً فيه بعلاقة اللزوم ، ويكنى به عن معنى القدرة والحفظ ، وجوز كون المعنى الأول كنائياً لكن قد اشتهر فنزل منزلة المدلول الحقيقي فكنى به عن المعنى الآخر فيكون هناك كناية على كناية وقد يقتصر على المعنى الأول في ازرادة وعليه قيل هنا المعنى لا يملك أمر السماوات والأرض ولا يتمكن من التصرف فيها غيره عز وجل . والبيضاوي بعد ذكر ذلك قال : هو كناية عن قدرته تعالى وحفظه لها وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لمكان اللام والتقديم ، وقال الراغب : مقاليد السماوات والأرض ما يحيط بها ، وقيل : خزائنها ، وقيل : مفاتيحها ، والإشارة بكلها إلى معنى واحد وهو قدرته تعالى عليه وحفظه لها انتهى .

وجوز أن يكون المعنى لا يملك التصرف في خزائن السماوات والأرض أي ما أودع فيها واستعدت له من المنافع غيره تعالى ، ولا يخفى أن هذه الجملة إن كانت في موضع التعليل لقوله سبحانه : { وَهُوَ على كُلّ شيء وَكِيلٌ } [ الزمر : 62 ] على المعنى الأول فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا يملك أمر السماوات والأرض أي العالم بأسره غيره تعالى فكأنه قيل : تعالى يتولى التصرف في كل شيء لأنه لا يملك أمره سواه عز وجل ، وإن كانت تعليلاً له على المعنى الثاني فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا قدرة عليها لأحد غيره جل شأنه فكأنه قيل : هو تعالى يتولى حفظه كل شيء لأنه لا قدرة لأحد عليه غيره تعالى ، وجوز أن تكون عطف بيان للجملة قبلها وأن تكون صفة { وَكِيلٌ } وأن تكون خبراً بعد خبر فأمعن النظر في ذلك وتدبر . وأخرج أبو يعلى . ويوسف القاضي في «سننه » . وأبو الحسن القطان في المطولات . وابن السني في عمل اليوم والليلة . وابن المنذر . وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى : له مقاليد السموات والأرض فقال : لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله استغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطين يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير » الحديث .

وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أن عثمان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : اخبرني عن مقاليد السماوات والأرض فقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير يا عثمان من قالها إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى أعطاه الله ست خصال . أما أولهن : فيحرس من إبليس وجنوده . وأما الثانية : فيعطي قنطاراً من الأجر . وأما الثالثة : فيتزوج من الحور العين . وأما الرابعة : فيغفر له ذوبه . وأما الخامسة : فيكون مع إبراهيم عليه السلام . وأما السادسة : فيحضره اثنا عشر ملكاً عند موته يبشرونه بالجنة ويزفونه من قبره إلى الموقف فإن أصابه شيء من أهاويل يوم القيامة قالوا له لا تخف إنك من الآمنين ثم يحاسبه الله حساباً يسيراً ثم يؤمر به إلى الجنة فيزفونه إلى الجنة من موقفه كما تزف العروس حتى يدخلوه الجنة بإذن الله تعالى والناس في شدة الحساب . وفي رواية العقيلي . والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } فقال عليه الصلاة والسلام : ما سألني عنها أحد تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير . وفي رواية الحرث بن أبي أسامة . وابن مردويه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : " هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله " وبالجملة اختلفت الروايات في الجواب ، وقيل في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : إنه ضعيف في سنده من لا تصلح روايته ، وابن الجوزي قال : إنه موضوع ولم يسلم له وحال الاخبار الآخر الله تعالى أعلم به والظن الضعف .

والمعنى عليها أن لله تعالى هذه الكلمات يوحد بها سبحانه ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المؤمنين أصابه ، فوجه إطلاق المقاليد عليها أنها موصلة إلى الخير كما توصل المفاتيح إلى ما في الخزائن ، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم شيئاً من الخير في حديث ابن عباس وعد في الحديث قبله عشر خصال لمن قالها كل يوم مائة مرة وهو بتمامه في «الدر المنثور .

{ { والذين كَفَرُواْ * بآيات الله * أولئك هُمُ الخاسرون } معطوف على قوله تعالى : { الله خالق كُلّ شيء } [ الزمر : 62 ] الخ أي أنه عز شأنه متصف بهذه الصفات الجليلة الشأن والذين كفروا وجحدوا ذلك أولئك هم الكاملون في الخسران ، وقيل : على قوله تعالى : { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } ولا يظهر ذلك على بعض الأوجه السابقة فيه .

وقيل : على مقدر تقديره فالذين اتقوا أو فالذين آمنوا بآيات الله هم الفائزون والذين كفروا الخ ، وفيه تكلف .

وجوز أن يكون معطوفاً على قوله تعالى : { وَيُنَجّى الله } [ الزمر : 61 ] فيكون التقدير وينجي الله المتقين والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه تعالى مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها ، وفيه تأكيد لثواب المؤمنين وفلاحهم وعقاب الكفرة وخسرانهم ولم يقل ويهلك الذين كفروا بخسرانهم ما قاله سبحانه : { وَيُنَجّى } الخ للإشعار بأن العمدة في فوز المؤمنين فضله تعالى فلذا جعل نجاتهم مسندة له تعالى حادثة له يوم القيامة غير ثابتة قبل ذلك بالاستحقاق والأعمال بخلاف هلاك الفكرة فإنهم قدموه لأنفسهم بما اتصفوا به من الكفر والضلال ولم يسند له تعالى ولم يعبر عنه بالمضارع أيضاً ، وفي ذلك تصريح بالوعد وتعريض بالوعيد حيث قيل : { الخاسرون } ولم يقل الهالكون أو المعذبون أو نحوه وهو قضية الكرم .

وعطف الجملة الاسمية على الفعلية مما لا شبهة في جوازه عند النحويين ، ومما ذكرنا يعلم رد قول الإمام الرازي : إن هذا الوجه ضعيف من وجهين : الأول : وقوع الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه . الثاني : وقوع الاختلاف بينهما في الفعلية والاسمية وهو لا يجوز ، والإمام أبو حيان منع كون الفاصل كثيراً .

وقال في الوجه الثاني : إنه كلام من لم يتأمل كلام العرب ولا نظر في أبواب الاشتغال . نعم قال في «الكشف » يؤيد الاتصال بما يليه دون قوله تعالى : { وَيُنَجّى } أن قوله سبحانه : { وَيُنَجّى الله } متصل بقوله تعالى : { وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ } [ الزمر : 60 ] فلو قيل بعده : { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } [ الزمر : 36 ] لم يحسن لأن الأحسن على هذا المساق أن يقدم على قوله تعالى : { وَيُنَجّى الله } على ما لا يخفى ولأنه كالتخلص إلى ما بعده من حديث الأمر بالعبادة والإخلاص إذ ذاك ، وهو كلام حسن ، ثم الحصر الذي يقتضيه تعريف الطرفين وضمير الفصل باعتبار الكمال كما أشرنا إليه لا باعتبار مطلق الخسران فإنه لا يختص بهم ؛ وجوز أن يكون قصر قلب فإنهم يزعمون المؤمنين خاسرين .